أما قوله تعالى : { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : قال أهل النحو إلا ههنا بمعنى غير أي لو كان يتولاهما ويدير أمورهما شيء غير الواحد الذي هو فاطرهما لفسدتا ، ولا يجوز أن يكون بمعنى الاستثناء لأنا لو حملناه على الاستثناء لكان المعنى لو كان فيهما آلهة ليس معهم الله لفسدتا وهذا يوجب بطريق المفهوم أنه لو كان فيهما آلهة معهم الله أن لا يحصل الفساد ، وذلك باطل لأنه لو كان فيهما آلهة فسواء لم يكن الله معهم أو كان فالفساد لازم . ولما بطل حمله على الاستثناء ثبت أن المراد ما ذكرناه .
المسألة الثانية : قال المتكلمون : القول بوجود إلهين يفضي إلى المحال فوجب أن يكون القول بوجود إلهين محالا ، إنما قلنا إنه يفضي إلى المحال لأنا لو فرضنا وجود إلهين فلا بد وأن يكون كل واحد منهما قادرا على كل المقدورات ولو كان كذلك لكان كل واحد منهما قادرا على تحريك زيد وتسكينه فلو فرضنا أن أحدهما أراد تحريكه والآخر تسكينه ، فإما أن يقع المرادان وهو محال لاستحالة الجمع بين الضدين أو لا يقع واحد منهما وهو محال لأن المانع من وجود مراد كل واحد منهما مراد الآخر ، فلا يمتنع مراد هذا إلا عند وجود مراد ذلك وبالعكس ، فلو امتنعا معا لوجدا معا وذلك محال أو يقع مراد أحدهما دون الثاني وذلك محال أيضا لوجهين : أحدهما : أنه لو كان كل واحد منهما قادرا على ما لا نهاية له امتنع كون أحدهما أقدر من الآخر بل لا بد وأن يستويا في القدرة . وإذا استويا في القدرة استحال أن يصير مراد أحدهما أولى بالوقوع من مراد الثاني وإلا لزم ترجيح الممكن من غير مرجح . وثانيهما : أنه إذا وقع مراد أحدهما دون الآخر فالذي وقع مراده يكون قادرا والذي لم يقع مراده يكون عاجزا والعجز نقص وهو على الله محال . فإن قيل الفساد إنما يلزم عند اختلافهما في الإرادة وأنتم لا تدعون وجوب اختلافهما في الإرادة بل أقصى ما تدعونه أن اختلافهما في الإرادة ممكن ، فإذا كان الفساد مبنيا على الاختلاف في الإرادة وهذا الاختلاف ممكن والمبني على الممكن ممكن فكان الفساد ممكنا لا واقعا فكيف جزم الله تعالى بوقوع الفساد ؟ قلنا الجواب من وجهين : أحدهما : لعله سبحانه أجرى الممكن مجرى الواقع بناء على الظاهر من حيث إن الرعية تفسد بتدبير الملكين لما يحدث بينهما من التغالب . والثاني : وهو الأقوى أن نبين لزوم الفساد لا من الوجه الذي ذكرناه بل من وجه آخر ، فنقول : لو فرضنا إلهين لكان كل واحد منهما قادرا على جميع المقدورات فيفضي إلى وقوع مقدور من قادرين مستقلين من وجه واحد وهو محال لأن استناد الفعل إلى الفاعل لإمكانه فإذا كان كل واحد منهما مستقلا بالإيجاد فالفعل لكونه مع هذا يكون واجب الوقوع فيستحيل إسناده إلى هذا لكونه حاصلا منهما جميعا فيلزم استغناؤه عنهما معا واحتياجه إليهما معا وذلك محال . وهذه حجة تامة في مسألة التوحيد ، فنقول القول بوجود الإلهين يفضي إلى امتناع وقوع المقدور لواحد منهما وإذا كان كذلك وجب أن لا يقع ألبتة وحينئذ يلزم وقوع الفساد قطعا ، أو نقول لو قدرنا إلهين ، فإما أن يتفقا أو يختلفا فإن اتفقا على الشيء الواحد فذلك الواحد مقدور لهما ومراد لهما فيلزم وقوعه بهما وهو محال وإن اختلفا ، فإما أن يقع المرادان أو لا يقع واحد منهما أو يقع أحدهما دون الآخر والكل محال فثبت أن الفساد لازم على كل التقديرات ، فإن قلت : لم لا يجوز أن يتفقا على الشيء الواحد ولا يلزم الفساد لأن الفساد إنما يلزم لو أراد كل واحد منهما أن يوجده هو وهذا اختلاف ، أما إذا أراد كل واحد منهما أن يكون الموجد له أحدهما بعينه فهناك لا يلزم وقوع مخلوق بين خالقين ، قلت : كونه موجدا له ، إما أن يكون نفس القدرة والإرادة أو نفس ذلك الأثر أو أمرا ثالثا ، فإن كان الأول لزم الإشتراك في القدرة والإرادة والاشتراك في الموجد ، وإن كان الثاني فليس وقوع ذلك الأثر بقدرة أحدهما وإرادته أولى من وقوعه بقدرة الثاني ، لأن لكل واحد منهما إرادة مستقلة بالتأثير ، وإن كان الثالث وهو أن يكون الموجد له أمرا ثالثا فذلك الثالث إن كان قديما استحال كونه متعلق الإرادة . وإن كان حادثا فهو نفس الأثر ، ويصير هذا القسم هو القسم الثاني الذي ذكرناه . واعلم أنك لما وقفت على حقيقة هذه الدلالة عرفت أن جميع ما في هذا العالم العلوي والسفلي من المحدثات والمخلوقات فهو دليل وحدانية الله تعالى بل وجود كل واحد من الجواهر والأعراض دليل تام على التوحيد من الوجه الذي بيناه . وهذه الدلالة قد ذكرها الله تعالى في مواضع من كتابه ، واعلم أن ههنا أدلة