مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلۡإِفۡكِ عُصۡبَةٞ مِّنكُمۡۚ لَا تَحۡسَبُوهُ شَرّٗا لَّكُمۖ بَلۡ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُم مَّا ٱكۡتَسَبَ مِنَ ٱلۡإِثۡمِۚ وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبۡرَهُۥ مِنۡهُمۡ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٞ} (11)

قوله تعالى : { إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم } .

الحكم الخامس : قصة الإفك

الكلام في هذه الآية من وجهين : أحدهما : تفسيره والثاني : سبب نزوله :

أما التفسير فاعلم أن الله تعالى ذكر في هذه الآية ثلاثة أشياء : أولها : أنه حكى الواقعة وهو قوله : { إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم } والإفك أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء ، وقيل هو البهتان وهو الأمر الذي لا تشعر به حتى يفجأك وأصله الإفك وهو القلب لأنه قول مأفوك عن وجهه ، وأجمع المسلمون على أن المراد ما أفك به على عائشة ، وإنما وصف الله تعالى ذلك الكذب بكونه إفكا لأن المعروف من حال عائشة خلاف ذلك لوجوه . أحدها : أن كونها زوجة للرسول صلى الله عليه وسلم المعصوم يمنع من ذلك ، لأن الأنبياء مبعوثون إلى الكفار ليدعوهم ويستعطفوهم ، فوجب أن لا يكون معهم ما ينفرهم عنهم وكون الإنسان بحيث تكون زوجته مسافحة من أعظم المنفرات ، فإن قيل كيف جاز أن تكون امرأة النبي كافرة كامرأة نوح ولوط ولم يجز أن تكون فاجرة وأيضا فلو لم يجز ذلك لكان الرسول أعرف الناس بامتناعه ولو عرف ذلك لما ضاق قلبه ، ولما سأل عائشة عن كيفية الواقعة قلنا الجواب : عن الأول أن الكفر ليس من المنفرات ، أما كونها فاجرة فمن المنفرات والجواب : عن الثاني أنه عليه السلام كثيرا ما كان يضيق قلبه من أقوال الكفار مع علمه بفساد تلك الأقوال ، قال تعالى : { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون } فكان هذا من هذا الباب . وثانيها : أن المعروف من حال عائشة قبل تلك الواقعة إنما هو الصون والبعد عن مقدمات الفجور ، ومن كان كذلك كان اللائق إحسان الظن به . وثالثها : أن القاذفين كانوا من المنافقين وأتباعهم ، وقد عرف أن كلام العدو المفترى ضرب من الهذيان ، فلمجموع هذه القرائن كان ذلك القول معلوم الفساد قبل نزول الوحي . أما العصبة فقيل إنها الجماعة من العشرة إلى الأربعين وكذلك العصابة واعصوصبوا اجتمعوا ، وهم عبد الله بن أبي بن سلول رأس النفاق ، وزيد بن رفاعة ، وحسان بن ثابت ، ومسطح بن أثاثة ، وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم .

أما قوله : { منكم } فالمعنى أن الذين أتوا بالكذب في أمر عائشة جماعة منكم أيها المؤمنون ، لأن عبد الله كان من جملة من حكم له بالإيمان ظاهرا . ورابعها : أنه سبحانه شرح حال المقذوفة ومن يتعلق بها بقوله : { لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم } والصحيح أن هذا الخطاب ليس مع القاذفين ، بل مع من قذفوه وآذوه ، فإن قيل هذا مشكل لوجهين : أحدهما : أنه لم يتقدم ذكرهم والثاني : أن المقذوفين هما عائشة وصفوان فكيف تحمل عليهما صيغة الجمع في قوله : { لا تحسبوه شرا لكم } ، والجواب عن الأول : أنه تقدم ذكرهم في قوله : { منكم } وعن الثاني : أن المراد من لفظ الجمع كل من تأذى بذلك الكذب واغتم ، ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم تأذى بذلك وكذلك أبو بكر ومن يتصل به ، فإن قيل فمن أي جهة يصير خيرا لهم مع أنه مضرة في العاجل ؟ قلنا لوجوه . أحدها : أنهم صبروا على ذلك الغم طلبا لمرضاة الله تعالى فاستوجبوا به الثواب وهذه طريقة المؤمنين عند وقوع الظلم بهم . وثانيها : أنه لولا إظهارهم للإفك كان يجوز أن تبقى التهمة كامنة في صدور البعض ، وعند الإظهار انكشف كذب القوم على مر الدهر . وثالثها : أنه صار خيرا لهم لما فيه من شرفهم وبيان فضلهم من حيث نزلت ثمان عشرة آية كل واحدة منها مستقلة ببراءة عائشة وشهد الله تعالى بكذب القاذفين ونسبهم إلى الإفك وأوجب عليهم اللعن والذم وهذا غاية الشرف والفضل . ورابعها : صيرورتها بحال تعلق الكفر والإيمان بقدحها ومدحها فإن الله تعالى لما نص على كون تلك الواقعة إفكا وبالغ في شرحه فكل من يشك فيه كان كافرا قطعا وهذه درجة عالية ، ومن الناس من قال قوله تعالى : { لا تحسبوه شرا لكم } خطاب مع القاذفين وجعله الله تعالى خيرا لهم من وجوه . أحدها : أنه صار ما نزل من القرآن مانعا لهم من الاستمرار عليه فصار مقطعة لهم عن إدامة هذا الإفك . وثانيها : صار خيرا لهم من حيث كان هذا الذكر عقوبة معجلة كالكفارة . وثالثها : صار خيرا لهم من حيث تاب بعضهم عنده ، واعلم أن هذا القول ضعيف لأنه تعالى خاطبهم بالكاف ، ولما وصف أهل الإفك جعل الخطاب بالهاء بقوله تعالى : { لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم } ومعلوم أن نفس ما اكتسبوه لا يكون عقوبة ، فالمراد لهم جزاء ما اكتسبوه من العقاب في الآخرة والمذمة في الدنيا ، والمعنى أن قدر العقاب يكون مثل قدر الخوض .

