قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } .
اعلم أنه تعالى عدل عما يتصل بالرمي والقذف وما يتعلق بهما من الحكم إلى ما يليق به لأن أهل الإفك إنما وجدوا السبيل إلى بهتانهم من حيث اتفقت الخلوة فصارت كأنها طريق التهمة ، فأوجب الله تعالى أن لا يدخل المرء بيت غيره إلا بعد الاستئذان والسلام ، لأن في الدخول لا على هذا الوجه وقوع التهمة ، وفي ذلك من المضرة ما لا خفاء به فقال : { يا أيها الذين آمنوا } الخ وفي الآية سؤالات :
السؤال الأول : الاستئناس عبارة عن الأنس الحاصل من جهة المجالسة ، قال تعالى : { ولا مستأنسين لحديث } ، وإنما يحصل ذلك بعد الدخول والسلام فكان الأولى تقديم السلام على الاستئناس فلم جاء على العكس من ذلك ؟ والجواب : عن هذا من وجوه . أحدها : ما يروى عن ابن عباس وسعيد بن جبير ، إنما هو حتى تستأذنوا فأخطأ الكاتب ، وفي قراءة أبي : حتى تستأذنوا لكم والتسليم خير لكم من تحية الجاهلية والدمور ، وهو الدخول بغير إذن واشتقاقه من الدمار وهو الهلاك كأن صاحبه دامر لعظم ما ارتكب ، وفي الحديث «من سبقت عينه استئذانه فقد دمر » ، واعلم أن هذا القول من ابن عباس فيه نظر لأنه يقتضي الطعن في القرآن الذي نقل بالتواتر ويقتضي صحة القرآن الذي لم ينقل بالتواتر وفتح هذين البابين يطرق الشك إلى كل القرآن وأنه باطل . وثانيها : ما روي عن الحسن البصري أنه قال إن في الكلام تقديما وتأخيرا ، والمعنى : حتى تسلموا على أهلها وتستأنسوا ، وذلك لأن السلام مقدم على الاستئناس ، وفي قراءة عبد الله : حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا ، وهذا أيضا ضعيف لأنه خلاف الظاهر . وثالثها : أن تجري الكلام على ظاهره . ثم في تفسير الاستئناس وجوه . الأول : حتى تستأنسوا بالإذن وذلك لأنهم إذا استأذنوا وسلموا أنس أهل البيت ، ولو دخلوا بغير إذن لاستوحشوا وشق عليهم . الثاني : تفسير الاستئناس بالاستعلام والاستكشاف استفعال من آنس الشيء إذا أبصره ظاهرا مكشوفا ، والمعنى حتى تستعلموا وتستكشفوا الحال هل يراد دخولكم . ومنه قولهم استأنس هل ترى أحدا ، واستأنست فلم أر أحدا أي تعرفت واستعلمت ، فإن قيل وإذا حمل على الأنس ينبغي أن يتقدمه السلام كما روي أنه عليه الصلاة والسلام كان يقول : «السلام عليكم أأدخل » قلنا المستأذن ربما لا يعلم أن أحدا في المنزل فلا معنى لسلامه والحالة هذه والأقرب أن يستعلم بالاستئذان هل هناك من يأذن ، فإذا أذن ودخل صار مواجها له فيسلم عليه . والثالث : أن يكون اشتقاق الاستئناس من الإنس وهو أن يتعرف هل ثم إنسان ، ولا شك أن هذا مقدم على السلام . والرابع : لو علمنا أن الاستئناس إنما يقع بعد السلام ولكن الواو لا توجب الترتيب ، فتقديم الاستئناس على السلام في اللفظ لا يوجب تقديمه عليه في العمل .