أخرى على وحدانية الله تعالى . أحدها : وهو الأقوى أن يقال : لو فرضنا موجودين واجبي الوجود لذاتيهما فلا بد وأن يشتركا في الوجود ولا بد وأن يمتاز كل واحد منهما عن الآخر بنفسه وما به المشاركة غير ما به الممايزة فيكون كل واحد منهما مركبا مما به يشارك الآخر ومما به امتاز عنه ، وكل مركب فهو مفتقر إلى جزئه وجزؤه غيره ، فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره ، وكل مفتقر إلى غيره ممكن لذاته ، فواجب الوجود لذاته ممكن الوجود لذاته . هذا خلف ، فإذن واجب الوجود ليس إلا الواحد وكل ما عداه فهو ممكن مفتقر إليه وكل مفتقر في وجوده إلى الغير فهو محدث فكل ما سوى الله تعالى محدث ، ويمكن جعل هذه الدلالة تفسيرا لهذه الآية . لأنا إنما دللنا على أنه يلزم من فرض موجودين واجبين أن لا يكون شيء منهما واجبا وإذا لم يوجد الواجب لم يوجد شيء من هذه الممكنات ، وحينئذ يلزم الفساد فثبت أنه يلزم من وجود إلهين وقوع الفساد في كل العالم . وثانيها : أنا لو قدرنا إلهين لوجب أن يكون كل واحد منهما مشاركا للآخر في الإلهية ، ولا بد وأن يتميز كل واحد منهما عن الآخر بأمر ما وإلا لما حصل التعدد ، فما به الممايزة إما أن يكون صفة كمال أو لا يكون فإن كان صفة كمال فالخالي عنه يكون خاليا عن الكمال فيكون ناقصا والناقص لا يكون إلها ، وإن لم يكن صفة كمال فالموصوف به يكون موصوفا بما لا يكون صفة كمال فيكون ناقصا ، ويمكن أن يقال : ما به الممايزة إن كان معتبرا في تحقق الإلهية فالخالي عنه لا يكون إلها وإن لم يكن معتبرا في الإلهية لم يكن الاتصاف به واجبا ، فيفتقر إلى المخصص فالموصوف به مفتقر ومحتاج . وثالثها : أن يقال : لو فرضنا إلهين لكان لا بد وأن يكونا بحيث يتمكن الغير من التمييز بينهما ، لكن الامتياز في عقولنا لا يحصل إلا بالتباين في المكان أو في الزمان أو في الوجوب والإمكان وكل ذلك على الإله محال فيمتنع حصول الامتياز . ورابعها : أن أحد الإلهين إما أن يكون كافيا في تدبير العالم أو لا يكون فإن كان كافيا كان الثاني ضائعا غير محتاج إليه ، وذلك نقص والناقص لا يكون إلها . وخامسها : أن العقل يقتضي احتياج المحدث إلى الفاعل ولا امتناع في كون الفاعل الواحد مدبرا لكل العالم . فأما ما وراء ذلك فليس عدد أولى من عدد فيفضي ذلك إلى وجود أعداد لا نهاية لها وذلك محال فالقول بوجود الآلهة محال . وسادسها : أن أحد الإلهين إما أن يقدر على أن يخص نفسه بدليل يدل عليه ولا يدل على غيره أو لا يقدر عليه . والأول محال لأن دليل الصانع ليس إلا بالمحدثات وليس في حدوث المحدثات ما يدل على تعيين أحدهما دون الثاني والتالي محال لأنه يفضي إلى كونه عاجزا عن تعريف نفسه على التعيين والعاجز لا يكون إلها . وسابعها : أن أحد الإلهين إما أن يقدر على أن يستر شيئا من أفعاله عن الآخر أو لا يقدر ، فإن قدر لزم أن يكون المستور عنه جاهلا ، وإن لم يقدر لزم كونه عاجزا . وثامنها : لو قدرنا إلهين لكان مجموع قدرتيهما بينهما أقوى من قدرة كل واحد منهما وحده ، فيكون كل واحد من القدرتين متناهيا والمجموع ضعف المتناهي فيكون الكل متناهيا . وتاسعا : العدد ناقص لاحتياجه إلى الواحد ، والواحد الذي يوجد من جنسه عدد ناقص ناقص ، لأن العدد أزيد منه ، والناقص لا يكون إلها فالإله واحد لا محالة . وعاشرها : أنا لو فرضنا معدوما ممكن الوجود ثم قدرنا إلهين فإن لم يقدر واحد منهما على إيجاده كان كل واحد منهما عاجزا والعاجز لا يكون إلها ، وإن قدر أحدهما دون الآخر فهذا الآخر يكون إلها ، وإن قدرا جميعا فإما أن يوجداه بالتعاون فيكون كل واحد منهما محتاجا إلى إعانة الآخر ، وإن قدر كل واحد على إيجاده بالاستقلال فإذا أوجده أحدهما فإما أن يبقى الثاني قادرا عليه وهو محال لأن إيجاد الموجود محال ، وإن لم يبق فحينئذ يكون الأول قد أزال قدرة الثاني وعجزه فيكون مقهورا تحت تصرفه فلا يكون إلها . فإن قيل الواجد إذا أوجد مقدوره فقد زالت قدرته عنه فيلزمكم العجز ، قلنا : الواحد إذا أوجده فقد نفذت قدرته فنفاذ القدرة لا يكون عجزا ، أما الشريك فإنه لما نفذت قدرته لم يبق لشريكه قدرة ألبتة بل زالت قدرته بسبب قدرة الأول فيكون تعجيزا . الحادي عشر : أن نقرر هذه الدلالة على وجه آخر وهو أن نعين جسما وتقول هل يقدر كل واحد منهما على خلق الحركة فيه بدلا عن السكون وبالعكس ، فإن لم يقدر كان عاجزا وإن قدر فنسوق الدلالة إلى أن نقول إذا خلق أحدهما فيه حركة امتنع على الثاني خلق السكون ، فالأول أزال قدرة الثاني وعجزه فلا يكون إلها ، وهذان