أما قوله : { والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم } ففيه مسائل :

المسألة الأولى : قرئ كبره بالضم والكسر وهو عظمه .

المسألة الثانية : قال الضحاك : الذي تولى كبره حسان ومسطح فجلدهما صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله عذرها . وجلد معهما امرأة من قريش ، وروي أن عائشة رضي الله عنها ذكرت حسانا وقالت : «أرجو له الجنة ، فقيل أليس هو الذي تولى كبره ؟ فقالت إذا سمعت شعره في مدح الرسول رجوت له الجنة » وقال عليه الصلاة والسلام : «إن الله يؤيد حسانا بروح القدس في شعره » وفي رواية أخرى «وأي عذاب أشد من العمى » ولعل الله جعل ذلك العذاب العظيم ذهاب بصره ، والأقرب في الرواية أن المراد به عبد الله بن أبي بن سلول فإنه كان منافقا يطلب ما يكون قدحا في الرسول عليه السلام ، وغيره كان تابعا له فيما كان يأتي ، وكان فيهم من لا يتهم بالنفاق .

المسألة الثالثة : المراد من إضافة الكبر إليه أنه كان مبتدئا بذلك القول ، فلا جرم حصل له من العقاب مثل ما حصل لكل من قال ذلك لقوله عليه الصلاة والسلام : «من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة » وقيل سبب تلك الإضافة شدة الرغبة في إشاعة تلك الفاحشة وهو قول أبي مسلم .

المسألة الرابعة : قال الجبائي قوله تعالى : { لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم } أي عقاب ما اكتسب ، ولو كانوا لا يستحقون على ذلك عقابا لما جاز أن يقول تعالى ذلك ، وفيه دلالة على أن من لم يتب منهم صار إلى العذاب الدائم في الآخرة ، لأن مع استحقاق العذاب لا يجوز استحقاق الثواب والجواب : أن الكلام في المحابطة قد مر غير مرة فلا وجه للإعادة ، والله أعلم .

