اعلم أنه تعالى ذكر مثلين : أحدهما : في بيان أن دلائل الإيمان في غاية الظهور الثاني : في بيان أن أديان الكفرة في نهاية الظلمة والخفاء .
أما المثل الأول فهو قوله تعالى : { الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله لكل شيء عليم } .
اعلم أن الكلام في هذه الآية مرتب على فصول :
الفصل الأول : في إطلاق اسم النور على الله تعالى
اعلم أن لفظ النور موضوع في اللغة لهذه الكيفية الفائضة من الشمس والقمر والنار على الأرض والجدران وغيرهما ، وهذه الكيفية يستحيل أن تكون إلها لوجوه . أحدها : أن هذه الكيفية إن كانت عبارة عن الجسم كان الدليل الدال على حدوث الجسم دالا على حدوثها ، وإن كانت عرضا فمتى ثبت حدوث جميع الأعراض القائمة به ولكن هذه المقدمة إنما تثبت بعد إقامة الدلالة على أن الحلول على الله تعالى محال . وثانيها : أنا سواء قلنا النور جسم أو أمر حال في الجسم فهو منقسم ، لأنه إن كان جسما فلا شك في أنه منقسم ، وإن كان حالا فيه ، فالحال في المنقسم منقسم ، وعلى التقديرين فالنور منقسم وكل منقسم فإنه يفتقر في تحققه إلى تحقق أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره ، وكل مفتقر فهو في تحققه مفتقر إلى غيره ، والمفتقر إلى الغير ممكن لذاته محدث بغيره ، فالنور محدث فلا يكون إلها . وثالثها : أن هذا النور المحسوس لو كان هو الله لوجب أن لا يزول هذا النور لامتناع الزوال على الله تعالى . ورابعها : أن هذا النور المحسوس يقع بطلوع الشمس والكواكب . وذلك على الله محال . وخامسها : أن هذه الأنوار لو كانت أزلية لكانت إما أن تكون متحركة أو ساكنة ، لا جائز أن تكون متحركة لأن الحركة معناها الانتقال من مكان إلى مكان فالحركة مسبوقة بالحصول في المكان الأول . والأزلي يمتنع أن يكون مسبوقا بالغير فالحركة الأزلية محال . ولا جائز أن تكون ساكنة لأن السكون لو كان أزليا لكان ممتنع الزوال لكن السكون جائز الزوال ، لأنا نرى الأنوار تنتقل من مكان إلى مكان فدل ذلك على حدوث الأنوار . وسادسها : أن النور إما أن يكون جسما أو كيفية قائمة بالجسم ، والأول محال لأنا قد نعقل الجسم جسما مع الذهول عن كونه نيرا ولأن الجسم قد يستنير بعد أن كان مظلما فثبت الثاني لكن الكيفية القائمة بالجسم محتاجة إلى الجسم ، والمحتاج إلى الغير لا يكون إلها ، وبمجموع هذه الدلائل يبطل قول المانوية الذين يعتقدون أن الإله سبحانه هو النور الأعظم . وأما المجسمة المعترفون بصحة القرآن فيحتج على فساد قولهم بوجهين : الأول : قوله : { ليس كمثله شيء } ولو كان نورا لبطل ذلك لأن الأنوار كلها متماثلة . الثاني : أن قوله تعالى : { مثل نوره } صريح في أنه ليس ذاته نفس النور بل النور مضاف إليه . وكذا قوله : { يهدي الله لنوره من يشاء } فإن قيل قوله : { الله نور السماوات } يقتضي ظاهره أنه في ذاته نور .
وقوله : { مثل نوره } يقتضي أن لا يكون هو في ذاته نورا وبينهما تناقض ، قلنا نظير هذه الآية قولك زيد كرم وجود ، ثم تقول ينعش الناس بكرمه وجوده ، وعلى هذا الطريق لا تناقض . الثالث : قوله سبحانه وتعالى : { وجعل الظلمات والنور } وذلك صريح في أن ماهية النور مجعولة لله تعالى فيستحيل أن يكون الإله نورا ، فثبت أنه لابد من التأويل ، والعلماء ذكروا فيه وجوها . أحدها : أن النور سبب للظهور والهداية لما شاركت النور في هذا النور في هذا المعنى صح إطلاق اسم النور على الهداية وهو كقوله تعالى : { الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور } .
وقوله : { أفمن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا } وقال : { ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا } فقوله : { الله نور السماوات والأرض } أي ذو نور السماوات والأرض والنور هو الهداية ولا تحصل إلا لأهل السماوات ، والحاصل أن المراد الله هادي أهل السماوات والأرض وهو قول ابن عباس والأكثرين رضي الله عنهم . وثانيها : المراد أنه مدبر السماوات والأرض بحكمة بالغة وحجة نيرة فوصف نفسه بذلك كما يوصف الرئيس العالم بأنه نور البلد ، فإنه إذا كان مدبرهم تدبيرا حسنا فهو لهم كالنور الذي يهتدى به إلى مسالك الطرق ، قال جرير :
وأنت لنا نور وغيث وعصمة *** . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهذا اختيار الأصم والزجاج . وثالثها : المراد ناظم السماوات والأرض على الترتيب الأحسن فإنه قد يعبر بالنور على النظام ، يقال ما أرى لهذا الأمر نورا . ورابعها : معناه منور السماوات والأرض ثم ذكروا في هذا القول ثلاثة أوجه : أحدها : أنه منور السماء بالملائكة والأرض بالأنبياء . والثاني : منورها بالشمس والقمر والكواكب . والثالث : أنه زين السماء بالشمس والقمر والكواكب وزين الأرض بالأنبياء والعلماء ، وهو مروي عن أبي بن كعب والحسن وأبي العالية والأقرب هو القول الأول لأن قوله في آخر الآية : { يهدي الله لنوره من يشاء } يدل على أن المراد بالنور الهداية إلى العلم والعمل . واعلم أن الشيخ الغزالي رحمه الله صنف في تفسير هذه الآية الكتاب المسمى بمشكاة الأنوار ، وزعم أن الله نور في الحقيقة بل ليس النور إلا هو ، وأنا أنقل محصل ما ذكره مع زوائد كثيرة تقوي كلامه ثم ننظر في صحته وفساده على سبيل الإنصاف فقال : اسم النور إنما وضع للكيفية الفائضة من الشمس والقمر والنار على ظواهر هذه الأجسام الكثيفة ، فيقال استنارت الأرض ووقع نور الشمس على الثوب ونور السراج على الحائط ، ومعلوم أن هذه الكيفية إنما اختصت بالفضيلة والشرف لأن المرئيات تصير بسببها ظاهرة منجلية ، ثم من المعلوم أنه كما يتوقف إدراك هذه المرئيات على كونها مستنيرة فكذا يتوقف على وجود العين الباصرة إذ المرئيات بعد استنارتها لا تكون ظاهرة في حق العميان فقد ساوى الروح الباصرة النور الظاهرة في كونه ركنا لابد منه للظهور ، ثم يرجح عليه في أن الروح الباصرة هي المدركة وبها الإدراك ، وأما النور الخارج فليس بمدرك ولا به الإدراك بل عنده الإدراك ، فكان وصف الإظهار بالنور الباصر أحق منه بالنور المبصر فلا جرم أطلقوا اسم النور على نور العين المبصرة فقالوا في الخفاش إن نور عينه ضعيف ، وفي الأعمش إنه ضعف نور بصره .