الوجهان يفيدان العجز نظرا إلى قدرتيهما والدلالة الأولى إنما تفيد العجز بالنظر إلى أرادتيهما . وثاني عشرها : أنهما لما كانا عالمين بجميع المعلومات كان علم كل واحد منهما متعلقا بعين معلوم الآخر فوجب تماثل علميهما والذات القابلة لأحد المثلين قابلة للمثل الآخر ، فاختصاص كل واحد منهما بتلك الصفة مع جواز اتصافه بصفة الآخر على البدل يستدعي مخصصا يخصص كل واحد منهما بعلمه وقدرته فيكون كل واحد منهما عبدا فقيرا ناقصا . وثالث عشرها : أن الشركة عيب ونقص في الشاهد ، والفردانية والتوحد صفة كمال ، ونرى الملوك يكرهون الشركة في الملك الحقير المختصر أشد الكراهية . ونرى أنه كلما كان الملك أعظم كانت النفرة عن الشركة أشد ، فما ظنك بملك الله عز وجل وملكوته فلو أراد أحدهما استخلاص الملك لنفسه ، فإن قدر عليه كان المغلوب فقيرا عاجزا فلا يكون إلها ، وإن لم يقدر عليه كان في أشد الغم والكراهية فلا يكون إلها . ورابع عشرها : أنا لو قدرنا إلهين لكان إما أن يحتاج كل واحد منهما إلى الآخر أو يستغني كل واحد منهما عن الآخر أو يحتاج أحدهما إلى الآخر والآخر يستغني عنه ، فإن كان الأول كان كل واحد منهما ناقصا لأن المحتاج ناقص وإن كان الثاني كان كل واحد منهما مستغنيا عنه ، والمستغني عنه ناقص ، ألا ترى أن البلد إذا كان له رئيس والناس يحصلون مصالح البلد من غير رجوع منهم إليه ومن غير التفات منهم إليه عد ذلك الرئيس ناقصا ، فالإله هو الذي يستغني به ولا يستغنى عنه ، وإن احتاج أحدهما إلى الآخر من غير عكس كان المحتاج ناقصا والمحتاج إليه هو الإله . واعلم أن هذه الوجوه ظنية إقناعية والاعتماد على الوجوه المتقدمة ، أما الدلائل السمعية فمن وجوه : أحدها : قوله تعالى :{ هو الأول والآخر والظاهر والباطن } فالأول هو الفرد السابق ، ولذلك لو قال أول عبد اشتريته فهو حر فلو اشترى أولا عبدين لم يحنث لأن شرط الأول أن يكون فردا . وهذا ليس بفرد فلو اشترى بعد ذلك واحدا لم يحنث أيضا لأن شرط الفرد أن يكون سابقا وهذا ليس بسابق . فلما وصف الله تعالى نفسه بكونه أولا وجب أن يكون فردا سابقا فوجب أن لا يكون له شريك .
وثانيها : قوله تعالى : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } فالنص يقتضي أن لا يكون أحد سواه عالما بالغيب ولو كان له شريك لكان عالما بالغيب وهو خلاف النص . وثالثها : أن الله تعالى صرح بكلمة { لا إله إلا هو } في سبعة وثلاثين موضعا من كتابه وصرح بالوحدانية في مواضع نحو قوله : { وإلهكم إله واحد } وقوله : { قل هو الله أحد } وكل ذلك صريح في الباب . ورابعها : قوله تعالى : { كل شيء هالك إلا وجهه } حكم بهلاك كل ما سواه ، ومن عدم بعد وجوده لا يكون قديما ، ومن لا يكون قديما لا يكون إلها . وخامسها : قوله تعالى : { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } وهو كقوله : { ولعلا بعضهم على بعض } وقوله : { إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا } . وسادسها : قوله : { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو } { وإن يردك بخير فلا راد لفضله } وقال في آية أخرى : { قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته } . وسابعها : قوله تعالى : { قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به } وهذا الحصر يدل على نفي الشريك . وثامنها : قوله تعالى : { الله خالق كل شيء } فلو وجد الشريك لم يكن خالقا فلم يكن فيه فائدة ، واعلم أن كل مسألة لا تتوقف معرفة صدق الرسل عليها فإنه يمكن إثباتها بالسمع والوحدانية لا تتوقف معرفة صدق الرسل عليها ، فلا جرم يمكن إثباتها بالدلائل السمعية ، واعلم أن من طعن في دلالة التمانع فسر الآية بأن المراد لو كان في السماء والأرض آلهة تقول بإلهيتها عبدة الأوثان لزم فساد العالم لأنها جمادات لا تقدر على تدبير العالم فيلزم فساد العالم قالوا وهذا أولى لأنه تعالى حكى عنهم قوله : { أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون } ثم ذكر الدلالة على فساد هذا فوجب أن يختص الدليل به وبالله التوفيق .
أما قوله تعالى : { فسبحان الله رب العرش عما يصفون } ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : أنه سبحانه لما أقام الدلالة القاطعة على التوحيد قال بعده : { فسبحان الله رب العرش عما يصفون } أي هو منزه لأجل هذه الأدلة عن وصفهم بأن معه إلها ، وهذا تنبيه على أن الاشتغال بالتسبيح إنما ينفع بعد إقامة الدلالة على كونه تعالى منزها وعلى أن طريقة التقليد طريقة مهجورة .