السؤال الثاني : ما الحكم في إيجاب تقديم الاستئذان ؟ والجواب : تلك الحكمة هي التي نبه الله تعالى عليها في قوله : { ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة } فدل بذلك على أن الذي لأجله حرم الدخول إلا على هذا الشرط هو كون البيوت مسكونة ، إذ لا يأمن من يهجم عليها بغير استئذان أن يهجم على ما لا يحل له أن ينظر إليه من عورة ، أو على ما لا يحب القوم أن يعرفه غيرهم من الأحوال ، وهذا من باب العلل المنبه عليها بالنص ، ولأنه تصرف في ملك الغير فلابد وأن يكون برضاه وإلا أشبه الغصب .
السؤال الثالث : كيف يكون الاستئذان ؟ الجواب : استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أألج ؟ فقال عليه الصلاة والسلام لامرأة يقال لها روضة «قومي إلى هذا فعلميه فإنه لا يحسن أن يستأذن قولي له يقول السلام عليكم أأدخل » فسمعها الرجل فقالها ، فقال ادخل فدخل وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء وكان يجيب ، فقال هل في العلم ما لا تعلمه ، فقال عليه الصلاة والسلام : «لقد آتاني الله خيرا كثيرا وإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله » ، وتلا إن الله عنده علم الساعة إلى آخره » وكان أهل الجاهلية يقول الرجل منهم إذا دخل بيتا غير بيته حييتم صباحا وحييتم مساء ، ثم يدخل فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف واحد ، فصدق الله تعالى عن ذلك وعلم الأحسن والأجمل ، وعن مجاهد حتى تستأنسوا هو التنحنح ، وقال عكرمة هو التسبيح والتكبير ونحوه .
السؤال الرابع : كم عدد الاستئذان ؟ الجواب : روى أبو هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الاستئذان ثلاث بالأولى يستنصتون ، وبالثانية يستصلحون ، وبالثالثة يأذنون أو يردون » وعن جندب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «إذا استأذن أحدكم ثلاثا ، فلم يؤذن له فليرجع » وعن أبي سعيد الخدري قال : «كنت جالسا في مجلس من مجالس الأنصار ، فجاء أبو موسى فزعا ، فقلنا له ما أفزعك ؟ فقال أمرني عمر أن آتيه فأتيته ، فاستأذنت ثلاثا ، فلم يؤذن لي فرجعت ، فقال ما منعك أن تأتيني ؟ فقلت قد جئت فاستأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي . وقد قال عليه الصلاة والسلام : «إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع » فقال لتأتيني على هذا بالبينة ، أو لأعاقبنك . فقال أبي لا يقوم معك إلا أصغر القوم ، قال فقام أبو سعيد فشهد له » وفي بعض الأخبار أن عمر قال لأبي موسى إني لم أتهمك ، ولكني خشيت أن يتقول الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وعن قتادة الاستئذان ثلاثة : الأولى يسمع الحي ، والثاني ليتأهبوا والثالث إن شاءوا أذنوا ، وإن شاءوا ردوا ، واعلم أن هذا من محاسن الآداب ، لأن في أول مرة ربما منعهم بعض الأشغال من الإذن ، وفي المرة الثانية ربما كان هناك ما يمنع أو يقتضي المنع أو يقتضي التساوي ، فإذا لم يجب في الثالثة يستدل بعدم الإذن على مانع ثابت ، وربما أوجب ذلك كراهة قربه من الباب فلذلك يسن له الرجوع ، ولذلك يقول يجب في الاستئذان ثلاثا ، أن لا يكون متصلا ، بل يكون بين كل واحدة والأخرى وقت ، فأما قرع الباب بعنف والصياح بصاحب الدار ، فذاك حرام لأنه يتضمن الإيذاء والإيحاش ، وكفى بقصة بني أسد زاجرة وما نزل فيها من قوله تعالى : { إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون } .
السؤال الخامس : كيف يقف على الباب الجواب : روي أن أبا سعيد استأذن على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو مستقبل الباب ، فقال عليه الصلاة والسلام : «لا تستأذن وأنت مستقبل الباب » . وروي أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر فيقول «السلام عليكم » ، وذلك لأن الدور لم يكن عليها حينئذ ستور .