وفي الأعمى إنه فقد نور البصر . إذا ثبت هذا فنقول إن للإنسان بصرا وبصيرة فالبصر هو العين الظاهرة المدركة للأضواء والألوان ، والبصيرة هي القوة العاقلة وكل واحد من الإدراكين يقتضي ظهور المدرك ، فكل واحد من الإدراكين نور إلا أنهم عددوا لنور العين عيوبا لم يحصل شيء منها في نور العقلي ، والغزالي رحمه الله ذكر منها سبعة ، ونحن جعلناها عشرين الأول : أن القوة الباصرة لا تدرك نفسها ولا تدرك إدراكها ولا تدرك آلتها ، أما أنها لا تدرك نفسها ولا تدرك إدراكها فلأن القوة الباصرة وإدراك القوة الباصرة ليسا من الأمور المبصرة بالعين الباصرة ، وأما آلتها فهي العين ، والقوة الباصرة بالعين لا تدرك العين ، وأما القوة العاقلة فإنها تدرك نفسها وتدرك إدراكها وتدرك آلتها في الإدراك وهي القلب والدماغ ، فثبت أن نور العقل أكمل من نور البصر . الثاني : أن القوة الباصرة لا تدرك الكليات والقوة العاقلة تدركها ، ومدرك الكليات وهو القلب أشرف من مدرك الجزئيات ، أما أن القوة الباصرة لا تدرك الكليات فلأن القوة الباصرة لو أدركت كل ما في الوجود فهي ما أدركت الكل لأن الكل عبارة عن كل ما يمكن دخوله في الوجود في الماضي والحاضر والمستقبل ، وأما أن القوة العاقلة تدرك الكليات فلأنا نعرف أن الأشخاص الإنسانية مشتركة في الإنسانية ومتمايزة بخصوصياتها ، وما به المشاركة غير ما به الممايزة ، فالإنسانية من حيث هي إنسانية أمر مغاير لهذه المشخصات فقد عقلنا الماهية الكلية ، وأما أن إدراك الكليات أشرف فلأن إدراك الكليات ممتنع التغير ، وإدراك الجزئيات واجب التغير ، ولأن إدراك الكلي يتضمن إدراك الجزئيات الواقعة تحته ، لأن ما ثبت للماهية ثبت لجميع أفرادها ولا ينعكس ، فثبت أن الإدراك العقلي أشرف . الثالث : الإدراك الحسي غير منتج والإدراك العقلي منتج فوجب أن يكون العقل أشرف ، أما كون الإدراك الحسي غير منتج فلأن من أحس بشيء لا يكون ذلك الإحساس سببا لحصول إحساس آخر له ، بل لو استعمل له الحس مرة أخرى لأحس به مرة أخرى ولكن ذلك لا يكون إنتاج الإحساس لإحساس آخر ، وأما أن الإدراك العقلي منتج فلأنا إذا عقلنا أمورا ثم ركبناها في عقولنا توسلنا بتركيبها إلى اكتساب علوم أخرى ، وهكذا كل تعقل حاصل فإنه يمكن التوسل به إلى تحصيل تعقل آخر إلى ما لا نهاية له ، فثبت أن الإدراك العقلي أشرف . الرابع : الإدراك الحسي لا يتسع للأمور الكثيرة والإدراك العقلي ، يتسع لها فوجب أن يكون الإدراك العقلي أشرف . أما أن الإدراك الحسي لا يتسع لها فلأن البصر إذا توالى عليه ألوان كثيرة عجز عن تمييزها ، فأدرك لونا كأنه حاصل من اختلاط تلك الألوان [ و ] السمع إذا توالت عليه كلمات كثيرة التبست عليه تلك الكلمات ولم يحصل التمييز ، وأما أن الإدراك العقلي متسع لها فلأن كل من كان تحصيله للعلوم أكثر كانت قدرته على كسب الجديد أسهل ، وبالعكس وذلك يوجب الحكم بأن الإدراك العقلي أشرف . الخامس : القوة الحسية إذا أدركت المحسوسات القوية ففي ذلك الوقت تعجز عن إدراك الضعيفة ، فإن من سمع الصوت الشديد ففي تلك الحالة لا يمكنه أن يسمع الصوت الضعيف والقوة العقلية لا يشغلها معقول عن معقول . السادس : القوى الحسية تضعف بعد الأربعين ، وتضعف عند كثرة الأفكار التي هي موجبا لاستيلاء النفس على البدن الذي هو موجب لخراب البدن ، والقوى العقلية تقوى بعد الأربعين وتقوى عند كثرة الأفكار الموجبة لخراب البدن ، فدل ذلك على استغناء القوة العقلية عن هذه الآلات واحتياج القوى الحسية إليها . السابع : القوة الباصرة لا تدرك المرئي مع القرب القريب ولا مع البعد البعيد ، والقوة العقلية لا يختلف حالها بحسب القرب والبعد ، فإنها تترقى إلى ما فوق العرش وتنزل إلى ما تحت الثرى في أقل من لحظة واحدة ، بل تدرك ذات الله وصفاته مع كونه منزها عن القرب والبعد والجهة فكانت القوة العقلية أشرف . الثامن : القوة الحسية لا تدرك من الأشياء إلا ظواهرها فإذا أدركت الإنسان فهي في الحقيقة ما أدركت الإنسان لأنها ما أدركت إلا السطح الظاهر من جسمه ، وإلا اللون القائم بذلك السطح ، وبالاتفاق