قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم } .
قرئ خطوات بضم الطاء وسكونها ، والخطوات جمع خطوة وهو من خطا الرجل يخطو خطوا ، فإذا أردت الواحدة قلت خطوة مفتوحة الأول ، والجمع يفتح أوله ويضم ، والمراد بذلك السيرة والطريقة ، والمعنى لا تتبعوا آثار الشيطان ولا تسلكوا مسالكه في الإصغاء إلى الإفك والتلقي له وإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا ، والله تعالى وإن خص بذلك المؤمنين فهو نهي لكل المكلفين وهو قوله : { ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر } ومعلوم أن كل المكلفين ممنوعون من ذلك ، وإنما قلنا إنه تعالى خص المؤمنين بذلك لأنه توعدهم على اتباع خطواته بقوله : { ومن يتبع خطوات الشيطان } وظاهر ذلك أنهم لم يتبعوه ، ولو كان المراد به الكفار لكانوا قد اتبعوه ، فكأنه سبحانه لما بين ما على أهل الإفك من الوعيد أدب المؤمنين أيضا ، بأن خصهم بالذكر ليتشددوا في ترك المعصية ، لئلا يكون حالهم كحال أهل الإفك والفحشاء والفاحشة ما أفرط قيحه ، والمنكر ما تنكره النفوس فتنفر عنه ولا ترتضيه .
أما قوله : { ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا } فقرأ يعقوب وابن محيصن ما زكى بالتشديد ، واعلم أن الزكي من بلغ في طاعة الله مبلغ الرضا ومنه يقال زكى الزرع ، فإذا بلغ المؤمن من الصلاح في الدين إلى ما يرضاه الله تعالى سمى زكيا ، ولا يقال زكى إلا إذا وجد زكيا ، كما لا يقال لمن ترك الهدى هداه الله تعالى مطلقا ، بل يقال هداه الله فلم يهتد ، واحتج أصحابنا في مسألة المخلوق بقوله : { ولكن الله يزكي من يشاء } فقالوا التزكية كالتسويد والتحمير فكما أن التسويد تحصيل السواد ، فكذا التزكية تحصيل الزكاء في المحل ، قالت المعتزلة ههنا تأويلان : أحدهما : حمل التزكية على فعل الألطاف . والثاني : حملها على الحكم بكون العبد زكيا ، قال أصحابنا : الوجهان على خلاف الظاهر ، ثم نقيم الدلالة العقلية على بطلانهما أيضا . أما الوجه الأول : فيدل على فساده وجوه . أحدها : أن فعل اللطف هل يرجح الداعي أو لا يرجحه فإن لم يرجحه البتة لم يكن به تعلق فلا يكون لطفا ، وإن رجحه فنقول المرجح لابد وأن يكون منتهيا إلى حد الوجوب ، فإنه مع ذلك القدر من الترجيح إما أن يمتنع وقوع الفعل عنده أو يمكن أو يجب ، فإن امتنع كان مانعا لا داعيا ، وإن أمكن أن يكون وأن لا يكون ، فكل ما يمكن لا يلزم من فرض وقوعه محال ، فليفرض تارة واقعا وأخرى غير واقع ، فامتياز وقت الوقوع عن وقت اللاوقوع ، إما أن يتوقف على انضمام قيد إليه أو لا يتوقف ، فإن توقف كان المرجح هو المجموع الحاصل بعد انضمام هذا القيد ، فلا يكون الحاصل أولا مرجحا ، وإن لم يتوقف كان اختصاص أحد الوقتين بالوقوع والآخر باللاوقوع ترجيحا للممكن من غير مرجح وهو محال ، وأما إن اللطف مرجحا موجبا كان فاعل اللطف فاعلا للملطوف فيه ، فكان تعالى فاعلا لفعل العبد . الثاني : أنه تعالى قال : { ولكن الله يزكي من يشاء } علق التزكية على المشيئة وفعل اللطف واجب ، والواجب لا يتعلق بالمشيئة . الثالث : أنه علق التزكية على الفضل والرحمة وخلق الألطاف واجب فلا يكون معلقا بالفضل والرحمة . وأما الوجه الثاني : وهو الحكم بكونه زكيا فذلك واجب لأنه لو يحكم به لكان كذبا والكذب على الله تعالى محال ، فكيف يجوز تعليقه بالمشيئة ؟ فثبت أن قوله : { ولكن الله يزكي من يشاء } نص في الباب .
أما قوله : { والله سميع عليم } فالمراد أنه يسمع أقوالكم في القذف وأقوالكم في إثبات البراءة ، عليم بما في قلوبكم من محبة إشاعة الفاحشة أو من كراهيتها ، وإذا كان كذلك وجب الاحتراز عن معصيته .
خُطُوات : بضم الخاء والطاء ، واحدتها خطوة : المسافة ما بين الرِجلين في المشي ، والمقصود : وساوس الشيطان .
إن الله هو الحق : إن الله هو الموجود الظاهر الذي بقدرته وجود كل شيء ويبين لهم حقيقة ما كان يعدهم في الدنيا .