أما سبب النزول فقد روى الزهري عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن أبي وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عقبة بن مسعود كلهم رووا عن عائشة قالت : «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج اسمها خرج بها معه ، قالت فأقرع بيننا في غزوة غزاها قبل غزوة بني المصطلق فخرج فيها اسمي فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك بعد نزول آية الحجاب فحملت في هودج فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرب من المدينة نزل منزلا ثم أذن بالرحيل فقمت حين أذنوا بالرحيل ومشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني وأقبلت إلى رحلي فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع فرجعت والتمست عقدي وحبسني طلبه ، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلونني فحملوا هودجي وهم يحسبون أني فيه لخفتي ، فإني كنت جارية حديث السن ، فظنوا أني في الهودج وذهبوا بالبعير ، فلما رجعت لم أجد في المكان أحدا فجلست وقلت لعلهم يعودون في طلبي فنمت ، وقد كان صفوان بن المعطل يمكث في العسكر يتتبع أمتعة الناس فيحمله إلى المنزل الآخر لئلا يذهب منهم شيء فلما رآني عرفني ، وقال ما خلفك عن الناس ؟ فأخبرته الخبر فنزل وتنحى حتى ركبت ، ثم قاد البعير وافتقدني الناس حين نزلوا وماج الناس في ذكري ، فبينا الناس كذلك إذ هجمت عليهم فتكلم الناس وخاضوا في حديثي ، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولحقني وجع ، ولم أر منه عليه السلام ما عهدته من اللطف الذي كنت أعرف منه حين أشتكي ، إنما يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يقول كيف تيكم فذاك الذي يريبني ، ولا أشعر بعد بما جرى حتى نقهت فخرجت في بعض الليالي مع أم مسطح لمهم لنا ، ثم أقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي حين فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت تعس مسطح ، فأنكرت ذلك وقلت أتسبين رجلا شهد بدرا ! فقالت وما بلغك الخبر ! فقلت وما هو فقال[ ت ] أشهد أنك من المؤمنات الغافلات ، ثم أخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا على مرضي فرجعت أبكي ، ثم دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال «كيف تيكم » ، فقلت ائذن لي أن آتي أبوي فأذن لي فجئت أبوي وقلت لأمي يا أمه ماذا يتحدث الناس ؟ قالت يا بنية هوني عليك فوالله لقلما كانت امرأة وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها ، ثم قالت ألم تكوني علمت ما قيل حتى الآن ؟ فأقبلت أبكي فبكيت تلك الليلة ثم أصبحت أبكي فدخل علي أبي وأنا أبكي فقال لأمي ما يبكيها ؟ قالت لم تكن علمت ما قيل فيها حتى الآن فأقبل يبكي ثم قال اسكتي يا بنية ، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب عليه السلام وأسامة بن زيد واستشارهما في فراق أهله فقال أسامة يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلا خيرا ، وأما علي فقال لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير ، وإن تسأل الجارية تصدقك فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة وسألها عن أمري قالت بريرة يا رسول الله والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا قط أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها حتى تأتي الداجن فتأكله ، قالت فقام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا على المنبر ، فقال «يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي يعني عبد الله بن أبي فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا ، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي » ، فقام سعد بن معاذ فقال أعذرك يا رسول الله منه إن كان من الأوس ضربت عنقه ، وإن كان من إخواننا من الخزرج فما أمرتنا فعلناه ، فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان رجلا صالحا ولكن أخذته الحمية فقال لسعد بن معاذ كذبت والله لا تقدر على قتله ، فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ وقال كذبت لعمر الله لنقتلنه وإنك لمنافق تجادل عن المنافقين ، فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فلم يزل يخفضهم حتى سكتوا ، قالت ومكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي ، فبينا هما جالسان عندي وأنا أبكي إذ دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس ، قالت ولم يجلس عندي منذ قيل في ما قيل ولقد لبث شهرا لا يوحي الله إليه في شأني شيئا ، ثم قال : «أما بعد يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله تعالى وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه ، فإن العبد إذا تاب تاب الله عليه » قالت فما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته ، فاض دمعي ثم قلت لأبي أجب عني رسول الله ، فقال والله ما أدري ما أقول ، فقلت لأمي أجيبي عني رسول الله فقالت والله لا أدري ما أقول ، فقلت وأنا جارية حديثة السن ما أقرأ من القرآن كثيرا إني والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر في نفوسكم وصدقتم به فإن قلت لكم إني بريئة لا تصدقوني وإن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني بريئة لتصدقوني والله لا أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال العبد الصالح أبو يوسف ولم أذكر اسمه { فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون } قالت ثم تحولت واضطجعت على فراشي ، وأنا والله أعلم أن الله تعالى يبرئني ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحيا يتلى فشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله في بأمر يتلى ، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله في النوم رؤيا يبرئني الله بها . قالت فوالله ما قام رسول الله من مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله الوحي على نبيه ، فأخذه ما كان يأخذه عند نزول الوحي حتى إنه ليتحدر عنه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي من ثقل الوحي ، فسجى بثوب ووضعت وسادة تحت رأسه فوالله ما فرغت ولا باليت لعلمي ببراءتي ، وأما أبواي فوالله ما سرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننت أن نفسي أبوي ستخرجان فرقا من أن يأتي الله بتحقيق ما قال الناس ، فلما سرى عنه وهو يضحك فكان أول كلمة تكلم بها أن قال : «أبشري يا عائشة أما والله لقد برأك الله » . فقلت بحمد الله لا بحمدك ولا بحمد أصحابك ، فقالت أمي قومي إليه ، فقلت والله لا أقوم إليه ولا أحمد أحدا إلا الله أنزل براءتي ، فأنزل الله تعالى : { إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم } العشر آيات ، فقال أبو بكر والله لا أنفق على مسطح بعد هذا وكان ينفق عليه لقرابته منه وفقره ، فأنزل الله تعالى : { ولا يأتل أولوا الفضل منكم } إلى قوله : { ألا تحبون أن يغفر الله لكم } فقال أبو بكر : بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي فرجع النفقة على مسطح قالت فلما نزل عذري قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن فلما نزل ضرب عبد الله بن أبي ومسطحا وحمنة وحسان الحد » .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلۡإِفۡكِ عُصۡبَةٞ مِّنكُمۡۚ لَا تَحۡسَبُوهُ شَرّٗا لَّكُمۖ بَلۡ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُم مَّا ٱكۡتَسَبَ مِنَ ٱلۡإِثۡمِۚ وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبۡرَهُۥ مِنۡهُمۡ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٞ} (11)

الإفك : الافتراء ، والفعل أفَك يأفِك مثل ضرب يضرب ، وأفِك يأفَك : مثل علم يعلم . وأفك الناسَ : كذبهم .

العصبة : الجماعة .

تولى كبره : تحمل معظمه .

نزلت هذه الآية والآيات االتسع التي بعدها في شأن عائشة أم المؤمنين ، رضي الله عنها ، حين رماها أهلُ الإفك والبهتان من المنافقين ومن انضمّ إليهم من بعض المؤمنين بما قالوه من الكذب والافتراء . وكان القصدُ من ذلك إيذاءَ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في أحبّ نسائه إليه ، فأنزل الله تعالى هذه الآيات لبراءتها . وهذا باتفاق المفسرين والرواة من جميع الطوائف والمذاهب الإسلامية إلا من شذ .