فليس الإنسان عبارة عن مجرد السطح واللون فالقوة الباصرة عاجزة عن النفوذ في الباطن ، أما القوة العاقلة فإن باطن الأشياء وظاهرها بالنسبة إليها على السواء فإنها تدرك البواطن والظواهر وتغوص فيها وفي أجزائها ، فكانت القوة العاقلة نورا بالنسبة إلى الباطن والظاهر ، أما القوة الباصرة فهي بالنسبة إلى الظاهر نور وبالنسبة إلى الباطن ظلمة ، فكانت القوة العاقلة أشرف من القوة الباصرة . التاسع : أن مدرك القوة العاقلة هو الله تعالى وجميع أفعاله ، ومدرك القوة الباصرة هو الألوان والأشكال ، فوجب أن تكون نسبة شرف القوة العاقلة إلى شرف القوة الباصرة كنسبة شرف ذات الله تعالى إلى شرف الألوان والأشكال . العاشر : القوة العاقلة تدرك جميع الموجودات والمعدومات والماهيات التي هي معروضات الموجودات والمعدومات ، ولذلك فإن أول حكمه أن الوجود والعدم لا يجتمعان ولا يرتفعان ، وذلك مسبوق لا محالة بتصور مسمى الوجود ومسمى العدم فكأنه بهذين التصورين قد أحاط بجميع الأمور من بعض الوجوه .
وأما القوة الباصرة فإنها لا تدرك إلا الأضواء والألوان وهما من أخس عوارض الأجسام والأجسام أخس من الجواهر الروحانية ، فكان متعلق القوة الباصرة أخس الموجودات . وأما متعلق القوة العاقلة فهو جميع الموجودات والمعدومات فكانت القوة العاقلة أشرف . الحادي عشر : القوة العاقلة تقوى على توحيد الكثير وتكثير الواحد ، والقوة الباصرة لا تقوى على ذلك . أما أن القوة العاقلة تقوى على توحيد الكثير ، فذاك لأنها تضم الجنس إلى الفصل فيحدث منهما طبيعة نوعية واحدة ، وأما أنها تقوى على تكثير الواحد فلأنها تأخذ الإنسان وهي ماهية واحدة فتقسمها إلى مفهوماتها وإلى عوارضها اللازمة وعوارضها المفارقة ، ثم تقسم مقوماته إلى الجنس وجنس الجنس ، والفصل وفصل الفصل وجنس الفصل وفصل الجنس ، إلى سائر الأجزاء المقومة التي لا تعد من الأجناس ولا من الفصول ، ثم لا تزال تأتي بهذا لتقسيم في كل واحد من هذه الأقسام حتى تنتهي من تلك المركبات إلى البسائط الحقيقية ، ثم تعتبر في العوارض اللازمة أن تلك العوارض مفردة أو مركبة ولازمة بوسائط أو بوسط ، أو بغير وسط ، فالقوة العاقلة كأنها نفذت في أعماق الماهيات وتغلغلت فيها وميزت كل واحد من أجزائها عن صاحبه ، وأنزلت كل واحد منها في المكان اللائق به . فأما القوة الباصرة فلا تطلع على أحوال الماهيات ، بل لا ترى إلا أمرا واحدا ولا تدري ما هو وكيف هو ، فظهر أن القوة العاقلة أشرف . الثاني عشر : القوة العاقلة تقوى على إدراكات غير متناهية ، والقوة الحاسة لا تقوى على ذلك : بيان الأول من وجوه . الأول : القوة العاقلة يمكنها أن تتوصل بالمعارف الحاضرة إلى استنتاج المجهولات ، ثم إنها تجعل تلك النتائج مقدمات في نتائج أخرى لا إلى نهاية ، وقد عرفت أن القوة الحاسة لا تقوى على الاستنتاج أصلا . الثاني : أن القوة العاقلة تقوى على تعقل مراتب الأعداد ولا نهاية لها . الثالث : أن القوة العاقلة يمكنها أن تعقل نفسها ، وأن تعقل أنها عقلت وكذا إلى غير النهاية . الرابع : النسب والإضافات غير متناهية وهي معقولة لا محسوسة فظهر أن القوة العاقلة أشرف . الثالث عشر : الإنسان بقوته العاقلة يشارك الله تعالى في إدراك الحقائق وبقوته الحاسة يشارك البهائم ، والنسبة معتبرة فكانت القوة العاقلة أشرف . الرابع عشر : القوة العاقلة غنية في إدراكها العقلي عن وجود المعقول في الخارج ، والقوة الحاسة محتاجة في إدراكها الحسي إلى وجود المحسوس في الخارج ، والغني أشرف من المحتاج . الخامس عشر : هذه الموجودات الخارجية ممكنة لذواتها وأنها محتاجة إلى الفاعل ، والفاعل لا يمكنه الإيجاد على سبيل الإتقان إلا بعد تقدم العلم ، فإذن وجود هذه الأشياء في الخارج تابع للإدراك العقلي ، وأما الإحساس بها فلا شك أنه تابع لوجودها في الخارج ، فإذن القوة الحساسة تبع لتبع القوة العاقلة . السادس عشر : القوة العاقلة غير محتاجة في العقل إلى الآلات بدليل أن الإنسان لو اختلت حواسه الخمس ، فإنه يعقل أن الواحد نصف الاثنين ، وأن الأشياء المساوية لشيء واحد متساوية .