يا أيها الذين آمنوا لا تسلكوا سُبُلَ الشيطان ، بل احذَروا وساوسه التي تجرّكم إلى إشاعة الفاحشة والمعاصي بينكم . ومن يتبع الشيطان فقد عصى . . . . لأنه يأمر بكبائر الذنوب . ولولا فضلُ الله عليكم ورحمته بكم ببيان الأحكام ، ما طَهُرَ أحدٌ منكم من ذنوبه أبدا ، ولكن الله يطهِر مَن يشاء من خلقه بقبول توبته ، واللهُ سميع لما تقولون عليم بما في قلوبكم .
{ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان } أي لا تسلكوا مسالكه في كل ما تأتون وما تذرون والكلام كناية عن اتباع الشيطان وامتثال وساوسه فكأنه قيل : لا تتبعوا الشيطان في شيء من الأفاعيل التي من أتباعها إشاعة الفاحشة وحبها .
وقرأ نافع . والبزي في رواية ابن ربيعة عن . وأبو عمرو . وأبو بكر . وحمزة { خطوات } بسكون الطاء ورفعها وهو في جميع ذلك جمع خطوة بضم الخاء وسكون الطاء اسم لما بين القدمين ، وأما الخطوة كما جاء فهو مصدر خطا » والأصل في الاسم إذا جمع أن تحرك عينه فرقاً بينه وبين الصفة فيضم اتباعاً للفاء أو يفتح تخفيفاً وقد يسكن .
{ وَمَن يَتَّبِعْ خطوات الشيطان } وضع الظاهر أن موضع ضميري الخطوات والشيطان حيث لم يقل ومن يتبعها أو من يتبع خطواته لزيادة التقرير والمبالغة { فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بالفحشاء } هو ما أفرط قبحه كالفاحشة { والمنكر } هو ما ينكره الشرع ، وضمير إنه للشيطان ؛ وقيل للشأن وجواب الشرط مقدر سد ما بعد الفاء مسده وهو في الأصل تعليل للجملة الشرطية وبيان لعلة النهي كأنه قيل : من يتبع الشيطان ارتكب الفحشاء والمنكر فإنه لا يأمر إلا بهما ومن كان كذلك لا يجوز اتباعه وطاعته » وقد قرر ذلك النسفي . وابن هشام في الباب الخامس من المغنى . وتعقب بأنه يأباه ما نص عليه النحاة من أن الجواب لا يحذف إلا إذا كان الشرط ماضياً حتى عدوا من الضرورة قوله
: لئن تك قد ضاقت على بيوتكم *** ليعلم ربي أن بيتي أوسع
وأجيب بأن الآية ليست من قبيل ما ذكروه في البيت فإنه مما حذف فيه الجواب رأساً وهذا مما أقيم مقامه ما يصح جعله جواباً بحسب الظاهر ، وقال أبو حيان : الضمير عائد على من الشرطية ولم يعتبر في الكلام حذفاً أصلاً ، والمعنى على ذلك من يتبع الشيطان فإنه يصير رأساً في الضلال بحيث يكون آمراً بالفحشاء وهو مبني على اشتراط ضمير في جواب الشرط الاسمي يعود إليه وسيأتي إن شاء الله تعالى ما فيه .
{ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ } بما من جملته إنزال هاتيك الآيات البينات والتوفيق للتوبة الممحصة من الذنوب وكذا شرع الحدود المكفر لما عدا الردة منها على ما ذهب إليه جمع وأجابوا عن حديث أبي هريرة السابق آنفاً بأنه كان قبل أن يوحى إليه صلى الله عليه وسلم بذلك { مَا زَكَى } أي ما طهر من دنس الذنوب .
وقرأ روح . والأعمش { مَا زَكَى } بالتشديد والإمالة ، وكتب { زَكَى } المخفف بالياء مع أنه من ذوات الواو وحقها أن تكتب بالألف ، قال أبو حيان : لأنه قد يمال أو حملاً على المشدد ، ومن قوله تعالى : { مّنكُمْ } بيانية ، وفي قوله سبحانه : { مّنْ أَحَدٍ } سيف خطيب و { أَحَدٌ } في حيز الرفع على الفاعلية على القراءة الأولى وفي محل النصب على المفعولية على القراءة الثانية والفاعل عليها ضميره تعالى أي ما زكى الله تعالى منكم أحداً { أَبَدًا } لا إلى غاية { ولكن الله يُزَكّى } يظهر { مَن يَشَآء } من عباده بإفاضة آثار فضله ورحمته عليه وحمله على التوبة وقبولها منه كما فعل سبحانه بمن سلم عن داء النفاق ممن وقع في شرك الإفك منكم .
{ والله سَمِيعٌ } مبالغ في سمعه الأقوال التي من جملتها ما أظهروه من التوبة { عَلِيمٌ } بجميع المعلومات التي من جملتها نياتهم ، وفيه حث لهم على الإخلاص في التوبة ، وإظهار الاسم الجليل للإيذان باستدعاء الألوهية للسمع والعلم مع ما فيه من تأكيد الاستقلال التذييلي .