السؤال السادس : أن كلمة ( حتى ) للغاية والحكم بعد الغاية يكون بخلاف ما قبلها فقوله : { لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا } يقتضي جواز الدخول بعد الاستئذان وإن لم يكن من صاحب البيت إذن فما قولكم فيه ؟ الجواب من وجوه . أحدها : أن الله تعالى جعل الغاية الاستئناس لا الاستئذان ، والاستئناس لا يحصل إلا إذا حصل الإذن بعد الاستئذان . وثانيها : أنا لما علمنا بالنص أن الحكمة في الاستئذان أن لا يدخل الإنسان على غيره بغير إذنه فإن ذلك مما يسوءه ، وعلمنا أن هذا المقصود لا يحصل إلا بعد حصول الإذن ، علمنا أن الاستئذان ما لم يتصل به الإذن وجب أن لا يكون كافيا .
وثالثها : أن قوله تعالى : { فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم } فحظر الدخول إلا بإذن ، فدل على أن الإذن مشروط بإباحة الدخول في الآية الأولى ، فإن قيل إذا ثبت أنه لابد من الإذن فهل يقوم مقامه غيره أم لا ؟ قلنا روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «رسول الرجل إلى الرجل إذنه » وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام قال : «إذا دعي أحدكم فجاء مع الرسول فإن ذلك له إذن » . وهذا الخبر يدل على معنيين أحدهما : أن الإذن محذوف من قوله : { حتى تستأنسوا } وهو المراد منه والثاني : أن الدعاء إذن إذا جاء مع الرسول وأنه لا يحتاج إلى استئذان ثان ، وقال بعضهم إن من قد جرت العادة له بإباحة الدخول فهو غير محتاج إلى الاستئذان .
السؤال السابع : ما حكم من اطلع على دار غيره بغير إذنه ؟ الجواب : قال الشافعي رحمه الله : لو فقئت عينه فهي هدر ، وتمسك بما روى سهل بن سعد قال : «اطلع رجل في حجرة من حجر النبي صلى الله عليه وسلم ومعه مدري يحك بها رأسه فقال : «لو علمت أنك تنظر إلي لطعنت بها في عينك إنما الاستئذان قبل النظر » وروى أبو هريرة رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال : «من اطلع في دار قوم بغير إذنهم ففقؤا عينه فقد هدرت عينه » قال أبو بكر الرازي : هذا الخبر يرد لوروده على خلاف قياس الأصول ، فإنه لا خلاف أنه لو دخل داره بغير إذنه ففقأ عينه كان ضامنا وكان عليه القصاص إن كان عامدا والأرش إن كان مخطئا ، ومعلوم أن الداخل قد اطلع وزاد على الاطلاع ، فظاهر الحديث مخالف لما حصل عليه الاتفاق ، فإن صح فمعناه : من اطلع في دار قوم ونظر إلى حرمهم ونسائهم فمونع فلم يمتنع فذهبت عينه في حال الممانعة فهي هدر ، فأما إذا لم يكن إلا النظر ولم يقع فيه ممانعة ولا نهي ، ثم جاء إنسان ففقأ عينه ، فهذا جان يلزمه حكم جنايته لظاهر قوله تعالى : { العين بالعين } إلى قوله : { والجروح قصاص } واعلم أن التمسك بقوله تعالى : { والعين بالعين } في هذه المسألة ضعيف ، لأنا أجمعنا على أن هذا النص مشروط بما إذا لم تكن العين مستحقة ، فإنها لو كانت مستحقة لم يلزم القصاص ، فلم قلت : إن من اطلع في دار إنسان لم تكن عينه مستحقة ؟ وهذا أول المسألة .
أما قوله : إنه لو دخل لم يجز فقء عينه ، فكذا إذا نظر ، قلنا الفرق بين الأمرين ظاهر ، لأنه إذا دخل علم القوم دخوله عليهم فاحترزوا عنه وتستروا ، فأما إذا نظر فقد لا يكونون عالمين بذلك فيطلع منهم على ما لا يجوز الاطلاع عليه ، فلا يبعد في حكم الشرع أن يبالغ ههنا في الزجر حسما لباب هذه المفسدة ، وبالجملة فرد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا القدر من الكلام غير جائز .