وأما القوة الحساسة فإنها محتاجة إلى آلات كثيرة ، والغني أفضل من المحتاج ، السابع عشر : الإدراك البصري لا يحصل إلا للشيء الذي في الجهات ، ثم إنه غير متصرف في كل الجهات بل لا يتناول إلا المقابل أو ما هو في حكم المقابل ، واحترزنا بقولنا في حكم المقابل عن أمور أربعة : الأول : العرض فإنه ليس بمقابل لأنه ليس في المكان ، ولكنه في حكم المقابل لأجل كونه قائما بالجسم الذي هو مقابل . الثاني : رؤية الوجه في المرآة ، فإن الشعاع يخرج من العين إلى المرآة ، ثم يرتد منها إلى الوجه فيصير الوجه مرئيا ، وهو من هذا الاعتبار كالمقابل لنفسه . الثالث : رؤية الإنسان قفاه إذا جعل إحدى المرآتين محاذية لوجهه والأخرى لقفاه . والرابع : رؤية ما لا يقابل بسبب انعطاف الشعاع في الرطوبات ما هو مشروح في كتاب المناظر{[11]} وأما القوة العاقلة فإنها مبرأة عن الجهات ، فإنها تعقل الجهة والجهة ليست في الجهة ، ولذلك تعقل أن الشيء إما أن يكون في الجهة ، وإما أن لا يكون في الجهة ، وهذا الترديد لا يصح إلا بعد تعقل معنى قولنا ليس في الجهة . الثامن عشر : القوة الباصرة تعجز عند الحجاب ، وأما القوة العاقلة فإنها لا يحجبها شيء أصلا فكانت أشرف . التاسع عشر : القوة العاملة كالأمير ، والحاسة كالخادم والأمير أشرف من الخادم ، وتقرير [ الفرق بين ] الإمارة والخدمة مشهور . العشرون : القوة الباصرة قد تغلط كثيرا فإنها قد تدرك المتحرك ساكنا وبالعكس ، كالجالس في السفينة ، فإنه قد يدرك السفينة المتحركة ساكنة والشط الساكن متحركا ، ولولا العقل لما تميز خطأ البصر عن صوابه ، والعقل حاكم والحس محكوم ، فثبت بما ذكرنا أن الإدراك العقل أشرف من الإدراك البصري ، وكل واحد من الإدراكين يقتضي الظهور الذي هو أشرف خواص النور ، فكان الإدراك العقلي أولى بكونه نورا من الإدراك البصري ، وإذا ثبت هذا فنقول هذه الأنوار العقلية قسمان : أحدهما : واجب الحصول عند سلامة الأحوال وهي التعقلات الفطرية . والثاني : ما يكون مكتسبا وهي التعقلات النظرية أما الفطرية فليست هي من لوازم جوهر الإنسان لأنه حال الطفولية لم يكن عالما البتة فهذه الأنوار الفطرية إنما حصلت بعد أن لم تكن فلابد لها من سبب وأما النظريات فمعلوم أن الفطرة الإنسانية قد يعتريها الزيغ في الأكثر وإذا كان كذلك فلابد من هاد مرشد ولا مرشد فوق كلام الله تعالى وفوق إرشاد الأنبياء ، فتكون منزلة آيات القرآن عند عين العقل بمنزلة نور الشمس عند العين الباصرة إذ به يتم الإبصار ، فبالحري أن يسمى القرآن نورا كما يسمى نور الشمس نورا ، فنور القرآن يشبه نور الشمس ونور العقل يشبه نور العين وبهذا يظهر معنى قوله : { فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا } وقوله : { قد جاءكم برهان من ربكم } { وأنزلنا إليكم نورا مبينا } وإذا ثبت أن بيان الرسول أقوى من نور الشمس وجب أن تكون نفسه القدسية أعظم في النورانية من الشمس ، وكما أن الشمس في عالم الأجسام تفيد النور لغيره ولا تستفيده من غيره فكذا نفس النبي صلى الله عليه وسلم تفيد الأنوار العقلية لسائر الأنفس البشرية ، ولا تستفيد الأنوار العقلية من شيء من الأنفس البشرية ، فلذلك وصف الله تعالى الشمس بأنها سراج حيث قال : { وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا } ووصف محمدا صلى الله عليه وسلم بأنه سراج منير ، إذا عرفت هذا فنقول ثبت بالشواهد العقلية والنقلية أن الأنوار الحاصلة في أرواح الأنبياء مقتبسة من الأنوار الحاصلة في أرواح الملائكة قال تعالى : { ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده } وقال : { نزل به الروح الأمين على قلبك } وقال : { قل نزله روح القدس من ربك بالحق } وقال تعالى : { إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى } والوحي لا يكون إلا بواسطة الملائكة فإذا جعلنا أرواح الأنبياء أعظم استنارة من الشمس فأرواح الملائكة التي هي كالمعادن لأنوار عقول الأنبياء لابد وأن تكون أعظم من أنوار أرواح الأنبياء ، لأن السبب لابد وأن يكون أقوى من المسبب . ثم نقول ثبت أيضا بالشواهد العقلية والنقلية أن الأرواح السماوية مختلفة فبعضها مستفيدة وبعضها مفيدة ، قال تعالى في وصف جبريل عليه السلام : { مطاع ثم أمين } وإذا كان هو مطاع الملائكة فالمطيعون لابد وأن يكونوا تحت أمره وقال : { وما منا إلا له مقام معلوم } وإذا ثبت هذا فالمفيد أولى بأن يكون نورا من المستفيد للعلة المذكورة ولمراتب الأنوار في عالم الأرواح مثال وهو أن ضوء الشمس إذا وصل إلى القمر ثم دخل في كوة بيت ووقع على مرآة منصوبة على حائط ثم انعكس منها إلى حائط آخر نصب عليه مرآة أخرى ثم انعكس منها إلى طست مملوء من الماء موضوع على الأرض انعكس منه إلى سقف البيت فالنور الأعظم في الشمس التي هي المعدن ، وثانيا في القمر ، وثالثا ما وصل إلى المرآة الأولى ، ورابعا ما وصل إلى المرآة الثانية ، وخامسا ما وصل إلى الماء ، وسادسا ما وصل إلى السقف ، وكل ما كان أقرب إلى المنبع الأول فإنه أقوى مما هو أبعد منه فكذا الأنوار السماوية