وقد روى حديثَ الإفك عددٌ من العلماء في مقدمتهم البخاري عن السيدة عائشة وابن الزبير ؛ وأم رومان أم السيدة عائشة ؛ وابن عباس وأبي هريرة وأبي اليسر . كما رواه عدد من التابعين . والحديث طويل من أراده فليرجعْ إلى صحيح البخاري وسيرة ابن هشام وغيرهما .

وخلاصته : أن الرسول الكريم كان إذا أراد سفراً عمل قُرعةً بين زوجاته ، فالتي تخرج قرعتها أخذها معه . وفي سنة ستٍ من الهجرة ( كما حدّدها ابن هشام في السيرة ) خرج الرسول إلى غزوة بني المصطَلِق وأخذ السيدة عائشة معه . فلما انتهى من الغزوة رجع ، تقول السيدة عائشة : « حتى إذا قَفَلْنا ودنونا من المدينة ، نزلنا منزلا . ثم نوديَ بالرحيل في الليل ، فقمتُ لأقضي حاجة ، ومشيتُ حتى جاوزتُ الجيش . فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فلمست صدري فإذا عِقدي قد انقطع . فرجعتُ ألتمسه . فحبَسَني ابتغاءه . وجاء الذين توكلوا بهَوْدَجي فاحتملوه ووضعوه على بعيري وهم يحسبون أني فيه لخفّتي في ذلك الوقت . ورحَلَ الناس . وبعد أن وجدت عقدي جئت إلى منزل الجيش فلم أجد أحدا ، فجلست في مكاني وأنا أعلم أنهم سوف يفتقدونني ويعودون في طلبي . فبينما أنا جالسة في مكاني غلبتني عيني فنمت . وكان صفوان بن المعطّل السُّلَمي قد تخلف عن الجيش ، فلما رآني عرفني ، فاستيقظت على صوته وهو يقول : إنا لله وإنا إليه راجعون فخمَرتُ وجهي بجلبابي ، و واللهِ ما تكلّمنا بكلمة ولا سمعت منه غير استرجاعه . ثم أناخ راحلته فقمتُ إليها فركبتها ، وانطلق يقود بي الراحلة حتى أدركنا الجيشَ عند الظهر وهم نزول . وكانوا قد افتقدوني وماج القوم في ذكري . فبينما الناس كذلك إذ وصلتُ عندهم . وبعد وصولهم إلى المدينة ، بدأ الناس يتهامسون : ما بالُ عائشة تأخرتْ عن الجيش ، وجاءت مع صفوان على بعيره ، وصفوان شاب وسيم الطلعة مكتمل القوة ! وقاد هذه الحركة وتولّى كِبرها رأسُ المنافقين عبدُ الله بن أبَيّ وبعض المؤمنين سيأتي ذكرهم وعددٌ من المنافقين . وبلغ النبيَّ الخبرُ ، واضطرب له . وبعد مدة بلغ السيدة عائشةَ الخبر وهاج الناس وماجوا واضطربت المدينة لهذا الخبر ، وبقيتْ كذلك مدة شهر إلى أن نزلت هذه الآيات تبرئ السيدة عائشة وتحسم الموضوع حسماً كاملا .

إن الذين اتهموا عائشةَ أمَّ المؤمنين بالزنا هم جماعة من كبار الكذّابين المفترين ، وهم من المنافقين الموجودين بينكم ، لا تظنوا هذه الحادثة شراً لكم بل هي خير لكم ، لأنها ميزت المنافقين من المؤمنين ، وأظهرت كرامة المبرئين منها ، ولكل امرئ منهم جزاؤه على مقدار اشتراكه في هذه الجريمة .

{ تولى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ } : ورأسُ الكفر والمنافقين عبدُ الله بن أبيّ هو الذي قاد هذه الحركة وتولى معظمها ، له يوم القيامة عذابٌ عظيم . وقد انساق معه بعض المؤمنين منهم حسّان بن ثابت ومِسطَح بن أثاثة وهو من أقارب أبي بكر الصديق ، وحمنة بنتُ جحش أختُ زينب أم المؤمنين . ولما نزلت آية البراءة أمَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بجَلْدِهم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلۡإِفۡكِ عُصۡبَةٞ مِّنكُمۡۚ لَا تَحۡسَبُوهُ شَرّٗا لَّكُمۖ بَلۡ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُم مَّا ٱكۡتَسَبَ مِنَ ٱلۡإِثۡمِۚ وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبۡرَهُۥ مِنۡهُمۡ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٞ} (11)