المسألة الثانية : لقائل أن يقول أي فائدة لقوله : { فسبحان الله رب العرش عما يصفون } ولم لم يكتف بقوله : { فسبحان الله عما يصفون } وجوابه أن هذه المناظرة إنما وقعت مع عبدة الأصنام ، إلا أن الدليل الذي ذكره الله تعالى يعم جميع المخالفين ، ثم إنه تعالى بعد ذكر الدليل العام نبه على نكتة خاصة بعبدة الأصنام ، وهي أنه كيف يجوز للعاقل أن يجعل الجماد الذي لا يعقل ولا يحس شريكا في الإلهية لخالق العرش العظيم وموجد السماوات والأرضين ومدبر الخلائق من النور والظلمة واللوح والقلم والذات والصفات والجماد والنبات وأنواع الحيوانات أجمعين .
ثم أقام الدليلَ العقلي على التوحيد ونفيِ تعدُّد الآلهة فقال : { لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا } .
لو كان في السموات والأرض إله آخر غير الله لوقع الاضطرابُ والفساد في هذا الكون ، واختلّ النظام فيه بتعدد الآراء ، واختلاف الأوامر .
{ فَسُبْحَانَ الله رَبِّ العرش عَمَّا يَصِفُونَ } : فتنزيهاً لله ربّ العرش المحيط بهذا الكون ، عما يقول هؤلاء المشركون .
وقوله تعالى : { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا } إبطال لتعدد الإله وضمير { فِيهِمَا } للسماء والأرض والمراد بهما العالم كله علوية وسفلية والمراد بالكون فيهما التمكن البالغ من التصرف والتدبير لا التمكن والاستقرار فيهما كما توهمه الفاضل الكلنبوي ، والظرف على هذا متعلق بكان ، وقال الطيبي : أنه ظرف لآلهة على حد قوله تعالى : { وَهُوَ الذي في السماء إله وَفِي الأرض إله } [ الزخرف : 84 ] وقوله سبحانه : { وَهُوَ الله فِى السموات وَفِى الأرض } [ الأنعام : 3 ] وجعل تعلق الظرف بما ذكر ههنا باعتبار تضمنه معنى الخالقية والمؤثرية .
وأنت تعلم أن الظاهر ما ذكر أولاً ، و { إِلا } لمغايرة ما بعدها لما قبلها فهي بمنزلة غير ، وفي «المغني » أنها تكون صفة بمنزلة غير فيوصف بها وبتاليها جمع منكر أو شبهه ومثل للأول بهذه الآية ، وقد صرح غير واحد من المفسرين أن المعنى لو كان فيهما آلهة غير الله وجعل ذلك الخفاجي إشارة إلى أن { إِلا } هنا اسم بمعنى غير صفة لما قبلها وظهر إعرابها فيما بعدها لكونها على صورة الحرف كما في أل الموصولة في اسم الفاعل مثلاً .
وأنكر الفاضل الشمني كونها بمنزلة غير في الاسمية لما في حواشي العلامة الثاني عند قوله تعالى : { لاَّ فَارِضٌ } [ البقرة : 68 ] من أنه لا قائل باسمية إلا التي بمنزلة غير ثم ذكر أن المراد بكونها بمنزلة غير أنها بمنزلتها في مغايرة ما بعدها لما قبلها ذاتاً أو صفة ، ففي شرح الكافية للرضى أصل غير أن تكون صفة مفيدة لمغايرة مجرورها لموصوفها إما بالذات نحو مررت برجل غير زيد وإما بالصفة نحو دخلت بوجه غير الذي خرجت به ، وأصل إلا التي هي أم أدوات الاستثناء مغايرة ما بعدها لما قبلها نفياً أو إثباتاً فلما اجتمع ما بعد إلا وما بعد غير في معنى المغايرة حملت إلا على غير في الصفة فصار ما بعد إلا مغايراً لما قبلها ذاتاً أو صفة من غير اعتبار مغايرته له نفياً أو إثباتاً وحملت غير على إلا في الاستثناء فصار ما بعدها مغايراً لما قبلها نفياً أو إثباتاً من غير مغايرته له ذاتاً أو صفة إلا أن حمل غير على إلا أكثر من حمل إلا على غير لأن غير اسم والتصرف في الأسماء أكثر منه في الحروف فلذلك تقع غير في جميع مواقع إلا انتهى .
وأنت تعلم أن المتبادر كون إلا حين إفادتها معنى غير اسماً وفي بقائها على الحرفية مع كونها وحدها أو مع ما بعدها بجعلهما كالشيء الواحد صفة لما قبلها نظر ظاهر وهو في كونها وحدها كذلك أظهر ، ولعل الخفاجي لم يقل ما قال إلا وهو مطلع على قائل باسميتها ، ويحتمل أنه اضطره إلى القول بذلك ما يرد على القول ببقائها على الحرفية ، ولعمري أنه أصاب المحز وإن قال العلامة ما قال ، وكلام الرضي ليس نصاً في أحد الأمرين كما لا يخفى على المنصف ولا يصح أن تكون للاستثناء من جهة العربية عند الجمهور لأن { ءالِهَةً } جمع منكر في الإثبات ومذهب الأكثرين كما صرح به في التلويح أنه لا استغراق له فلا يدخل فيه ما بعدها حتى يحتاج لإخراجه بها وهم يوجبون دخول المستثنى في المستثنى منه في الاستثناء المتصل ولا يكتفون بجواز الدخول كما ذهب إليه المبرد وبعض الأصوليين فلا يجوز عندهم قام رجال إلا زيداً على كون الاستثناء متصلاً وكذا على كونه منقطعاً بناءً على أنه لا بد فيه من الجزم بعدم الدخول وهو مفقود جزماً ، ومن أجاز الاستثناء في مثل هذا التركيب كالمبرد جعل الرفع في الاسم الجليل على البدلية .