لما كانت مرتبة لا جرم كان نور المفيد أشد إشراقا من نور المستفيد ، ثم تلك الأنوار لا تزال تكون مترقية حتى تنتهي إلى النور الأعظم والروح الذي هو أعظم الأرواح منزلة عند الله الذي هو المراد من قوله سبحانه : { يوم يقوم الروح والملائكة صفا } ثم نقول لا شك أن هذه الأنوار الحسية إن كانت سفلية كانت كأنوار النيران أو علوية كانت كأنوار الشمس والقمر والكواكب ، وكذا الأنوار العقلية سفلية كانت كالأرواح السفلية التي للأنبياء والأولياء أو علوية كالأرواح العلوية التي هي الملائكة ، فإنها بأسرها ممكنة لذواتها والممكن لذاته يستحق العدم من ذاته والوجود من غيره ، والعدم هو الظلمة الحاصلة والوجود هو النور ، فكل ما سوى الله مظلم لذاته مستنير بإنارة الله تعالى وكذا جميع معارفها بعد وجودها حاصل من وجود الله تعالى ، فالحق سبحانه هو الذي أظهرها بالوجود بعد أن كانت في ظلمات العدم وأفاض عليها أنوار المعارف بعد أن كانت في ظلمات الجهالة ، فلا ظهور لشيء من الأشياء إلا بإظهاره ، وخاصة النور إعطاء الإظهار والتجلي والانكشاف ، وعند هذا يظهر أن النور المطلق هو الله سبحانه وأن إطلاق النور على غيره مجاز إذ كل ما سوى الله ، فإنه من حيث هو هو ظلمة محضة لأنه من حيث إنه هو عدم محض ، بل الأنوار إذا نظرنا إليها من حيث هي هي فهي ظلمات ، لأنها من حيث هي هي ممكنات ، والممكن من حيث هو هو معدوم ، والمعدوم مظلم . فالنور إذا نظر إليه من حيث هو هو ظلمة ، فأما إذا التفت إليها من حيث أن الحق سبحانه أفاض عليها نور الوجود فبهذا الاعتبار صارت أنوارا . فثبت أنه سبحانه هو النور . وأن كل ما سواه فليس بنور إلا على سبيل المجاز . ثم إنه رحمه الله تكلم بعد هذا في أمرين : الأول : أنه سبحانه لم أضاف النور إلى السماوات والأرض ؟ وأجاب فقال قد عرفت أن السماوات والأرض مشحونة بالأنوار العقلية والأنوار الحسية ، أما الحسية فما يشاهد في السماوات من الكواكب والشمس والقمر وما يشاهد في الأرض من الأشعة المنبسطة على سطوح الأجسام حتى ظهرت به الألوان المختلفة ، ولولاها لم يكن للألوان ظهور بل وجود ، وأما الأنوار العقلية فالعالم الأعلى مشحون بها وهي جواهر الملائكة والعالم الأسفل مشحون بها وهي القوى النباتية والحيوانية والإنسانية وبالنور الإنساني السفلي ظهر نظام عالم السفل كما بالنور الملكي ظهر نظام عالم العلو ، وهو المعنى بقوله تعالى : { ليستخلفنهم في الأرض } وقال : { ويجعلكم خلفاء الأرض } فإذا عرفت هذا عرفت أن العالم بأسره مشحون بالأنوار الظاهرة البصرية والباطنية العقلية ، ثم عرفت أن السفلية فائضة بعضها من بعض فيضان النور من السراج فإن السراج هو الروح النبوي ، ثم إن الأنوار النبوية القدسية مقتبسة من الأرواح العلوية اقتباس السراج من النور ، وأن العلويات مقتبسة بعضها من بعض وأن بينها ترتيبا في المقامات ، ثم ترتقي جملتها إلى نور الأنوار ومعدنها ومنبعها الأول ، وأن ذلك هو الله وحده لا شريك له ، فإذن الكل نوره فلهذا قال : { الله نور السماوات والأرض } .
السؤال الثاني : فإذا كان الله النور فلم احتيج في إثباته إلى البرهان ؟ أجاب فقال إن معنى كونه نور السماوات والأرض معروف بالنسبة إلى النور الظاهر البصري ، فإذا رأيت خضرة الربيع في ضياء النهار فلست تشك في أنك ترى الألوان فربما ظننت أنك لا ترى مع الألوان غيرها ، فإنك تقول لست أرى مع الخضرة غير الخضرة إلا أنك عند غروب الشمس تدرك تفرقة ضرورية بين اللون حال وقوع الضوء عليه وعدم وقوعه عليه ، فلا جرم تعرف أن النور معنى غير اللون يدرك مع الألوان إلا أنه كان لشدة اتحاده به لا يدرك ولشدة ظهوره يختفي وقد يكون الظهور سبب الخفاء ، إذا عرفت هذا فاعلم أنه كما ظهر كل شيء للبصر بالنور الظاهر فقد ظهر كل شيء للبصيرة الباطنة بالله ونوره حاصل مع كل شيء لا يفارقه ، ولكن بقي ههنا تفاوت وهو أن النور الظاهر يتصور أن يغيب بغروب الشمس ، ويحجب فحينئذ يظهر أنه غير اللون ، وأما النور الإلهي الذي به يظهر كل شيء لا يتصور غيبته بل يستحيل تغيره فيبقى مع الأشياء دائما ، فانقطع طريق الاستدلال بالتفرقة ، ولو تصورت غيبته لانهدمت السماوات والأرض ولأدرك عنده من التفرقة ما يحصل العلم الضروري به ، ولكن لما تساوت الأشياء كلها على نمط واحد في الشهادة على وجود خالقها ، وأن كل شيء يسبح بحمده لا بعض الأشياء ، وفي جميع الأوقات لا في بعض الأوقات ارتفعت التفرقة وخفي الطريق ، إذ الطريق الظاهر معرفة الأشياء بالأضداد فما لا ضد له ولا تغير له بتشابه أحواله ، فلا يبعد أن يخفي ويكون خفاؤه لشدة ظهوره وجلائه ، فسبحان من اختفي عن الخلق لشدة ظهوره واحتجب عنهم بإشراق نوره ، واعلم أن هذا الكلام الذي رويناه عن الشيخ الغزالي رحمه الله كلام مستطاب ولكن يرجع حاصله بعد التحقيق إلى أن معنى كونه سبحانه نورا أنه خالق للعالم وأنه خالق للقوى الدراكة ، وهو المعنى من قولنا معنى كونه نور السماوات والأرض أنه هادي أهل السماوات والأرض ، فلا تفاوت بين ما قاله وبين الذي نقلناه عن المفسرين في المعنى ، والله أعلم .