{ إِنَّ الذين جَاءوا بالإفك } أي بأبلغ ما يكون من الكذب والافتراء وكثيراً ما يفسر بالكذب مطلقاً ، وقيل : هو البهتان لا تشعر به حتى يفجأك ، وجوز فيه فتح الهمزة والمراد به ما أفك به الصديقة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها على أن اللام فيه للعهد ، وجوز حمله على الجنس قيل فيفيد القصر كأنه لا إفك إلا ذلك الإفك ، وفي لفظ المجيء إشارة إلى أنهم أظهروه من عند أنفسهم من غير أن يكون له أصل ، وتفصيل القصة ما أخرجه البخاري . وغيره عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه قالت عائشة فاقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج سهمي فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما نزل الحجاب فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من تلك وقفل ودنونا من المدينة قافلين آذن ليلة بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه وأقبل الرهط الذي كانوا يرحلون لي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت ركبت وهم يحسبون أني فيه وكان النساء إذ ذاك خفافاً لم يثقلهن اللحم إنما نأكل العلقة من الطعام فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فاممت منزلي الذي كنت به وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إلي فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش فادلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني وكان يراني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي بجلبابي والله ما كلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حين أناخ راحلته فوطىء على يديها فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة فهلك في من هلك وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي بن سلول فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهراً والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك لا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي إنما يدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسلم ثم يقول : كيف تيكم ؟ ثم ينصرف فذاك الذي يريبني ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعدما نقهت فخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وهو متبرزنا وكنا لا نخرج إلا ليلاً إلى ليل ، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريباً من بيوتنا وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط فكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا فانطلقت أنا وأم مسطح وهي ابنة أبي رهم بن عبد مناف وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق وابنها مسطح بن أثاثة فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي قد فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت : تعس مسطح فقلت لها : بئس ما قلت أتسبين رجلاً شهد بدراً ؟ قالت : أي هنتاه أو لم تسمعي ما قال ؟ قالت : قلت وما قال ؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضاً على مرضي فلما رجعت إلى بيتي ودخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : كيف تيكم ؟ فقلت : أتأذن لي أن آتي أبوي ؟ قالت : وأنا حينئذٍ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما قالت : فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أبوي فقلت لامي : يا أمتاه ما يتحدث الناس ؟ قالت : يا بنية هوني عليك فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل ولها ضرائر إلا كثرن عليها قالت : فقلت سبحان الله ولقد تحدت الناس بهذا قالت : فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم حتى أصبحت أبكي فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابن أبي طالب .

وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستأمرهما في فراق أهله قالت : فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود فقال : يا رسول الله أهلك وما نعلم إلا خيراً وأما علي بن أبي طالب فقال : يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير وإن تسأل الجارية تصدقك قالت : فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة فقال : أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك ؟ قالت بريرة : لا والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمراً أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتى الداجن فتأكل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعذر يومئذ من عبد الله بن أبي ابن سلول قالت : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر : يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي ؟ فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً وما كان يدخل على أهلي إلا معي فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال : يا رسول الله أنا أعذرك منه إن كان من الأوس ضربت عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك قالت : فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً ولكن احتملته الحمية فقال لسعد : كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد فقال لسعد بن عبادة : كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين فثار الحيان من الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت قالت : فمكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا اكتحل بنوم قالت : فأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويوماً لا أكتحل بنوم ولا يرقأ لي دمع يظناني أن البكاء فألق كبدي قالت : فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت على امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي قالت : فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس قالت : ولم يجلس عندي منذ قيل في ما قيل قبلها وقد لبت شهراً لا يوحى إليه في شأني قالت : فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال : أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت الممت بذنب فاستغفري الله وتوبى إليه فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه قالت : فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة فقلت : لأبي أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال قال : والله ما أدري ما أقول لرسول الله فقلت لأمي : أجيبي رسول الله قالت : ما أدري ما أقول لرسول الله قالت : فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيراً من القرآن : إني والله لقد علمت أنكم سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به فلئن قلت لكم : إني برية والله يعلم أني برية لا تصدقوني ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه برية لتصدقني والله لا أجد لي ولكم مثلاً إلا قول أبي يوسف { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ والله المستعان على مَا تَصِفُونَ } [ يوسف : 18 ] فاضطجعت على فراشي وأنا حينئذ أعلم أني برية وأن الله مبرئني ببراءتي ولكن ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيا يتلى ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر يتلى ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله بها قالت : فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى أنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق وهو في يوم شات من ثقل القول الذي ينزل عليه قالت : فلما سرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سرى عنه وهو يضحك فكان أول كلمة تكلم بها : يا عائشة أما الله فقد برأك فقالت أمي : قومي إليه فقالت : والله لا أقوم ولا أحمد إلا الله وأنزل الله { إِنَّ الذين جَاءوا بالإفك } [ النور : 11 ] العشر الآيات كلها ، والظاهر أن قوله تعالى :

{ عُصْبَةٌ مّنْكُمْ } خبر إن وإليه ذهب الحوفي .

وأبو البقاء ، وقال ابن عطية : هو بدل من ضمير { جاؤوا } والخير جملة قوله تعالى : { مّنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ } والتقدير إن فعل الذين وهذا أنسق في المعنى وأكثر فائدة من أن يكون { عُصْبَةٌ } الخبر انتهى ، ولا يخفى أنه تكلف ، والفائدة في الأخبار على الأول قيل : التسلية بأن الجائين بذلك الإفك فرقة متعصبة متعاونة . وذلك من أمارات كونه إفكاً لا أصل له ، وقيل : الأول أن تكون التسلية بأن ذلك مما لم يجمع عليه بل جاء به شرذمة منكم ، وزعم أبو البققاء أنه بوصف العصبة بكونها منهم أفاد الخبر ، وفيه نظر .

