مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{قُلۡ يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ هَلۡ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَّآ أَنۡ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلُ وَأَنَّ أَكۡثَرَكُمۡ فَٰسِقُونَ} (59)

قوله تعالى { قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون }

اعلم أن وجه النظم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم اتخذوا دين الإسلام هزوا ولعبا قال لهم : ما الذين تنقمون من هذا الدين ، وما الذي تجدون فيه مما يوجب اتخاذه هزوا ولعبا وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : قرأ الحسن { هل تنقمون } بفتح القاف ، والفصيح كسرها . يقال : نقمت الشيء ونقمته بكسر القاف وفتحها إذا أنكرته ، وللمفسرين عبارات : هل تنقمون منا : هل تعيبون هل تنكرون ، هل تكرهون . قال بعضهم : سمي العقاب نقمة لأنه يجب على ما ينكر من الفعل . وقال آخرون : الكراهة التي يتبعها سخط من الكاره تسمى نقمة ، لأنها تتبعها النقمة التي هي العذاب فعلى القول الأول لفظ النقمة موضوع أولا للمكروه ، ثم سمي العذاب نقمة لكونه مكروها ، وعلى القول الثاني لفظ النقمة موضوع للعذاب ، ثم سمي المنكر والمكروه نقمة لأنه يتبعه العذاب .

المسألة الثانية : معنى الآية أنه يقول لأهل الكتاب : لم اتخذتم هذا الدين هزوا ولعبا ، ثم قال على سبيل التعجب : هل تجدون في هذا الدين إلا الإيمان بالله والإيمان بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ، والإيمان بجميع الأنبياء الذين كانوا قبل محمد صلى الله عليه وسلم ! يعني أن هذا ليس مما ينقم ، أما الإيمان بالله فهو رأس جميع الطاعات ، وأما الإيمان بمحمد وبجميع الأنبياء فهو الحق والصدق ؛ لأنه إذا كان الطريق إلى تصديق بعض الأنبياء في ادعاء الرسالة والنبوة هو المعجز ، ثم رأينا أن المعجز حصل على يد محمد عليه الصلاة والسلام وجب الإقرار بكونه رسولا ، فأما الإقرار بالبعض وإنكار البعض فذلك كلام متناقض ، ومذهب باطل ، فثبت أن الذي نحن عليه هو الدين الحق والطريق المستقيم ، فلم تنقموه علينا ! قال ابن عباس : إن نفرا من اليهود أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عمن يؤمن به من الرسل ، فقال : أؤمن بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل إلى قوله ونحن له مسلمون ، فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته وقالوا : والله ما نعلم أهل دين أقل حظا في الدنيا والآخرة منكم ولا دينا شرا من دينكم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية وما بعدها .

وأما قوله { وأن أكثركم فاسقون } فالقراءة العامة { أن } بفتح الألف ، وقرأ نعيم بن ميسرة { إن } بالكسر ، وفي الآية سؤالات :

السؤال الأول : كيف ينقم اليهود على المسلمين مع كون أكثر اليهود فاسقين ؟

والجواب من وجوه : الأول : قوله { وأن أكثركم فاسقون } تخصيص لهم بالفسق ، فيدل على سبيل التعريض أنهم لم يتبعوهم على فسقهم ، فكان المعنى : وما تنقمون منا إلا أن آمنا . وما فسقنا مثلكم ، الثاني : لما ذكر تعالى ما ينقم اليهود عليهم من الإيمان بجميع الرسل وليس ذلك مما ينقم ذكر في مقابله فسقهم ، وهو مما ينقم ، ومثل هذا حسن في الازدواج . يقول القائل : هل تنقم مني إلا أني عفيف وإنك فاجر ، وأني غني وأنت فقير ، فيحسن ذلك لإتمام المعنى على سبيل المقابلة . والثالث : أن يكون الواو بمعنى ( مع ) أي وما تنقمون منا إلا الإيمان بالله مع أن أكثركم فاسقون ، فإن أحد الخصمين إذا كان موصوفا بالصفات الذميمة واكتسب الثاني شيئا كثيرا من الصفات الحميدة كان اكتسابه للصفات الحميدة مع كون خصمه مكتسبا للصفات الذميمة أشد تأثيرا في وقوع البغض والحسد في قلب الخصم . والرابع : أن يكون على تقدير حذف المضاف ، أي واعتقاد أنكم فاسقون . الخامس : أن يكون التقدير : وما تنقمون منا إلا بأن آمنا بالله وبأن أكثركم فاسقون ، يعني بسبب فسقكم نقمتم الإيمان علينا . السادس : يجوز أن يكون تعليلا معطوفا على تعليل محذوف كأنه قيل : وما تنقمون منا إلا الإيمان لقلة إنصافكم ، ولأجل أن أكثركم فاسقون .