السؤال الثامن : لما بينتم أنه لابد من الإذن فهل يكفي الإذن كيف كان أو لابد من إذن مخصوص ؟ الجواب : ظاهر الآية يقتضي قبول الإذن مطلقا سواء كان الآذان صبيا أو امرأة أو عبدا أو ذميا فإنه لا يعتبر في هذا الإذن صفات الشهادة وكذلك قبول أخبار هؤلاء في الهدايا ونحوها .
السؤال التاسع : هل يعتبر الاستئذان على المحارم ؟ والجواب : نعم ، عن عطاء بن يسار «أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال أستأذن على أختي ؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام «نعم أتحب أن تراها عريانة » وسأل رجل حذيفة أستأذن على أختي ، فقال إن لم تستأذن عليها رأيت ما يسوؤك ، وقال عطاء سألت ابن عباس رضي الله عنهما أستأذن على أختي ومن أنفق عليها ؟ قال نعم إن الله تعالى يقول : { وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم } ولم يفرق بين من كان أجنبيا أو ذا رحم محرم .
واعلم أن ترك الاستئذان على المحارم وإن كان غير جائز إلا أنه أيسر لجواز النظر إلى شعرها وصدرها وساقها ونحوها من الأعضاء . والتحقيق فيه أن المنع من الهجوم على الغير إن كان لأجل أن ذلك الغير ربما كان منكشف الأعضاء فهذا دخل فيه الكل إلا الزوجات وملك اليمين ، وإن كان لأجل أنه ربما كان مشتغلا بأمر يكره اطلاع الغير عليه وجب أن يعم في الكل ، حتى لا يكون له أن يدخل على الزوجة والأمة إلا بإذن .
السؤال العاشر : إذا عرض أمر في دار من حريق أو هجوم سارق أو ظهور منكر فهل يجب الاستئذان ؟ الجواب : كل ذلك مستثنى بالدليل فهذا جملة الكلام في الاستئذان ، وأما السلام فهو من سنة المسلمين التي أمروا بها ، وأمان للقوم وهو تحية أهل الجنة ومجلبة للمودة وناف للحقد والضغينة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «لما خلق الله تعالى آدم عليه السلام ونفخ فيه الروح عطس ، فقال الحمد لله ، فحمد الله بإذن الله ، فقال له ربه يرحمك ربك يا آدم اذهب إلى هؤلاء الملائكة ، وهم ملأ منهم جلوس فقل السلام عليكم ، فلما فعل ذلك رجع إلى ربه فقال هذه تحيتك وتحية ذريتك » وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «حق المسلم على المسلم ست ؛ يسلم عليه إذا لقيه ، ويجيبه إذا دعاه ، وينصح له بالغيب ، ويشمته إذا عطس ، ويعوده إذا مرض ، ويشهد جنازته إذا مات » وعن ابن عمر قال : قال رسول الله عليه الصلاة والسلام : «إن سركم أن يسل الغل من صدوركم فأفشوا السلام بينكم » .
أما قوله تعالى : { ذلكم خير لكم } فالمعنى فيه ظاهر ، إذ المراد أن فعل ذلك خير لكم وأولى لكم من الهجوم بغير إذن { لعلكم تذكرون } أي لكي تتذكروا هذا التأديب فتتمسكوا به .
{ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ } الخ ، وسبب النزول على ما أخرج الفريابي . وغيره من طريق عدي بن ثابت عن رجل من الأنصار أن امرأة قالت : يا رسول الله إني أكون في بيتي على الحالة التي لا أحب أن يراني عليها أحد ولا ولد ولا والد فيأتيني آت فيدخل علي فكيف أصنع ؟ فنزلت : { يا أيها الذين آمنوا } الخ ، وإضافة البيوت إلى ضمير المخاطبين لامية اختصاصية ، والمراد عند بعض الاختصاص الملكي ، ووصف البيوت بمغايرة بيوتهم بهذا المعنى خارج مخرج العادة التي هي سكنى كل أحد في ملكه وإلا فالآجر والمعير أيضاً منهيان عن الدخول بغير إذن .