والخطاب في { مّنكُمْ } على ما أميل إليه لمن ساءه ذلك من المؤمنين ويدخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأبو بكر . وأم رومان . وعائشة . وصفوان دخولاً أولياً ، وأصل العصبة الفرقة المتعصبة قلت أو كثرت وكثر إطلاقها على العشرة فما فوقها إلى الأربعين وعليه اقتصر في الصحاح ، وتطلق على أقل من ذلك ففي مصحف حفصة عصبة أربعة . وقد صح أن عائشة رضي الله تعالى عنها عدت المنافق عبد الله بن أبي ابن سلول . وحمنة بنت جحش أخت أم المؤمنين زينب رضي الله تعالى عنها . وزوجة طلحة بن عبيد الله . ومسطح ابن أثاثة . وحسان بن ثابت ، ومن الناس من برأ حسان وهو خلاأف ما في صحيح البخاري وغيره .

نعم الظاهر أنه رضي الله تعالى عنه لم يتكلم به عن صميم قلت وإنما نقله عن ابن أبي لعنه الله تعالى ، وقد جاء أنه رضي الله تعالى عنه اعتذر عما نسب إليه في شأن عائشة رضي الله تعالى عنها فقال :

حصان رزان ماتزن بريبة *** وتصبح غرثي من لحوم الغوافل

حليلة خير الناس دينا ومنصبا *** نبي الهدى ذي المكرمات الفواضل

عقيلة حي من لؤي بن غالب *** كرما المساعي مجدهم غير زائل

مهذبة قد طيب الله خيمها *** وطهرها من كل سوء وباطل

فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتمو *** فلا رفعت سوطي إلى أناملي

وكيف وودي ما حييت ونصرتي *** لآل رسول الله زين المحافل

له رتب عال على الناس كلهم *** تقاصر عنه سورة المتطاول

فإن الذي قد قيل ليس بلائط *** ولكنه قول امرىء بي ما حل

وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها تكرمه بعد ذلك وتذكره بخير وإن صح أنها قالت له حين أنشدها أول هذه الأبيات : لكنك لست كذلك ، فقد أخرج ابن سعد عن محمد بن سيرين أن عائشة رضي الله تعالى عنها كانت تأذن لحسان وتدعو له بالوسادة وتقول : لا تؤذوا حساناً فإنه كان ينصر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلسانه .

وأخرج ابن جرير من طريق الشعبي عنها أنها قالت : ما سمعت بشيء أحسن من شعر حسان وما تمثلت به الأرجوت له الجنة قوله لأبي سفيان بن الحرث بن عبد المطلب :

هجوت محمداً وأجبت عنه *** وعند الله في ذاك الجزاء

فإن أبى ووالدتي وعرضي *** لعرض محمد منكم وقاء

أتشتمه ولست له بكفؤ *** فشركما لخيركما الفداء

لساني صارم لا عيب فيه *** وبحري لا تكدره الدلاء

وعد بعضهم مع الأربعة المذكورين زيد بن رغافة ولم نر فيه نقلاً صحيحاً ، وقيل إنه خطأ ، ومعنى { مّنكُمْ } من أهل ملتكم وممن ينتمي إلى الإسلام سواء كان كذلك في نفس الأمر أم لا فيشمل ابن أبي لأنه ممن ينتمي إلى الإسلام ظاهراً وإن كان كافراً في نفس الأمر ، وقيل إن قوله تعالى : { مّنكُمْ } خارج مخرج الأغلب وأغلب أولئك العصبة مؤمنون مخلصون ، وكذا الخطاب في { لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ } وقيل : الخطاب في الأول للمسلمين وفي هذا لسيد المخاطبين رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولأبي بكر . وعائشة . وصفوان رضي الله تعالى عنهم والكلام مسوق لتسليتهم .

وأخرج ابن أبي حاتم . والطبراني عن سعيد بن جبير أن الخطاب في الثاني لعائشة . وصفوان ، وأبعد عن الحق من زعم دنه للذين جاؤوا بالافك وتكلف للخيرية ما تكلف ، ولعل نسبته إلى الحسن لا تصح ، والظاهر أن ضمير الغائب في { لاَ تَحْسَبُوهُ } عائد على الإفك .

وجوز أن يعود على القذف وعلى المصدر المفهوم من { جاؤوا } وعلى ما نال المسلمين من الغم والكل كما ترى ، وعلى ما ذهب إليه ابن عطية يعود على المحذوف المضاف إلى اسم إن الذي هو الاسم في الحقيقة ؛ ونهوا عن حسبان ذلك شراً لهم إراحة لبالهم بإزاحة ما يوجب استمرار بلبالهم ، وأردف سبحانه النهي عن ذلك بالإضراب بقوله عز وجل : { لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } اعتناء بأمر التسلية ، والمراد بل هو خير عظيم لكم لنيلكم بالصبر عليه الثواب العظيم وظهور كرامتكم على الله عز وجل بإنزال ما فيه تعظيم شأنكم وتشديد الوعيد فيمن تكلم بما أحزنكم ، والآيات المنزلة في ذلك على ما سمعت آنفاً عن عائشة رضي الله تعالى عنها عشرة .

