مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{لَّقَدۡ كُنتَ فِي غَفۡلَةٖ مِّنۡ هَٰذَا فَكَشَفۡنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلۡيَوۡمَ حَدِيدٞ} (22)

قوله تعالى : { لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد } .

{ لقد كنت في غفلة من هذا } إما على تقدير يقال له أو قيل له { لقد كنت } كما قال تعالى : { وقال لهم خزنتها } وقال تعالى : { قيل ادخلوا أبواب جهنم } والخطاب عام أما الكافر فمعلوم الدخول في هذا الحكم وأما المؤمن فإنه يزداد علما ويظهر له ما كان مخفيا عنه ويرى علمه يقينا رأى المعتبر يقينا فيكون بالنسبة إلى تلك الأحوال وشدة الأهوال كالغافل وفيه الوجهان اللذان ذكرناهما في قوله تعالى : { ما كنت منه تحيد } والغفلة شيء من الغطاء كاللبس وأكثر منه لأن الشاك يلتبس الأمر عليه والغافل يكون الأمر بالكلية محجوبا قلبه عنه وهو الغلف .

وقوله تعالى : { فكشفنا عنك غطاءك } أي أزلنا عنك غفلتك { فبصرك اليوم حديد } وكان من قبل كليلا ، وقرينك حديدا ، وكان في الدنيا خليلا ، وإليه الإشارة .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{لَّقَدۡ كُنتَ فِي غَفۡلَةٖ مِّنۡ هَٰذَا فَكَشَفۡنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلۡيَوۡمَ حَدِيدٞ} (22)

وقوله تعالى : { لَقَدِ كُنت في غَفْلَةٍ مّنْ هذا } محكي بإضمار قول ، والجملة استئناف مبني على سؤال نشأ مما قبله كأنه قيل : فماذا يكون بعد النفخ ومجيء كل نفس معها سائق وشهيد ؟ فقيل : يقال للكافر الغافر إذا عاين الحقائق التي لم يصدق بها في الدنيا من البعث وغيره لقد كنت في غفلة من هذا الذي تعاينه ، فالخطاب للكافر كما قال ابن عباس . وصالح بن كيسان ، وتنكير الغفلة وجعله فيها وهي فيه يدل على أنها غفلة تامة ، وهكذا غفلة الكفرة عن الآخرة وما فيها ، وقيل : لجملة محكية بإضمار قول هو صفة لنفس أو حال والخطاب عام أي يقال لكل نفس أو قد قيل لها : لقد كنت ، والمراد بالغفلة الذهول مطلقاً سواء كان بعد العلم أم لا ، وما من أحد إلا وله غفلة ما من الآخرة وما فيها ، وجوز الاستئناف على عموم الخطان أيضاً . وقرأ الجحدري { لَّقَدْ كُنتَ } بكسر التاء على مخاطبة النفس وهي مؤنثة وتذكيرها في قوله :

يا نفس إنك باللذات مسرور *** على تأويلها بالشخص ، ولا يلزم في قراءة الجمهور لأن التعبير بالنفس في الحكاية لا يستدعي اعتباره في المحكى كما لا يخفى .

{ فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ } الغذاء الحجاب المغطى لأمور المعاد وهو الغفلة والانهماك في المحسوسات والألف بها وقصر النظر عليها ، وجعل ذلك غطاء مجازاً ، وهو إما غطاء الجسد كله أو العينين ، وعلى كليهما يصح قوله تعالى : { فَبَصَرُكَ اليوم حَدِيدٌ } أي نافذ لزوال المانع للابصار ، أما على الثاني فظاهر ، وأما على الأول فلأن غطاء الجسد كله غطاء للعينين أيضاً فكشفه عنه يستدعي كشفه عنهما . وزعم بعضهم أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، والمعنى كنت في غفلة من هذا الذي ذكرناه من أمر النفخ والبعث ومجيء كل نفس معها سائق وشهيد وغير ذلك فكشفنا عنك غطاء الغفلة بالوحي وتعليم القرآن فبصرك اليوم حديد ترى ما لا يرون وتعلم ما لا يعلمون ، ولعمري أنه زعم ساقط لا يوافق السباق ولا السياق . وفي «البحر » وعن زيد بن أسلم قول في هذه الآية يحرم نقله وهو في كتاب ابن عطية انتهى ، ولعله أراد به هذا لكن في دعوى حرمة النقل بحث ، وقرأ الجحدري . وطلحة بن مصرف بكسر الكافات الثلاثة أعني كاف { عَنكَ } وما بعده على خطاب النفس ، ولم ينقل «صاحب اللوامح » الكسر في الكاف إلا عن طلحة وقال : لم أجد عنه في { لَّقَدْ كُنتَ } الكسر فإن كسر فيه أيضاً وإن فتح يكون قد حمل ذلك على لفظ { كُلٌّ } وحمل الكسر فيما بعده على معناه لإضافته إلى { نَفْسٌ } وهو مثل قوله تعالى : { فَلَهُ أَجْرُهُ } [ البقرة : 112 ] وقوله سبحانه بعده { فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } [ البقرة : 112 ] انتهى .