السؤال الثاني : اليهود كلهم فساق وكفار ، فلم خص الأكثر بوصف الفسق ؟

والجواب من وجهين : الأول : يعني أن أكثركم إنما يقولون ما يقولون ، ويفعلون ما يفعلون طلبا للرياسة والجاه وأخذ الرشوة والتقرب إلى الملوك ، فأنتم في دينكم فساق لا عدول ، فإن الكافر والمبتدع قد يكون عدل دينه ، وقد يكون فاسق دينه ، ومعلوم أن كلهم ما كانوا كذلك فلذلك خص أكثرهم بهذا الحكم ، والثاني : ذكر أكثرهم لئلا يظن أن من آمن منهم داخل في ذلك .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قُلۡ يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ هَلۡ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَّآ أَنۡ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلُ وَأَنَّ أَكۡثَرَكُمۡ فَٰسِقُونَ} (59)

{ قُلْ ياأهل أَهْلِ الكتاب } أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق تلوين الخطاب بعد نهي المؤمنين عن تولي المستهزئين بأن يخاطبهم ويبين أن الدين منزه عما يصحح صدور ما صدر منهم من الاستهزاء ويظهر لهم سبب ما ارتكبوه ويلقمهم الحجر ، ووصفوا بأهلية الكتاب تمهيداً لما سيذكر سبحانه من تبكيتهم وإلزامهم بكفرهم بكتابهم أي قل يا محمد لأولئك الفجرة { هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا } أي هل تنكرون وتعيبون منا ، وهو من نقم منه كذا إذا أنكره وكرهه من حدّ ضرب ، وقرأ الحسن { تَنقِمُونَ } بفتح القاف من حدّ علم ، وهي لغة قليلة ، وقال الزجاج : يقال : نقم بالفتح والكسر ، ومعناه بالغ في كراهة الشيء ، وأنشد لعبد الله بن قيس :

( ما نقموا ) من بني أمية *** إلا أنهم يحلمون إن غضبوا

وفي «النهاية » «يقال : نقم ينقم إذا بلغت به الكراهة حدّ السخط ، ويقال : نقم من فلان الإحسان إذا جعله مما يؤديه إلى كفر النعمة ، ومنه حديث الزكاة " ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيراً فأغناه الله تعالى " أي ما ينقم شيئاً من منع الزكاة إلا أن يكفر النعمة ، فكأن غناه أداه إلى كفر نعمة الله تعالى » ، وعن الراغب إن تفسير نقم بأنكر وأعاب لأن «النقمة معناها الإنكار باللسان أو بالعقوبة » لأنه لا يعاقب إلا على ما ينكر فيكون على حد قوله :

ونشتم بالأفعال لا بالتكلم *** وهو كما قال الشهاب : مما يعدي بمن ، وعلى وقال أبو حيان ( 3/517 ) : «أصله أن يتعدى بعلى ، ثم افتعل المبني منه يعدى بمن لتضمنه معنى الإصابة بالمكروه ، وهنا فعل بمعنى افتعل » ولم يذكر له مستنداً في ذلك .

{ إِلاَّ أَنْ ءامَنَّا بالله وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا } من القرآن المجيد . { وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ } أي من قبل إنزاله من التوراة والإنجيل وسائر الكتب المنزلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام .

{ وَأن أكثركم فاسقون } أي متمردون خارجون عن دائرة الإيمان بما ذكر ، فإن الكفر بالقرآن العظيم مستلزم للكفر بسائر الكتب كما لا يخفى ، والواو للعطف وما بعدها عطف على { مِنَّا إِلاَّ } . واختار بعض أجلة المحققين أنه مفعول له لتنقمون والمفعول به الدين ، وحذف ثقة بدلالة ما قبل وما بعد عليه دلالة واضحة ، فإن اتخاذ الدين هزواً ولعباً عين نقمه وإنكاره ، والإيمان بما فصل عين الدين الذي نقموه ، خلا أنه ( أبرز ) في معرض علة نقمهم له تسجيلاً عليهم بكمال المكابرة والتعكيس حيث جعلوه موجباً لنقمه مع كونه في نفسه موجباً لقبوله وارتضائه ، فالاستثناء على هذا من أعم العلل أي ما تنقمون منا ديننا لعلة من العلل إلا لإيماننا بالله تعالى وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل من كتبكم ولأن أكثركم متمردون غير مؤمنين بشيء مما ذكر حتى لو كنتم مؤمنين بكتابكم الناطق بصحة كتابنا لآمنتم به ، وقدر بعضهم المفعول المحذوف شيئاً ولا أرى فيه بأساً ، وقيل : العطف على { مِنَّا إِلاَّ } باعتبار كونه المفعول به لكن لا على أن المستثنى مجموع المعطوفين إذ لا يعترفون أن أكثرهم فاسقون حتى ينكروه بل هو ما يلزمهما من المخالفة ، فكأنه قيل : هل تنكرون منا إلا أنا على حال يخالف حالكم حيث دخلنا في الإسلام وخرجتم منه بما خرجتم ، وقيل : الكلام على حذف مضاف أي واعتقاد أن أكثركم فاسقون ، وقيل : العطف على المؤمن به أي هل تنقمون منا إلا إيماننا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وبأن أكثركم كافرون ، وهذا في المعنى كالوجه الذي قبله .

وقيل : العطف على علة محذوفة ، وقد حذف الجار في جانب المعطوف ، ومحله إما جر أو نصب على الخلاف المشهور أي هل تنقمون منا إلا الإيمان لقلة إنصافكم ولأن أكثركم فاسقون ، وقيل : هو منصوب بفعل مقدر منفي دل عليه المذكور أي ولا تنقمون أن أكثركم فاسقون ، وقيل : هو مبتدأ خبره محذوف ، ويقدر مقدماً عند بعض لأن { ءانٍ } المفتوحة لا يقع ما معها مبتدأ إلا إذا تقدم الخبر .

وقال أبو حيان ( 3/517 ) : «إنَّ { ءانٍ } لا يبتدأ بها متقدمة إلا بعد أما فقط » ، وخالف الكثير من النحاة في هذا الشرط على أنه يغتفر في الأمور التقديرية ما لا يغتفر في غيرها ، والجملة على التقديرين حالية ، أو معترضة أي وفسقكم ثابت أو معلوم ، وقيل : الواو بمعنى مع أي هل تنقمون منا إلا الإيمان مع أن أكثركم الخ ؟ وتعقبه العلامة التفتازاني بأن هذا لا يتم على ظاهر كلام النحاة من أنه لا بد في المفعول معه من المصاحبة في معمولية الفعل ، وحينئذ يعود المحذور وهو أنهم نقموا كون أكثرهم فاسقين ، نعم يصح على مذهب الأخفش حيث اكتفى في المفعول معه بالمقارنة في الوجود مستدلاً بقولهم : سرت والنيل وجئتك وطلوع الشمس ، وبحث فيه بأن ذلك الاشتراط في المفعول معه لا يوجب الاشتراط في كل واو بمعنى مع ، فليكن الواو بمعنى مع من غير أن يكون مفعولاً معه لانتفاء شرطه وهو مصاحبته معمول الفعل بل يكون للعطف . وقيل : الواو زائدة { وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ } الخ في موضع التعليل أي هل تنقمون منا إلا الإيمان لأن أكثركم فاسقون . وقرأ نعيم بن ميسرة وإن أكثركم بكسر الهمزة ، والجملة حينئذ مستأنفة مبينة لكون أكثرهم متمردين ، والمراد بالأكثر من لم يؤمن { وَمَا ءامَنَ * مّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيل } .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ قُلْ ياأهل أَهْلِ الكتاب هَلْ تَنقِمُونَ } وتنكرون { مِنَّا إِلاَّ أَنْ ءامَنَّا بالله وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ } [ المائدة : 59 ] فجمعنا بين الظاهر والباطن وطرنا بهذين الجناحين إلى الحضرة القدسية