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أنه قال : نزلت ثماني عشرة آية متواليات بتكذيب من قذف عائشة وبراءتها . وأخرج الطبراني عن الحكم بن عتيبة قال : إنه سبحانه أنزل فيها خمس عشرة آية من سورة النور ثم قرأ حتى بلغ { الخبيثات لِلْخَبِيثِينَ } [ النور : 26 ] وكأن الخلاف مبني على الخلاف في رؤس الآي ، وفي كتاب العدد للداني ما يوافق المروى عن ابن جبير .

{ لِكُلّ امرىء مّنْهُمْ } أي من الذي جاؤوا بالإفك { مَّا اكتسب مِنَ الإثم } أي جزاء ما اكتسب وذلك بقدر ما خاض فيه فإن بعضهم تكلم وبعضهم ضحك كالمعجب الراضي بما سمع وبعضهم أكثر وبعضهم أقل .

{ والذي تولى كِبْرَهُ } بكسر الكاف . وقر الحسن . والزهري . وأبو رجاء . ومجاهد . والأعمش وأبو البرهسم . وحميد . وابن أبي عبلة . وسفيان الثوري . ويزيد بن قطيب . ويعقوب . والزعفراني . وابن مقسم . وعمرة بنت عبد الرحمن . وسورة عن الكسائي . ومحبوب عن أبي عمرو { كِبْرَهُ } بضم الكاف وهو مكسورها مصدر ان لكبر الشيء عظم ومعناهما واحد ، وقيل : الكبر بالضم المعظم وبالكسر البداءة بالشيء ، وقيل : الإثم ، والجمهور على الأول أي والذي تحمل معظمه { مِنْهُمْ } أي من الجبائين به { لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ } في الدنيا والآخرة أو في الآخرة فقط ، وفي التعبير بالموصول وتكرير الإسناد وتنكير العذاب ووصفه بالعظم من تهويل الخطاب ما لا يخفى ، والمراد بالذي تولى كبره كما في «صحيح البخاري » عن الزهري عن عورة عن عائشة رضي الله تعالى عنها عبد الله بن أبي عليه اللعنة وعلى ذلك أكثر المحدثين .

/ وكان لعنه الله تعالى يجمع الناس عنده ويذكر لهم ما يذكر من الإفك وهو أول من اختلقه وأشاعه لا معانه في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعذابه في الآخرة بعد جعله في الدرك الأسفل من النار لا يقدر قدره إلا الله عز وجل ، وأما في الدنيا فوسمه بميسم الذي وإظهار نفاقه على رؤس الاشهاد وحده حدين على ما أخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما من أنه صلى الله عليه وسلم بعد أن نزلت الآيات خرج إلى المسجد فدعا أبا عبيدة بن الجراح فجمع الناس ثم تلا عليهم ما أنزل الله تعالى من البراءة لعائشة وبعث إلى عبد الله بن أبي فجيء به فضربه عليه الصلاة والسلام حدين وبعث إلى حسان . ومسطح وحمنة فضربوا ضرباً وجيعا ووجئوا في رقابهم ، وقيل : حدحداً واحداً ، فقد أخرج الطبراني عن ابن عباس أنه فسر العذاب في الدنيا بجلد رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه ثمانين جلدة وعذابه في الآخرة بمصيره إلى النار ، وقيل : إنه لم يحد أصلاً لأنه لم يقر ولم يلتزم إقامة البينة عليه تأخيراً لجزائه إلى يوم القيامة كما أنه لم يلتزم إقامة البينة على نفاقه وصدور ما يوجب قتله لذلك وفيه نظر .

وزعم بعضهم أنه لم يحد مسطح ، وآخرون أنه لم يحد أحد ممن جاء بالإفك إذ لم يكن إقرار ولم يلتزم إقامة بينة . وفي البحر أن المشهور حد حسان . ومسطح . وحمنة ، وقد أخرجه البزار . وابن مردويه بسند حسن ع أبي هريرة ، وقد جاء ذلك في أبيات ذكرها ابن هشام في ملخص السيرة لأبن اسحق وهي :

لقد ذاق حسان الذي كان أهله *** وحمنة إذ قالوا هججيراً ومسطح

تعاطوا برجم الغيب أمر نبيهم *** وسخطة ذي العرش الكريم فانزحوا

وآذوا رسول الله فيها فجللوا *** مخازي بغي يمومها وفضحوا

وصب عليهم محصدات كأنها *** شابيب قطر من ذرى المزن تسفح

وقيل : الذي تولى كبره حسان واستد بما في «صحيح البخاري » أيضاً عن مسروق قال : دخل حسان على عائشة فشبب وقال ؛ حصان { البيت } قالت : لكنك لست كذلك قلت : تدعين مثل هذا يدخل عليك وقد أنزل الله تعالى : { والذي تولى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [ النور : 11 ] فقالت : وأي عذاب أشد من العمى ، وجاء في بعض الأخبار أنها قيل لها : أليس الله تعالى يقول : { والذي تولى كِبْرَهُ } الآية ؟ فقالت : أليس أصابه عذاب عظيم أليس قد ذهب بصره وكسع بالسيف ؟ تعني الضربة التي ضربها إياه صفوان حين بلغه عنه أنه يتكلم في ذلك ، فإنه يروى أنه ضربه بالسيف على رأسه لذلك ولأبيات عرض فيها به وبمن أسلم من العرب من مضر وأنشد :