واعترض بعدم تقدم النفي ، وأجيب بأن لو للشرط وهو كالنفي . وعنه أنه أجاب بأنها تدل على الامتناع وامتناع الشيء انتفاؤه وزعم أن التفريغ بعدها جائز وأن نحو لو كان معنا إلا زيد لهلكنا أجود كلام وخالف في ذلك سيبويه فإنه قال لو قلت لو كان معنا المثال لكنت قد أحلت .
ورد بأنهم لا يقولون لو جاءني ديار أكرمته ولا لو جاءني من أحد أكرمته ولو كانت بمنزلة النافي لجاز ذلك كما يجوز ما فيها ديار وما جاءني من أحد . وتعقبه الدماميني بأن للمبرد أن يقول : قد أجمعنا على إجراء أبي مجرى النفي الصريح وأجزنا التفريغ فيه قال الله تعالى : { فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُورًا } [ الإسراء : 89 ] ، وقال سبحانه : { ويأبى الله إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ } [ التوبة : 32 ] مع أنه لا يجوز أبى ديار المجيء وأبى من أحد الذهاب فما هو جوابكم عن هذا فهو جوابنا .
وقال الرضي : أجاز المبرد الرفع في الآية على البدل لأن في لو معنى النفي وهذا كما أجاز الزجاج البدل في قوم يونس في قوله تعالى : { فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ ءامَنَتْ } [ يونس : 98 ] الآية إجراء للتحضيض مجرى النفي والأولى عدم إجراء ذينك في جواز الإبدال والتفريغ معهما مجراه إذ لم يثبت انتهى .
وذكر المالكي في «شرح التسهيل » أن كلام المبرد في المقتضب مثل كلام سيبويه وأن التفريغ والبدل بعد لو غير جائز ، وكذا لا يصح الاستثناء من جهة المعنى ففي «الكشف » أن البدل والاستثناء في الآية ممتنعان معنى لأنه إذ ذاك لا يفيد ما سيق له الكلام من انتفاء التعدد ويؤدي إلى كون الآلهة بحيث لا يدخل في عدادهم إلا له الحق مفض إلى الفساد فنفي الفساد يدل على دخوله فيهم وهو من الفساد بمكان ثم أن الصفة على ما ذهب إليه ابن هشام مؤكدة صالحة للإسقاط مثلها في قوله تعالى : { نَفْخَةٌ واحدة } [ الحاقه : 13 ] فلو قيل لو كان فيهما آلهة لفسدتا لصح وتأتى المراد . وقال الشلوبين . وابن الصائغ : لا يصح المعنى حتى تكون إلا بمعنى غير التي يراد بها البدل والعوض ، ورد بأنه يصير المعنى حينئذٍ لو كان فيهما عدد من الآلهة بدل وعوض منه تعالى شأنه لفسدتا وذلك يقتضي بمفهومه أنه لو كان فيهما اثنان هو عز وجل أحدهما لم تفسدا وذلك باطل .
وأجيب بأن معنى الآية حينئذٍ لا يقتضي هذا المفهوم لأن معناها لو كان فيهما عدد من الآلهة دونه أو به سبحانه بدلاً منه وحده عز وجل لفسدتا وذلك مما لا غبار عليه فاعرف . والذي عليه الجمهور إرادة المغايرة ، والمراد بالفساد البطلان والاضمحلال أو عدم التكون ، والآية كما قال غير واحد مشيرة إلى دليل عقلي على نفي تعدد الإله وهو قياس استثنائي استثنى فيه نقيض التالي لينتج نقيض المقدم فكأنه قيل لو تعدد الإله في العالم لفسد لكنه لم يفسد ينتج أنه لم يتعدد الإله . وفي هذا استعمال للو غير الاستعمال المشهور .
قال السيد السند : إن لو قد تستعمل في مقام الاستدلال فيفهم منها ارتباط وجود التالي بوجود المقدم مع انتفاء التالي فيعلم منه انتفاء المقدم وهو على قلته موجود في اللغة يقال : لو كان زيد في البلد لجاءنا ليعلم منه أنه ليس فيه ، ومنه قوله تعالى : { لَوْ كَانَ فِيهِمَا ءالِهَةً إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا } : وقال العلامة الثاني : إن أرباب المعقول قد جعلوا لو أداة للتلازم دالة على لزوم الجزاء للشرط من غير قصد إلى القطع بانتفائهما ولهذا صح عندهم استثناء عين المقدم فهم يستعملونها للدلالة على أن العلم بانتفاء الثاني علة للعلم بانتفاء الأول ضرورة انتفاء الملزوم بانتفاء اللازم من غير التفات إلى أن علة انتفاء الجزاء في الخارج ما هي لأنهم يستعملونها في القياسات لاكتساب العلوم والتصديقات ولا شك أن العلم بانتفاء الملزوم لا يوجب العلم بانتفاء اللازم بل الأمر بالعكس وإذا تصفحنا وجدنا استعمالها على قاعدة اللغة أكثر لكن قد تستعمل على قاعدتهم كما في قوله تعالى : { لَوْ كَانَ فِيهِمَا } الخ لظهور أن الغرض منه التصديق بانتفاء تعدد الآلهة لا بيان سبب انتفاء الفساد اه . وفيه بحث يدفع بالعناية ، ولا يخفى عليك أن لبعض النحويين نحو هذا القول فقد قال الشلوبين . وابن عصفور إن لو لمجرد التعليق بين الحصولين في الماضي من غير دلالة على امتناع الأول والثاني كما أن إن لمجرد التعليق في الاستقبال والظاهر أن خصوصية المضي ههنا غير معتبرة .