وقال بعضهم : المراد اختصاص السكنى أي غير بيوتكم التي تسكنونها لأن كون الآجر والمعير منهيين كغيرهما عن الدخول بغير إذن دليل على عدم إرادة الاختصاص الملكي فيحمل ذلك على الاختصاص المذكور فلا حاجة إلى القول بأن ذاك خارج مخرج العادة ، وقرئ { بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ } بكسر الباء لأجل الياء { حتى تَسْتَأْنِسُواْ } أي تستأذنوا من يملك الإذن من أصحابها ، وتفسيره بذلك أخرجه ابن أبي حاتم . وابن الأنباري في المصاحف . وابن جرير . وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما . ويخالفه ما روى الحاكم وصححه والضياء في المختارة . والبيهقي في شعب الإيمان . وناس آخرون عنه أنه قال في { حتى تَسْتَأْنِسُواْ } أخطأ الكاتب وإنما هي { حتى } لكن قال أبو حيان : من روى عن ابن عباس إنه قال ذلك فهو طاعن في الإسلام ملحد في الدين وابن عباس برىء من ذلك القول انتهى .
وأنت تعلم أن تصحيح الحاكم لا يعول عليه عند أئمة الحديث لكن للخبر المذكور طرق كثيرة ، وكتاب الأحاديث المختارة للضياء كتاب معتبر ، فقد قال السخاوي في فتح المغيث في تفسيم أهل المسانيد ومنهم من يقتصر على الصالح للحجة كالضياء في مختارته ، والسيوطي يعد ما عد في ديباجة جمع الجوامع الكتب الخمسة وهي «صحيح البخاري » . و «صحيح مسلم » . و «صحيح ابن حبان » . و «المستدرك » . و «المختارة » للضياء قال : وجميع ما في الكتب الخمسة صحيح .
ونقل الحافظ ابن رجب في طبقات الحنابلة عن بعض الأئمة أنه قال : كتاب «المختارة » خير من «صحيح الحاكم » فوجود هذا الخبر هناك مع ما ذكر من تعدد طرقه يبعد ما قاله أبو حيان ، وابن الأنباري أجاب عن هذا الخبر ونحوه من الأخبار الطاعنة بحسب الظاهر في تواتر القرآن المروية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وسيأتي في تفسير هذه السورة إن شاء الله تعالى بعضها أيضاً بأن الروايات ضعيفة ومعارضة بروايات أخر عن ابن عباس أيضاً وغيره وهذا دون طعن أبي حيان .
وأجاب ابن اشته عن جميع ذلك بأن المراد الخطأ في الاختيار وترك ما هو الأولى بحسب ظنه رضي الله تعالى عنه لجمع الناس عليه من الأحرف السبعة لا أن الذي كتب خطأ خارج عن القرآن .
واختار الجلال السيوطي هذا الجواب وقال : هو أولى وأقعد من جواب ابن الأنباري ، ولا يخفى عليك أن حمل كلام ابن عباس على ذلك لا يخلو عن بعد لما أن ما ذكر خلاف ظاهر كلامه ، وأيضاً ظن ابن عباس أولوية ما أجمع سائر الصحابة رضي الله تعالى عنهم على خلافه مما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم في العرضة الأخيرة بعيد ، وكأنهم رأوا أن التزام ذلك أهون من إنكار ثبوت الخبر عن ابن عباس مع تعدد طرقه وإخراج الضياء إياه في مختارته ، ويشجع على هذا الإنكار اعتقاد جلالة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وثبوت الإجماع على تواتر خلاف ما يقتضيه ظاهر كلامه فتأمل .
واستعمال الاستئناس بمعنى الاستئذان بناءً على أنه استفعال من آنس الشيء بالمد علمه أو أبصره وإبصاره طريق إلى العلم فالاستئناس استعلام والمستأذن طالب العلم بالحال مستكشف أنه هل يراد دخوله أولاً .
