مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{الٓمٓ} (1)

مقدمة السورة:

{ ألم غلبت الروم في أذى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين }

وجه تعلق أول هذه السورة بما قبلها يتبين منه سبب النزول ، فنقول لما قال الله تعالى في السورة المتقدمة { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن } وكان يجادل المشركين بنسبتهم إلى عدم العقل كما في قوله : { صم بكم عمى فهم لا يعقلون } وكان أهل الكتاب يوافقون النبي في الإله كما قال : { وإلهنا وإلهكم واحد } وكانوا يؤمنون بكثير مما يقوله بل كثير منهم كانوا مؤمنين به كما قال : { والذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به } أي أبغض المشركون أهل الكتاب وتركوا مراجعتهم وكانوا من قبل يراجعونهم في الأمور ، فلما وقعت الكرة عليهم حين قاتلهم الفرس المجوس فرح المشركون بذلك ، فأنزل الله تعالى هذه الآيات لبيان أن الغلبة لا تدل على الحق ، بل الله تعالى قد يريد مزيد ثواب في المحب فيبتليه ويسلط عليه الأعادي ، وقد يختار تعجيل العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر قبل يوم الميعاد للمعادي ، وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : ما الحكمة في افتتاح هذه السورة بحروف التهجي ؟ فنقول قد سبق منا أن كل سورة افتتحت بحروف التهجي فإن في أوائلها ذكر الكتاب أو التنزيل أو القرآن كما في قوله تعالى : { الم ذلك الكتاب } ، { المص * كتاب } { طه * ما أنزلنا عليك القرآن } ، { الم * تنزيل الكتاب } { حم * تنزيل من الرحمن الرحيم } ، { يس * والقرآن } ، { ص * والقرآن } إلا هذه السورة وسورتين أخريين ذكرناهما في العنكبوت وقد ذكرنا ما الحكمة فيهما في موضعهما فنقول ما يتعلق بهذه السور وهو أن السورة التي في أوائلها التنزيل والكتاب والقرآن في أوائلها ذكر ما هو معجزة فقدمت عليها الحروف على ما تقدم بيانه في العنكبوت .

وهذه ذكر في أولها ما هو معجزة وهو الإخبار عن الغيب ، فقدمت الحروف التي لا يعلم معناها ليتنبه السامع فيقبل بقلبه على الاستماع ، ثم ترد عليه المعجزة وتقرع الأسماع .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{الٓمٓ} (1)

شرح الكلمات :

{ آلم } : هذه أحد الحروف المقطعة تكتب آلم ، وتقرأ ألف ، لام ، ميم .

المعنى :

قوله تعالى : { آلم } : أحسن أوجه التفسير لمثل هذه الحروف القول بأن الله أعلم بمراده به ، مع الإِشارة إلى أنه أفاد فائدتين الأولى أن هذا القرآن المؤلف من مثل هذه الحروف المقطعة قد عجز العرب على تأليف مثله فدل ذلك على أنه وحي الله وتنزيله ، وأن من نزل عليه نبي الله ورسوله وأن ما يحمل من تشريع هو حاجة البشرية ولا تصلح ولا تكمل ولا تسعد إلا به وعليه ، والثانية أنهما لما كان المشركون يمنعون من سماع القرآن مخافة تأثيره على المستمع له جاء تعالى بمثل هذه الفواتح للعديد من سور كتابه فكانت تضطرهم إلى الاستماع إليه لأن هذه الحروف لم تكن معهودة في مخاطباتهم .