قوله تعالى { وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون }
لما حكى في الآية الأولى عنهم أنهم اتخذوا دين المسلمين هزوا ولعبا ذكر هاهنا بعض ما يتخذونه من هذا الدين هزوا ولعبا فقال : { وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : الضمير في قوله { اتخذوها } للصلاة أو المناداة .
قيل : كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المؤذن بالمدينة يقول : أشهد أن محمدا رسول الله يقول : أحرق الكاذب ، فدخلت خادمته بنار ذات ليلة فتطايرت منها شرارة في البيت فاحترق البيت واحترق هو وأهله .
وقيل : كان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي للصلاة وقام المسلمون إليها ، فقالت اليهود : قاموا لا قاموا ، صلوا لا صلوا على طريق الاستهزاء ، فنزلت الآية .
وقيل : كان المنافقون يتضاحكون عند القيام إلى الصلاة تنفيرا للناس عنها .
وقيل : قالوا يا محمد لقد أبدعت شيئا لم يسمع فيما مضى ، فإن كنت نبيا فقد خالفت فيما أحدثت جميع الأنبياء ، فمن أين لك صياح كصياح العير ، فأنزل الله هذه الآية .
المسألة الثانية : قالوا : دلت الآية على ثبوت الأذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده .
المسألة الثالثة : قوله { هزوا ولعبا } أمران ، وذلك لأنهم عند إقامة الصلاة يقولون : هذه الأعمال التي أتينا بها استهزاء بالمسلمين وسخرية منهم ، فإنهم يظنون أنا على دينهم مع أنا لسنا كذلك . ولما اعتقدوا أنه ليس فيها فائدة ومنفعة في الدين والدنيا قالوا إنها لعب .
ثم قال تعالى : { ذلك بأنهم قوم لا يعقلون } أي لو كان لهم عقل كامل لعلموا أن تعظيم الخالق المنعم وخدمته مقرونة بغاية التعظيم لا يكون هزوا ولعبا ، بل هو أحسن أعمال العباد وأشرف أفعالهم ، ولذلك قال بعض الحكماء : أشرف الحركات الصلاة ، وأنفع السكنات الصيام .
{ وَإِذَا ناديتم } أي دعا بعضكم بعضاً { إِلَى الصلاة اتخذوها } أي الصلاة ، أو المناداة إليها { هُزُواً وَلَعِباً } . أخرج البيهقي في «الدلائل » من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : كان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نادى بالصلاة فقام المسلمون إليها قالت اليهود : قد قاموا لا قاموا ، فإذا رأوهم ركعاً وسجداً استهزأوا بهم وضحكوا منهم ، وأخرج ابن جرير وغيره عن السدي قال : كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المنادي ينادي أشهد أن محمداً رسول الله قال : ( حرق ) الكاذب ، فدخلت خادمه ذات ليلة بنار وهو نائم وأهله نيام فسقطت شرارة فأحرقت البيت وأحرق هو وأهله ، والكلام مسوق لبيان استهزائهم بحكم خاص من أحكام الدين بعد بيان استهزائهم بالدين على الإطلاق إظهاراً لكمال شقاوتهم { ذلك } أي الاتخاذ المذكور { بِأَنَّهُمْ } أي بسبب أنهم { قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ } فإن السفه يؤدي إلى الجهل بمحاسن الحق والهزء به ، ولو كان لهم عقل في الجملة لما اجترأوا على تلك العظيمة .
قيل : وفي الآية دليل على ثبوت الأذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده ، واعترض بأن قوله سبحانه : { وَإِذَا ناديتم } لا يدل على الأذان اللهم إلا أن يقال : حيث ورد بعد ثبوته كان إشارة إليه فيكون تقريراً له ، قال في «الكشف » أقول فيه : إن اتخاذ المناداة هزؤاً منكر من المناكير لأنها من معروفات الشرع ، فمن هذه الحيثية دل على أن المناداة التي كانوا عليها حق مشروع منه تعالى ، وهو المراد بثبوته بالنص بعد أن ثبت ابتداءاً بالسنة ومنام عبد الله بن زيد الأنصاري الحديث بطوله ، ولا ينافيه أن ذلك كان أول ما قدموا المدينة ، والمائدة من آخر القرآن نزولاً ، وقوله : لا بالمنام وحده ليس فيه ما يدل على أن السنة غير مستقلة في الدلالة لأن الأدلة الشرعية معرفات وأمارات لا مؤثرات وموجبات ؛ وترادف المعرفات لا ينكر انتهى ، ولأبي حيان في هذا المقام كلام لا ينبغي أن يلتفت إليه لما فيه من المكابرة الظاهرة ، وسمي الأذان مناداة لقول المؤذن فيه : حي على الصلاة حي على الفلاح .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَإِذَا ناديتم إِلَى الصلاة } أي الحضور في حضرة الرب { اتخذوها هُزُواً وَلَعِباً ذلك بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ } [ المائدة : 58 ] الأسرار ولم يفهموا ما في الصلاة من بلوغ الأوطار ، فقد صح «حبب لي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة »
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.