وقيل الاستئناس خلاف الاستيحاش فهو من الأنس بالضم خلاف الوحشة . والمراد به المأذونية فكأنه قيل : حتى يؤذن لكم فإن من يطرق بيت غيره لا يدري أيؤذن له أم لا ؟ فهو كالمستوحش من خفاء الحال عليه فإذا أذن له استأنس ، وهو في ذلك كناية أو مجاز ، وقيل : الاستئناس من الانس بالكسر بمعنى الناس أي حتى تطلبوا معرفة من في البيوت من الانس . وضعف بأن فيه اشتقاقاً من جامد كما في «المسرج » أنه مشتق من السراج وبأن معرفة من في البيت لا تكفي بدون الإذن فيوهم جواز الدخول بلا إذن . ومن الناس من رجحه بمناسبته لقوله تعالى : { تَذَكَّرُونَ فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَداً } [ النور : 28 ] ولا يكافىء التضعيف بما سمعت .
وذهب الطبري إلى أن المعنى حتى تؤنسوا أهل البيت من أنفسكم بالاستئذان ونحوه وتؤنسوا أنفسكم بأن تعلموا أن قد شعر بكم ولا يخفى ما فيه ، وقيل : المعنى حتى تطلبوا علم أهل البيت ، والمراد حتى تعلموهم على أتم وجه ، ويرشد إلى ذلك ما روي عن أبي أيوب الأنصاري أنه قال : قلنا يا رسول الله ما الاستئناس ؟ فقال : " يتكلم الرجل بالتسبيحة والتكبيرة والتحميدة يتنحنح يؤذن أهل البيت " وما أخرجه ابن المنذر . وجماعة عن مجاهد أنه قال : تستأنسوا تنحنحوا وتنخموا ، وقيل المراد حتى تؤنسوا أهل البيت بإعلامهم بالتسبيح أو نحوه ، والخبران المذكوران لا يأبيانه وكلا القولين كما ترى ، وفي دلالة ما ذكر من تفسير الاستئناس في الخبر على ما سبق له بحث سنشير إليه إن شاء الله تعالى : { وَتُسَلّمُواْ على أَهْلِهَا } أي الساكنين فيها ، وظاهر الآية أن الاستئذان قبل التسليم وبه قال بعضهم .
وقال النووي : الصحيح المختار تقديم التسليم على الاستئذان ، فقد أخرج الترمذي عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه . قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم السلام قبل الكلام " وابن أبي شيبة . والبخاري في «الأدب المفرد » عن أبي هريرة فيمن يستأذن قبل أن يسلم قال : لا يؤذن له حتى يسلم ، وأخرج ابن أبي شيبة . وابن وهب في كتاب المجالس عن زيد بن أسلم قال : أرسلني أبي إلى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فجئته فقلت : أألج ؟ فقال : ادخل فلما دخلت قال : مرحباً يا ابن أخي لا تقل أألج ولكن قل : السلام عليكم فإذا قيل : وعليك فقل : أأدخل ؟ فإذا قالوا : ادخل فادخل .
وأخرج قاسم بن اصبغ . وابن عبد البر في التمهيد عن ابن عباس قال : استأذن عمر رضي الله تعالى : عنه على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : السلام على رسول الله السلام عليكم أيدخل عمر ؟ واختار الماوردي التفصيل وهو أنه ءن وقعت عين المستأذن على من في البيت قبل دخوله قدم السلام واإلا قدم الاستئذان ، والظاهر أن الاستئذان بما يدل على طلب الإذن صريحاً والمأثور المشهور في ذلك أأدخل ؟ كما سمعت ، وجوز أن يكون بما يفهم منه ذلك مطلقاً وجعلوا منه التسبيح والتكبير ونحوهما مما يحصل به إيذان أهل البيت بالجائي فإن في إيذانهم دلالة ما على طلب الإذن منهم ، وحملوا ما تقدم من حديث أبي أيوب وكلام مجاهد على ذلك ، وهو على ما روي عن عطاء واجب على كل محتلم ويكفي فيه المرة الواحدة على ما يقتضيه ظاهر الآية ، وأخرج البيهقي في «الشعب » . وابن أبي حاتم عن قتادة أنه قال : كان يقال الاستئذان ثلاثاً فمن لم يؤذن له فيهن فليرجع ، أما الأولى : فيسمع الحي ، وأما الثانية : فيأخذوا حذرهم ، وأما الثالثة : فإن شاؤوا أذنوا إن شاؤوا ردوا . وفي الأمر بالرجوع بعد الثلاث حديث مرفوع أخرجه مالك . والبخاري . ومسلم . وأبو داود عن أبي سعيد الخدري .