الفصل الثاني : في تفسير قوله عليه الصلاة والسلام : «إن لله سبعين حجابا من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل ما أدرك بصره » وفي بعض الروايات سبعمائة وفي بعضها سبعون ألفا ، فأقول : لما ثبت أن الله سبحانه وتعالى متجل في ذاته لذاته كان الحجاب بالإضافة إلى المحجوب لا محالة والمحجوب لابد وأن يكون محجوبا ، إما بحجاب مركب من نور وظلمة ، وإما بحجاب مركب من نور فقط ، أو بحجاب مركب من ظلمة فقط ، أما المحجوبون بالظلمة المحضة فهم الذين بلغوا في الاشتغال بالعلائق البدنية إلى حيث لم يلتفت خاطرهم إلى أنه هل يمكن الاستدلال بوجود هذه المحسوسات على وجود واجب الوجود أم لا ؟ وذلك لأنك قد عرفت أن ما سوى الله تعالى من حيث هو هو مظلم ، وإنما كان مستنيرا من حيث استفاد النور من حضرة الله تعالى ، فمن اشتغل بالجسمانيات من حيث هي هي وصار ذلك الاشتغال حائلا له عن الالتفات إلى جانب النور كان حجابه محض الظلمة ، ولما كانت أنواع الاشتغال بالعلائق البدنية خارجة عن الحد والحصر فكذا أنواع الحجب الظلمانية خارجة عن الحد والحصر .
القسم الثاني : المحجوبون بالحجب الممزوجة من النور والظلمة .
اعلم أن من نظر إلى هذه المحسوسات فإما أن يعتقد فيها أنها غنية عن المؤثر ، أو يعتقد فيها أنها محتاجة ، فإن اعتقد أنها غنية فهذا حجاب ممزوج من نور وظلمة أما النور : فلأنه تصور ماهية الاستغناء عن الغير ، وذلك من صفات جلال الله تعالى وهو من صفات النور وأما الظلمة : فلأنه اعتقد حصول ذلك الوصف في هذه الأجسام مع أن ذلك الوصف لا يليق بهذا الوصف وهذا ظلمة ، فثبت أن هذا حجاب ممزوج من نور وظلمة ، ثم أصناف هذا القسم كثيرة ، فإن من الناس من يعتقد أن الممكن غني عن المؤثر ، ومنهم من يسلم ذلك لكنه يقول المؤثر فيها طبائعها أو حركاتها أو اجتماعها وافتراقها أو نسبتها إلى حركات الأفلاك أو إلى محركاتها وكل هؤلاء من هذا القسم .
القسم الثالث : الحجب النورانية المحصنة
واعلم أنه لا سبيل إلى معرفة الحق سبحانه إلا بواسطة تلك الصفات السلبية والإضافية ولا نهاية لهذه الصفات ولمراتبها ، فالعبد لا يزال يكون مترقيا فيها فإن وصل إلى درجة وبقي فيها كان استغراقه في مشاهدة تلك الدرجة حجابا له عن الترقي إلى ما فوقها ، ولما كان لا نهاية لهذه الدرجات كان العبد أبدا في السير والانتقال ، وأما حقيقته المخصوصة فهي محتجبة عن الكل فقد أشرنا إلى كيفية مراتب الحجب ، وأنت تعرف أنه عليه الصلاة والسلام إنما حصرها في سبعين ألفا تقريبا لا تحديدا فإنها لا نهاية لها في الحقيقة .
الفصل الثالث : في شرح كيفية التمثيل
اعلم أنه لابد في التشبيه من أمرين : المشبه والمشبه به ، واختلف الناس ههنا في أن المشبه أي شي هو ؟ وذكروا وجوها . أحدها : وهو قول جمهور المتكلمين ونصره القاضي أن المراد من الهدى التي هي الآيات البينات ، والمعنى أن هداية الله تعالى قد بلغت في الظهور والجلاء إلى أقصى الغايات وصارت في ذلك بمنزلة المشكاة التي تكون فيها زجاجة صافية . وفي الزجاجة مصباح يتقد بزيت بلغ النهاية في الصفاء ، فإن قيل لم شبهه بذلك وقد علمنا أن ضوء الشمس أبلغ من ذلك بكثير ، قلنا إنه سبحانه أراد أن يصف الضوء الكامل الذي يلوح وسط الظلمة لأن الغالب على أوهام الخلق وخيالاتهم إنما هو الشبهات التي هي كالظلمات وهداية الله تعالى فيما بينها كالضوء الكامل الذي يظهر فيما بين الظلمات ، وهذا المقصود لا يحصل من ضوء الشمس لأن ضوءها إذا ظهر امتلأ العالم من النور الخالص ، وإذا غاب امتلأ العالم من الظلمة الخالصة فلا جرم كان ذلك المثل ههنا أليق وأوفق ، واعلم أن الأمور التي اعتبرها الله تعالى في هذا المثال مما توجب كمال الضوء . فأولها : المصباح لأن المصباح إذا لم يكن في المشكاة تفرقت أشعته ، أما إذا وضع في المشكاة اجتمعت أشعته فكانت أكثر إنارة ، والذي يحقق ذلك أن المصباح إذا كان في بيت صغير فإنه يظهر من ضوئه أكثر مما يظهر في البيت الكبير . وثانيها : أن المصباح إذا كان في زجاجة صافية فإن الأشعة المنفصلة عن المصباح تنعكس من بعض جوانب الزجاجة إلى البعض لما في الزجاجة من الصفاء والشفافية وبسبب ذلك يزداد الضوء والنور ، والذي يحقق ذلك أن شعاع الشمس إذا وقع على الزجاجة الصافية تضاعف الضوء الظاهر حتى أنه يظهر فيما يقابله مثل ذلك الضوء ، فإن انعكست تلك الأشعة من كل واحد من جوانب الزجاجة إلى الجانب الآخر كثرت الأنوار والأضواء وبلغت النهاية الممكنة . وثالثها : أن ضوء المصباح يختلف بحسب اختلاف ما يتقد به ، فإذا كان ذلك الدهن صافيا خالصا كانت حالته بخلاف حالته إذا كان كدرا وليس في الأدهان التي توقد ما يظهر فيه من الصفاء مثل الذي يظهر في الزيت فربما يبلغ في الصفاء والرقة مبلغ الماء مع زيادة بياض فيه وشعاع يتردد في أجزائه . ورابعها : أن هذا الزيت يختلف بحسب اختلاف شجرته ، فإذا كانت لا شرقية ولا غربية بمعنى أنها كانت بارزة للشمس في كل حالاتها يكون زيتونها أشد نضجا ، فكان زيته أكثر صفاء وأقرب إلى أن يتميز صفوه من كدره لأن زيادة الشمس تؤثر في ذلك ، فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة وتعاونت صار ذلك الضوء خالصا كاملا فيصلح أن يجعل مثلا لهداية الله تعالى . وثانيها : أن المراد من النور في قوله : { مثل نوره } القرآن ويدل عليه قوله تعالى :