وزعم بعضهم : أن لو هنا لانتفاء الثاني لانتفاء الأول كما هو المشهور فيها ويتم الاستدلال ولا يخفى ما فيه على من دق النظر ، ثم إن العلامة قال في «شرح العقائد » : إن الحجة إقناعية والملازمة عادية على ما هو اللائق بالخطابيات فإن العادة جارية بوقوع التمانع والتغالب عند تعدد الحاكم وإلا فإن أريد الفساد بالفعل أي خروجهما عن هذا النظام المشاهد فمجرد التعدد لا يستلزمه لجواز الافتقا على هذا النظام وإن أريد إمكان الفساد فلا دليل على انتفائه بل النصوص شاهدة بطي السموات ورفع هذا النظام فيكون لا محالة .
وكذا لو أريد بفسادهما عدم تكونهما بمعنى أنه لو فرض صانعان لأمكن بينهما تمانع في الأفعال فلم يكن أحدهما صانعاً فلم يوجد مصنوع لا تكون الملازمة قطعية لأن إمكان التمانع لا يستلزم إلا عدم تعدد الصانع وهو لا يستلزم انتفاء المصنوع على أنه يرد منع الملازمة إن أريد عدم التكون بالفعل ومنع انتفاء اللازم إن أريد بالإمكان انتهى . فنفى أن تكون الآية برهاناً سواء حمل الفساد على الخروج عن النظام أو على عدم التكون ، وفيه قدح لما أشار إليه في «شرح المقاصد » من كون كونها برهاناً على الثاني فإنه بعد ما قرر برهان التمانع قال : وهذا البرهان يسمى برهان التمانع وإليه الإشارة بقوله تعالى : { لَوْ كَانَ فِيهِمَا ءالِهَة } الآية فإن أريد عدم التكون فتقريره أن يقال : لو تعدد الآلهة لم تتكون السماء والأرض لأن تكونهما إما بمجموع القدرتين أو بكل منهما أو بأحدهما والكل باطل أما الأول فلأن من شأنه الإله كمال القدرة وأما الأخيران فلما مر من التوارد والرجحان من غير مرجح ، وإن أريد بالفساد الخروج عما هما عليه من النظام فتقريره أن يقال : إنه لو تعددت الإله لكان بينهما التنازع والتغالب وتمييز صنيع كل منهما عن الآخر بحكم اللزوم العادي فلم يحصل بين أجزاء العالم هذا الالتئام الذي باعتباره صار الكل بمنزلة شخص واحد ويختل أمر النظام الذي فيه بقاء الأنواع وترتب الآثار انتهى ، وذلك القدح بأن يقال : تعدد الإله لا يستلزم التمانع بالفعل بطريق إرادة كل منهما وجود العالم بالاستقلال من غير مدخلية قدرة الآخرة بل إمكان ذلك التمانع والإمكان لا يستلزم الوقوع فيجوز أن لا يقع بل يتفقان على الإيجاد بالاشتراك أو يفوض أحدهما إلى الآخر ؛ وبحث فيه المولى الخيالي بغير ذلك أيضاً ثم قال : التحقيق في هذا المقام أنه إن حملت الآية الكريمة على نفي تعدد الصانع مطلقاً فهي حجة إقناعية لكن الظاهر من الآية نفي تعدد الصانع المؤثر في السماء والأرض إذ ليس المراد من الكون فيهما التمكن فيهما بل التصرف والتأثير فالحق أن الملازمة قطعية إذ التوارد باطل فتأثيرهما إما على سبيل الاجتماع أو التوزيع فيلزم انعدام الكل أو البعض عند عدم كون أحدهما صانعاً لأنه جزء علة أو علة تامة فيفسد العالم أي لا يوجد هذا المحسوس كلاً أو بعضاً ، ويمكن أن توجه الملازمة بحيث تكون قطعية على الإطلاق وهو أن يقال : لو تعدد الإله لم يكن العالم ممكناً فضلاً عن الوجود وإلا لأمكن التمانع بينهما المستلزم للمحال لأن إمكان التمانع لازم لمجموع الأمرين من التعدد وإمكان شيء من الأشياء فإذا فرض التعدد يلزم أن لا يمكن شيء من الأشياء حتى لا يمكن التمانع المستلزم للمحال انتهى .
وأورد الفاضل الكلنبوي على الأول خمسة أبحاث فيها الغث والسمين ثم قال : فالحق أن توجيهه الثاني لقطعية الملازمة صحيح دون الأول ، وللعلامة الدواني كلام في هذا المقام قد ذكر الفاضل المذكور ماله وما عليه من النقض والإبرام ، ثم ذكر أن للتمانع عندهم مغنيين ، أحدهما : إرادة أحد القادرين وجود المقدور والآخر عدمه وهو المراد بالتمانع في البرهان المشهور ببرهان التمانع ، وثانيهما : إرادة كل منهما إيجاد بالاستقلال من غير مدخلية قدرة الآخرة فيه وهو التمانع الذي اعتبروه في امتناع مقدور بين قادرين ، وقولهم : لو تعدد الإله لم يوجد شيء من الممكنات لاستلزامه أحد المحالين إما وقوع مقدور بين قادرين وإما لترجيح بلا مرجح مبني على هذا ، وحاصل البرهان عليه أنه لو وجد إلهان قادران على الكمال لأمكن بينهما تمانع واللازم باطل إذ لو تمانعا وأراد كل منهما الإيجاد بالاستقلال يلزم إما أن لا يقع مصنوع أصلاً أو يقع بقدرة كل منهما أو بأحدهما والكل باطل ووقوعه بمجموع القدرتين مع هذه الإرادة يوجب عجزهما لتخلف مراد كل منهما عن إرادته فلا يكونان إلهين قادرين على الكمال وقد فرضا كذلك ؛ ومن هنا ظهر أنه على تقدير التعدد لو وجد مصنوع لزم إمكان أحد المحالين إما إمكان التوارد وإما إمكان الرجحان من غير مرجح والكل محال ، وبهذا الاعتبار مع حمل الفساد على عدم الكون قيل بقطعية الملازمة في الآية فهي دليل إقناعي من وجه ودليل قطعي من وجه آخر والأول بالنسبة إلى العوام والثاني بالنبة إلى الخواص ، وقال مصلح الدين اللاري بعد كلام طويل وقال وقيل أقول أقرر الحجة المستفادة من الآية الكريمة على وجه أوجه مما عداه وهو أن الإله المستحق للعبادة لا بد أن يكون واجب الوجود ، وواجب الوجود وجوده عين ذاته عند أرباب التحقيق إذ لو غايره لكان ممكناً لاحتياجه في موجوديته إلى غيره الذي هو الوجود فلو تعدد لزم أن لا يكون وجوداً فلا تكون الأشياء موجودة لأن موجودية الأشياء بارتباطها بالوجود فظهر فساد السماء والأرض بالمعنى الظاهر لا بمعنى عدم التكون لأنه تكلف ظاهر انتهى .