وذكر أبو حيان أنه لا يزيد على الثلاث إلا إن تحقق أن من في البيت لم يسمع ، وظاهر الآية مشروعية الاستئذان إذا أريد الدخول على المحارم ، وقد أخرج مالك في «الموطأ » عن عطاء بن يسار " أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أأستأذن على أمي ؟ قال : نعم قال : ليس لها خادم غيري أأستأذن عليها كلما دخلت ؟ قال : أتحب أن تراها عريانة ؟ قال الرجل : لا قال : فاستأذن عليها " وأخرج ابن جرير ، والبيهقي عن ابن مسعود عليكم أن تستأذنوا على أمهاتكم وأخواتكم ، وهو أيضاً على ما يقتضيه بعض الآثار مشروع للنساء إذا أردن دخول بيوت غير بيوتهن : فقد أخرج ابن أبي حاتم عن أم إياس قالت : كنت في أربع نسوة نستأذن على عائشة رضي الله تعالى عنها فقلت : ندخل ؟ فقالت : لا فقال واحد : السلام عليكم أندخل ؟ قالت : ادخلوا ثم قالت : { يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ } الخ ؛ وإذا صح ذلك ففي الآية نوع تغليب ، ووجه مشروعية الاستئذان لهن نحو وجه مشروعيته للرجال فإن أهل البيت قد يكونون على حال لا يحبون اطلاع النساء عليه كما لا يحبون اطلاع الرجال .
وصح من حديث أخرجه الشيخان . وغيرهما " إنما جعل الاستئذان من أجل النظر " ومن هنا لا ينبغي النظر في قعر البيت قبل الاستئذان ، وقد أخرج الطبراني عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من كان يشهد أني رسول الله فلا يدخل على أهل بيت حتى يستأذن ويسلم فإذا نظر في قعر البيت فقد دخل " وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخرج أبو داود . والبخاري في الأدب المفرد عن عبد الله بن بشر إذا أتى باب قوم لم يستعمل الباب من تلقاء وجهه ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر ويقول السلام عليكم » وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذٍ ستور فاستقبال الباب ربما يفضي إلى النظر ، وظاهر الآية أيضاً مشروعية الاستئذان للأعمى لدخوله في عموم الموصول ، ووجهها كراهة اطلاعه بواسطة السمع على ما لا يحب أهل البيت اطلاعه عليه من الكلام مثلاً .
وفي «الكشاف » إنما شرع الاستئذان لئلا يوقف على الأحوال التي يطويها الناس في العادة عن غيرهم ويتحفظون من اطلاع أحد عليها ولم يشرع لئلا يطلع الدامر على عورة أحد ولا تسبق عينه إلى ما لا يحل النظر إليه فقط ، وهو تعليل حسن إلا أنه يحتاج القول بذلك إلى القول بأن قوله عليه الصلاة والسلام إنما جعل الاستئذان من أجل النظر » خارج مخرج الغالب .