تلق ذباب السيف مني فإنني *** غلام إذا هو جيت لست بشاعر

ولكنني أحمى حماي وأتفي *** من الباهت الرأي البرىء والظواهر

وكاد يقتله بتلك الضربة . فقد روي ابن إسحق أنه لما ضربه وثب عليه ثابت بن قيس بن شماس فجمع يديه إلى عنقه بحبل ثم انطلق به إلى دار بني الحرث بن الخزرج فلقيه عبد الله بن رواحة فقال : ما هذا ؟ قال : أما اعجبك ضرب حسان بالسيف والله ما أراد إلا قد قتله فقال له عبد الله : هل علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وبما صنعت ؟ قال : لا والله قال : لقد اجترأت اطلق الرجل فاطلقه فاتوا رسول الله عليه الصلاة والسلام فذكروا ذلك له فدعا حسان . وصفوات فقال صفوات : يا رسول الله ءاذاني وهجاني فاحتملني الغضب فضربته فقال صلى الله عليه وسلم : يا حسان اتشوهت على قومي بعد أن هداهم الله تعالى للإسلام ثم قال : احسن يا حسان في الذي أصابك فقال : هي لك يا رسول الله فعوضه رسول الله صلى الله عليه وسلم منها بيرحاء وكان طلحة بن سهل أعطاها إياه عليه الصلاة والسلام ووهبه أيضاً سيرين أمة قبطية فولدت له عبد الرحمن بن حسان .

وفي رواية في «صحيح البخاري » عن عائشة أيضاً رضي الله تعالى عنها أنها قالت في { الذي تولى * كِبْرَهُ مِنْهُمْ } هو أي المنافق ابن أبي . وحمنة ، وقيل : هو . وحسان . ومسطح ، وعذاب المنافق الطرد وظهور نفاقه وعذاب الأخيرين بذهاب البصر ، ولا يأبى إرادة المتعدد إفراد الموصول لما في الكشف من أن { الذي } يكون جمعاً وأفراد ضميره جائز باعتبار إرادة الجمع أو الفوج أو الفريق أو نظراً إلى أن صورته صورة المفرد ، وقد جاء أفراده في قوله تعالى : { والذي جَاء بالصدق وَصَدَّقَ بِهِ } [ الزمر : 33 ] وجمعه في قوله سبحانه { وَخُضْتُمْ كالذي خَاضُواْ } [ التوبة : 69 ] والمشهور جواز استعمال { الذي } جمعا مطلقا . واشترط ابن مالك في التسهيل أن يراد به الجنس لا جمع مخصوص فإن أريد الخصوص قصر على الضرورة ، هذا ولا يخفى أن إرادة الجمع هنا لا تخلو عن بعد ، والذي اختاره إرادة الواحد وأن ذلك الواحد هو عدو الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ابن أبي ، وقد روى ذلك الزهري عن سعيد بن المسيب . وعروة بن الزبير . وعلقمة بن وقاص وعبد الله بن عتبة وكلهم سمع عائشة تقول { الذي تولى * كِبْرَهُ } عبد الله بن أبي ، وقد تظافرت روايات كثيرة على ذلك ، والذاهبون إليه من المفسرين أكثر من الذاهبين منهم إلى غيره . ومن الافك الناشىء من النصب قول هشام بن عبد الملك عليه من الله تعالى ما يستحق حين سئل الزهري عن { الذي تولى كِبْرَهُ } فقال له : هو ابن أبي كذبت هو علي يعني به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه وقد روي ذلك عن هشام البخاري . والطبراني . وابن مردويه . والبيهقي في الدلائل ، ولا بدع من أموي الافتراء على أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه ورضي عنه . وأنت تعلم أن قصارى ما روي عن الأمير رضي الله تعالى عنه أنه قال لأخيه وابن عمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استشاره يا رسول الله لم يضيق الله تعالى عليك والنساء سواها كثير وإن تسأل الجارية تصدقك .

وفي رواية أنه قال : يا رسول الله قد قال الناس وقد حل لك طلاقها ، وفي رواية أنه رضي الله تعالى عنه ضرب بريرة وقال : اصدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس في ذلك شيء مما يصلح مستنداً لذلك الأموي الناصبي .

وجل غرض الأمير مما ذكر أن يسرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو فيه من الغم غاية ما في الباب أنه لم يسلك في ذلك مسلك أسامة وهو أمر غير متعين ، ومن دقق النظر عرف مغزى الأمير كرم الله تعالى وجهه وأنه بعيد عما يزعمه النواصب بعد ما بين المشرق والمغرب فليتدبر .

ومن باب الإشارة :وفي قوله تعالى : { لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } [ النور : 11 ] إشارة إلى أنه لا ينبغي لمن يشنع عليه المنكرون من المشايخ أن يحزن من ذلك ويظنه شراً له فإنه خير له موجب لترقيه .