وأنت تعلم أن إرادة عدم التكون أظهر على هذا الاستدلال ، ثم إن هذا النحو من الاستدلال مما ذهب إليه الحكماء بل أكثر براهينهم الدالة على الوحيد الذي هو أجل المطالب الإلهية بل جميعها يتوقف على أن حقيقة الواجب تعالى هو الوجود البحت القائم بذاته المعبر عنه بالوجوب الذاتي والوجود المتأكد وإن ما يعرضه الوجوب أو الوجود فهو في حد نفسه ممكن ووجوده كوجوبه يستفاد من الغير فلا يكون واجباً ومن أشهرها أنه لو فرضنا موجودين واجبي الوجود لكانا مشتركين في وجوب الوجود ومتغايرين بأمر من الأمور وإلا لم يكونا اثنين ، وما به الامتياز إما أن يكون تمام الحقيقة أو جزءها لا سبيل إلى الأول لأن الامتياز لو كان بتمام الحقيقة لكان وجوب الوجود المشترك بينهما خارجاً عن حقيقه كل منهما أو عن حقيقة أحدهما وهو محال لما تقرر من أن وجوب الوجود نفس حقيقة واجب الوجود لذاته ، ولا سبيل إلى الثاني لأن كل واحد منهما يكون مركباً مما به الاشتراك وما به الامتياز وكل مركب محتاج فلا يكون واجباً لإمكانه فيكون كل من الواجبين أو أحدهما ممكناً لذاته هذا خلف ، واعترض بأن معنى قولهم وجوب الوجود نفس حقيقة واجب الوجود أنه يظهر من نفس تلك الحقيقة أثر صفة وجوب الوجود لا أن تلك الحقيقة عين هذه الصفة فلا يكون اشتراك موجودين واجبي الوجود في وجوب الوجود إلا أن يظهر من نفس كل منهما أثر صفة الوجوب فلا منافاة بين اشتراكهما في وجوب الوجود وتمايزهما بتمام الحقيقة ، وأجيب بأن المراد العينية ، ومعنى قولهم أن وجوب الوجود عين حقيقة الواجب هو أن ذاته بنفس ذاته مصداق هذا الحكم ومنشأ انتزاعه من دون انضمام أمر آخر ومن غير ملاحظة حيثية أخرى غير ذاته تعالى أية حيثية كانت حقيقية أو إضافية أو سلبية ، وكذلك قياس سائر صفاته سبحانه عند القائلين بعينيتها من أهل التحقق ، وتوضيح ذلك على مشربهم أنك كما قد تعقل المتصل مثلاً نفس المتصل كالجزء الصوري للجسم من حيث هو جسم وقد تعقل شيئاً ذلك الشيء هو المتصل كالمادة فكذلك قد تعقل واجب الوجود بما هو واجب الوجود وقد تعقل شيئاً ذلك الشيء هو واجب الوجود ومصداق الحكم به ومطابقه في الأول حقيقة الموضوع وذاته فقط ، وفي الثاني هي مع حيثية أخرى هي صفة قائمة بالموضوع حقيقية أو انتزاعية وكل واجب الوجود لم يكن نفسه واجب الوجود بل يكن له حقيقة تلك الحقيقة متصفة بكونها واجبة الوجود ففي اتصافها تحتاج إلى عروض هذا الأمر وإلى جاعل يجعلها بحيث ينتزع منها هذا الأمر فهي في حد ذاتها ممكنة الوجود وبه صارت واجب الوجود فلا تكون واجب الوجود بذاته فهو نفس واجب الوجود بذاته فهو نفس واجب الوجود بذاته وليقس على ذلك سائر صفاته تعالى الحقيقية الكمالية كالعلم والقدرة وغيرهما .
واعترض أيضاً بأنه لم لا يجوز أن يكون ما به الامتياز أمراً عارضاً لا مقوماً حتى يلزم التركيب . وأجيب بأن ذلك يوجب أن يكون التعين عارضاً وهو خلاف ما ثبت بالبرهان ، ولابن كمونة في هذا المقام شبهة شاع أنها عويصة الدفع عسيرة الحل حتى أن بعضهم سماه لا بدائها بافتخار الشياطين وهي أنه لم لا يجوز أن يكون هناك هويتان بسيطتان مجهولتا الكنه مختلفتان بتمام الماهية كل منهما واجباً بذاته ويكون مفهوم واجب الوجود منتزعاً منهما مقولاً عليها قولاً عرضياً ، وقد رأيت في ملخص الإمام عليه الرحمة ونحوها .