وجىء بإنما لمزيد الاعتناء لا للحصر وقد صرحوا بمجيء إنما لذلك فلا تغفل ؛ ثم اعلم أن الاستئذان والتسليم متغايران لكن ظاهر بعض الأخبار يقتضي أن الاستئذان داخل في التسليم كما أن بعضها يقتضي مغايرته له وعدم دخوله فيه ، ووجه جعله من التسليم أنه بدونه كالعدم لما أن السنة فيه أن يقرن بالتسليم . هذا وفي مصحف عبد الله كما أخرج ابن جرير . وغيره عن إبراهيم { حتى } { يُؤْمِنُ بالله واليوم الاخر ذلكم } إشارة على ما قيل إلى الدخول بالاستئذان والتسليم المفهوم من الكلام ، وقيل : إشارة إلى المذكور في ضمن الفعلين المغيابهما أي الاستئذان والتسليم { خَيْرٌ لَّكُمْ } من الدخول بغتة والدخول على تحية الجاهلية ، فقد كان الرجل منهم إذا أراد أن يدخل بيتاً غير بيته يقول : حييتم صباحاً حييتم مساءً فيدخل فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف ، وخيرية المفضل عليه قيل على زعمهم لما في الانتظار من المذلة ولعدم تحية الجاهلية حسنة كما هو عادة الناس اليوم في قولهم : صباح الخير ومساء الخير ، ولعل الأولى أن يقال : إن ذلك من قبيل الخل أحلى من العسل .
وجوز أن يكون { خَيْرٌ } صفة فلا تقدير ، وقوله تعالى : { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } تعليل على ما اختاره جمع لمحذوف أي أرشدتم إلى ذلك أو قيل لكم هذا كي تتذكروا وتتعظوا وتعملوا بموجبه .
ومن باب الإشارة :وفي قوله تعالى : { يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلّمُواْ على أَهْلِهَا } [ النور : 27 ] إشارة إلى أنه لا ينبغي لمن يريد الدخول على الأولياء أن يدخل حتى يجد روح القبول والإذن بإفاضة المدد الروحاني على قلبه المشار إليه بالاستئناس فإنه قد يكون للولي حال لا يليق للداخل أن يحضره فيه وربما يضره ذلك ، وأطرد بعض الصوفية ذلك فيمن يريد الدخول لزيارة قبور الأولياء قدس الله تعالى أسرارهم فقال : ينبغي لمن أراد ذلك أن يقف بالباب على أكمل ما يكون من الأدب ويجمع حواسه ويعتمد بقلبه طالباً الإذن ويجعل شيخه واسطة بينه وبين الولي المزور في ذلك فإن حصل له انشراح صدر ومدد روحاني وفيض باطني فليدخل وإلا فليرجع ، وهذا هو المعنى بأدب الزيارة عندهم ولم نجد ذلك عن أحد من السلف الصالح . والشيعة عند زيارتهم للأئمة رضي الله تعالى عنهم ينادي أحدهم أأدخل يا أمير المؤمنين أو يا ابن بنت رسول الله عليه الصلاة والسلام أو نحوه ذلك ويزعمون أن علامة الإذن حصول رقة القلب ودمع العين وهو أيضاً مما لم نعرفه عن أحد من السلف ولا ذكره فقهاؤنا وما أظنه إلا بدعة ولا يعد فاعلها إلا مضحكة للعقلاء ، وكون المزور حياً في قبره لا يستدعي الاستئذان في الدخول لزيارته ، وكذا ما ذكره بعض الفقهاء من أنه ينبغي للزائر التأدب مع المزور كما يتأدب معه حياً كما لا يخفى . وقد رأيت بعد كتابتي هذه في «الجوهر المنتظم » في زيارة القبر المعظم صلى الله تعالى على صاحبه وسلم لابن حجر المكي ما نصه ، قال بعضهم : وينبغي أن يقف يعني الزائر بالباب وقفة لطيفة كالمستأذن في الدخول على العظماء انتهى .
وفيه أنه لا أصل لذلك ولا حال ولا أدب يقتضيه انتهى . ومنه يعلم أنه إذا لم يشرع ذلك في زيارة قبره عليه الصلاة والسلام فعدم مشروعيته في زيارة غيره من باب أولى فاحفظ ذاك والله تعالى يعصمنا من البدع وإياك .