ولعلك إذا أحطت خبراً بحقيقة ما ذكرنا يسهل عليك حلها وإن أردت التوضيح فاستمع لما قيل في ذلك إن مفهوم واجب الوجود لا يخلو إما أن يكون انتزاعه عن نفس ذات كل منهما من دون اعتبار حيثية خارجة أية حيثية كانت أو مع اعتبار تلك الحيثية وكلا الشقين محال ، أما الثاني فلما تقرر أن كل ما لم يكن ذاته مجرد حيثية انتزاع الوجوب فهو ممكن في ذاته ، وأما الأول فلأن مصداق حمل مفهوم واحد ومطابق صدقه بالذات مع قطع النظر عن أية حيثية كانت لا يمكن أن يكون حقائق متخالفة متباينة بالذات غير مشتركة في ذاتي أصلاً ، ولعل كل سليم الفطرة يحكم بأن الأمور المتخالفة من حيث كونها متخالفة بلا حيثية جامعة لا تكون مصداقاً لحكم واحد ومحكياً عنها به نعم يجوز ذلك إذا كانت تلك الأمور متماثلة من جهة كونه متماثلة ولو في أمر سلبي بل نقول لو نظرنا إلى نفس مفهوم الوجودي المصدري المعلوم بوجه من الوجوه بديهة أدانا النظر والبحث إلى أن حقيقته وما ينتزع هو منه أمر قائم بذاته هو الواجب الحق الوجود المطلق الذي لا يشوبه عموم ولا خصوص ولا تعدد إذ كل ما وجوده هذا الوجود لا يمكن أن يكون بينه وبين شيء آخر له أيضاً هذا الوجود فرضاً مباينة أصلاً ولا تغاير فلا يكون إثنان بل يكون هناك ذات واحدة ووجود واحد كما لوح إليه صاحب التلويحات بقوله صرف الوجود الذي لا أتم منه كلما فرضته ثانياً فإذا نظرت فهو هو إذ لا ميز في صرف شيء فوجوب وجوده تعالى الذي هو ذاته سبحانه تدل على وحدته جل وعلا انتهى فتأمل .
ولا يخفى عليك أن أكثر البراهين على هذا المطلب الجليل الشأن يمكن تخريج الآية الكرمية عليه ويحمل حينئذ الفساد على عدم التكون فعليك بالتخريج وإن أحوجك إلى بعض تكلف وإياك أن تقنع بجعلها حجة إقناعية كما ذهب إليه كثير فإن هذا المطلب الجليل أجل من أن يكتفي فيه بالإقناعات المبنية على الشهرة والعادة ، ولصاحب الكشف طاب ثراه كلام يلوح عليه مخايل التحقيق في هذا المقام سنذكره إن شاء الله تعالى كما اختاره في تفسير قوله تعالى : { إِذا لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ } [ المؤمنون : 91 ] ثم لا تتوهمن أنه لا يلزم من الآية نفي الإثنين والواحد لأن نفي آلهة تغاير الواحد المعين شخصاً يستلزم بالضرورة إن كل واحد واحد منهم يغايره شخصاً وهو أبلغ من نفي واحد يغاير المعين في الشخص على أنه طوبق به قوله تعالى : { أَمِ اتخذوا آلِهَةً مّنَ الأرض } وقيام الملازمة كاف في نفي الواحد والإثنين أيضاً . واستشكل سياق الآية الكريمة بأن الظاهر أنها إنما سيقت لإبطال عبادة الأصنام المشار إليه بقوله تعالى : { أَمِ اتخذوا ءالِهَةً مّنَ الأرض هُمْ يُنشِرُونَ } [ الأنبياء : 21 ] لذكرها بعده ، وهي لا تبطل إلا تعدد الإله الخالق القادر المدبر التام الألوهية وهو غير متعدد عند المشركين ، { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خلق السموات والأرض لَيَقُولُنَّ الله } [ لقمان : 25 ] وهم يقولون في آلهتهم { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى } [ الزمر : 3 ] فما قالوا به لا تبطله الآية ؛ وما تبطله الآية لم يقولوا به ومن هنا قيل معنى الآية لو كان في السماء والأرض آلهة كما يقول عبدة الأوثان : لزم فساد العالم لأن تلك الآلهة التي يقولون بها جمادات لا تقدر على تدبير العالم فيلزم فساد العالم ، وأجيب بأن قوله تعالى : { أَمِ اتخذوا } [ الأنبياء : 21 ] الخ مسوق للزجر عن عبادة الأصنام وإن لم تكن لها الألوهية التامة لأن العبادة إنما تليق لمن له ذلك وبعد الزجر عن ذلك أشار سبحانه إلى أن من له ما ذكر لا يكون إلا واحداً على أن شرح اسم الإله هو الواجب الوجود لذاته الحي العالم المريد القادر الخالق المدبر فمتى أطلقوه على شيء لزمهم وصفهم بذلك شاؤا أو أبوا فالآية لإبطال ما يلزم قولهم على أتم وجه { فسبحان الله رَبّ العرش عَمَّا يَصِفُونَ } أي نزهوه أكمل تنزيه عن أن يكون من دونه تعالى إلهة كما يزعمون فالفاء لترتيب ما بعده على ما قبلها من ثبوت الوجدانية ، وإبراز الجلالة في موقع الإضمار للإشعار بعلة الحكم فإن الألوهية مناط لجميع صفات الكمال التي من جملتها تنزهه تعالى عن الشركة ولتربية المهابة وإدخال الروعة ، والوصف برب العرش لتأكيد التنزه مع ما في ذلك من تربية المهابة ، والظاهر أن المراد حقيقة الأمر بالتنزيه ، وقيل : المراد بالتعجيب ممن عبد تلكم المعبودات الخسيسة وعدها شريكاً مع وجود المعبود العظيم الخالق لأعظم الأشياء ، والكلام عليه أيضاً كالنتيجة لما قبله من الدليل