{ قد جاءكم من الله نور } وهو قول الحسن وسفيان بن عيينة وزيد بن أسلم . وثالثها : أن المراد هو الرسول لأنه المرشد ، ولأنه تعالى قال في وصفه : { وسراجا منيرا } وهو قول عطاء ، وهذان القولان داخلان في القول الأول ، لأن من جملة أنواع الهداية إنزال الكتب وبعثة الرسل . قال تعالى في صفة الكتب : { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان } وقال في صفة الرسل : { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } . ورابعها : أن المراد منه ما في قلب المؤمنين من معرفة الله تعالى ومعرفة الشرائع ، ويدل عليه أن الله تعالى وصف الإيمان بأنه نور والكفر بأنه ظلمة ، فقال : { أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه } وقال تعالى : { ليخرج الناس من الظلمات إلى النور } وحاصله أنه حمل الهدى على الاهتداء ، والمقصود من التمثيل أن إيمان المؤمن قد بلغ في الصفاء عن الشبهات ، والامتياز عن ظلمات الضلالات مبلغ السراج المذكور ، وهو قول أبي ابن كعب وابن عباس ، قال أبي : مثل نور المؤمن ، وهكذا كان يقرأ ، وقيل إنه كان يقرأ : مثل نور من آمن به ، وقال ابن عباس : مثل نوره في قلب المؤمن . وخامسها : ما ذكره الشيخ الغزالي رحمه الله وهو : أنا بينا أن القوى المدركة أنوار ، ومراتب القوى المدركة الإنسانية خمسة أحدها : القوة الحساسة ، وهي التي تتلقى ما تورده الحواس الخمس وكأنها أصل الروح الحيواني ، وأوله إذ به يصير الحيوان حيوانا وهو موجود للصبي الرضيع . وثانيها : القوة الخيالية وهي التي تستثبت ما أورده الحواس وتحفظه مخزونا عندها لتعرضه على القوة العقلية التي فوقها عند الحاجة إليه . وثالثها : القوة العقلية المدركة للحقائق الكلية . ورابعها : القوة الفكرية وهي التي تأخذ المعارف العقلية فتؤلفها تأليفا فتستنتج من تأليفها علما بمجهول . وخامسها : القوة القدسية التي تختص بها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وبعض الأولياء ، وتتجلى فيها لوائح الغيب وأسرار الملكوت وإليه الإشارة بقوله تعالى : { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا } وإذا عرفت هذه القوى فهي بجملتها أنوار ، إذ بها تظهر أصناف الموجودات ، وأن هذه المراتب الخمسة يمكن تشبيهها بالأمور الحسنة التي ذكرها الله تعالى وهي : المشكاة والزجاجة والمصباح والشجرة والزيت . أما الروح الحساس فإذا نظرت إلى خاصيته وجدت أنواره خارجة من عدة أثقب كالعينين والأذنين والمنخرين وأوفق مثال له من عالم الأجسام المشكاة . وأما الثاني : وهو الروح الحيالي فنجد له خواص ثلاثة : الأولى : أنه من طينة العالم السفلي الكثيف لأن الشيء المتخيل ذو قدر وشكل وحيز ، ومن شأن العلائق الجسمانية أن تحجب عن الأنوار العقلية المحضة التي هي التعقلات الكلية المجردة . والثانية : أن هذا الخيال الكثيف إذا صفا ورق وهذب صار موازنا للمعاني العقلية ومؤديا لأنوارها وغير حائل عن إشراق نورها ، ولذلك فإن المعبر يستدل بالصور الخيالية على المعاني العقلية ، كما يستدل بالشمس على الملك ، وبالقمر على الوزير ، وبمن يختم فروج الناس وأفواههم على أنه مؤذن يؤذن قبل الصبح . والثالثة : أن الخيال في بداية الأمر محتاج إليه جدا ليضبط بها المعارف العقلية ولا تضطرب ، فنعم المثالات الخيالية الجالبة للمعارف العقلية ، وأنت لا تجد شيئا في الأجسام يشبه الخيال في هذه الصفات الثلاثة إلا الزجاجة ، فإنها في الأصل من جوهر كثيف ولكن صفا ورق حتى صار لا يحجب نور المصباح بل يؤديه على وجهه ، ثم يحفظه على الانطفاء بالرياح العاصفة . وأما الثالث : وهو القوة العقلية فهي القوية على إدراك الماهيات الكلية والمعارف الإلهية ، فلا يخفى عليك وجه تمثيله بالمصباح ، وقد عرفت هذا حيث بينا كون الأنبياء سرجا منيرة . وأما الرابع : وهو القوة الفكرية فمن خواصها أنها تأخذ ماهية واحدة ، ثم تقسمها إلى قسمين كقولنا الموجود إما واجب وإما ممكن ، ثم تجعل كل قسم مرة أخرى قسمين وهكذا إلى أن تكثر الشعب بالتقسيمات العقلية ، ثم تقضي بالآخرة إلى نتائج وهي ثمراتها ، ثم تعود فتجعل تلك الثمرات بذورا لأمثالها حتى تتأدى إلى ثمرات لا نهاية لها ، فبالحري أن يكون مثاله من هذا العالم الشجرة ، وإذا كانت ثمارها مادة لتزايد أنوار المعارف ونباتها ، فبالحري أن لا يمثل بشجرة السفرجل والتفاح ، بل بشجرة الزيتون خاصة ، لأن لب ثمرتها هو الزيت الذي هو مادة المصابيح ، وله من بين سائر الأدهان خاصية زيادة الإشراق وقلة الدخان ، وإذا كانت الماشية التي يكثر درها ونسلها والشجرة التي تكثر ثمرتها تسمى مباركة فالذي لا يتناهى إلى حد محدود أولى أن يسمى شجرة مباركة ، وإذا كانت شعب الأفكار العقلية المحضة مجردة عن لواحق الأجسام ، فبالحري أن تكون لا شرقية ولا غربية . وأما الخامس : وهو القوة القدسية النبوية فهي في نهاية الشرف والصفاء ، فإن القوة الفكرية تنقسم إلى ما يحتاج إلى تعليم وتنبيه وإلى ما لا يحتاج إليه ، ولابد من وجود هذا القسم قطعا للتسلسل ، فبالحري أن يعبر عن هذا القسم بكماله وصفائه وشدة استعداده بأنه يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ، فهذا المثال موافق لهذا القسم ، ولما كانت هذه الأنوار مرتبة بعضها على بعض فالحس هو الأول وهو كالمقدمة للخيال والخيال كالمقدمة للعقل ، فبالحري أن تكون المشكاة كالظرف للزجاجة التي هي كالظرف للمصباح . وسادسها : ما ذكره أبو علي بن سينا فإنه نزل هذه الأمثلة الخمسة على مراتب إدراكات النفس الإنسانية ، فقال لا شك أن النفس الإنسانية قابلة للمعارف الكلية والإدراكات المجردة ، ثم إنها في أول الأمر تكون خالية عن جميع هذه المعارف فهناك تسمى عقلا هيوليا وهي المشكاة . وفي المرتبة الثانية : يحصل فيها العلوم البديهية التي يمكن التوصل بتركيباتها إلى اكتساب العلوم النظرية ، ثم إن أمكنة الانتقال إن كانت ضعيفة فهي الشجرة ، وإن كانت أقوى من ذلك فهي الزيت ، وإن كانت شديدة القوة جدا فهي الزجاجة التي تكون كأنها الكوكب الدري ، وإن كانت في النهاية القصوى وهي النفس القدسية التي للأنبياء فهي التي يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار . وفي المرتبة الثالثة : يكتسب من العلوم الفطرية الضرورية العلوم النظرية إلا أنها لا تكون حاضرة بالفعل ولكنها تكون بحيث متى شاء صاحبها استحضارها قدر عليه وهذا يسمى عقلا بالفعل وهذا المصباح . وفي المرتبة الرابعة : أن تكون تلك المعارف الضرورية والنظرية حاصلة بالفعل ويكون صاحبها كأنه ينظر إليها وهذا يسمى عقلا مستفادا وهو نور على نور لأن الملكة نور وحصول ما عليه الملكة نور آخر ، ثم زعم أن هذه العلوم التي تحصل في الأرواح البشرية ، إنما تحصل من جوهر روحاني يسمى بالعقل الفعال وهو مدبر ما تحت كرة القمر وهو النار . وسابعها : قول بعض الصوفية هو أنه سبحانه شبه الصدر بالمشكاة والقلب بالزجاجة والمعرفة بالمصباح ، وهذا المصباح إنما توقد من شجرة مباركة وهي إلهامات الملائكة لقوله تعالى :
{ ينزل الملائكة بالروح من أمره } وقوله : { نزل به الروح الأمين على قلبك } وإنما شبه الملائكة بالشجرة المباركة لكثرة منافعهم ، وإنما وصفها بأنها لا شرقية ولا غربية لأنها روحانية وإنما وصفهم بقوله : { يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار } لكثرة علومها وشدة إطلاعها على أسرار ملكوت الله تعالى والظاهر ههنا أن المشبه غير المشبه به . وثامنها : قال مقاتل مثل نوره أي مثل نور الإيمان في قلب محمد صلى الله عليه وسلم كمشكاة فيها مصباح ، فالمشكاة نظير صلب عبد الله والزجاجة نظير جسد محمد صلى الله عليه وسلم والمصباح نظير الإيمان في قلب محمد أو نظير النبوة في قلبه . وتاسعها : قال قوم المشكاة نظير إبراهيم عليه السلام والزجاجة نظير إسماعيل عليه السلام والمصباح نظير جسد محمد صلى الله عليه وسلم والشجرة النبوة والرسالة . وعاشرها : أن قوله مثل نوره يرجع إلى المؤمن وهو قول أبي بن كعب وكان يقرأها مثل نور المؤمن ، وهو قول سعيد بن جبير والضحاك ، واعلم أن القول الأول هو المختار لأنه تعالى ذكر قبل هذه الآية : { ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات } فإذا كان المراد بقوله : { مثل نوره } أي مثل هداه وبيانه كان ذلك مطابقا لما قبله ، ولأن لما فسرنا قوله : { الله نور السماوات والأرض } بأنه هادي أهل السماوات والأرض فإذا فسرنا قوله : { مثل نوره } بأن المراد مثل هداه كان ذلك مطابقا لما قبله .
الفصل الرابع : في بقية المباحث المتعلقة بهذه الآية . وفيه مسائل :
المسألة الأولى : المشكاة الكوة في الجدار غير النافذة ، هذا هو القول المشهور ، وذكروا فيه وجوها أخر : أحدها : قال ابن عباس وأبو موسى الأشعري المشكاة القائم الذي في وسط القنديل الذي يدخل فيه الفتيلة ، وهو قول مجاهد والقرظي . والثاني : قال الزجاج هي ههنا قصبة القنديل من الزجاجة التي توضع فيها الفتيلة . الثالث : قال الضحاك إنها الحلقة التي يعلق بها القنديل والأول هو الأصح .
المسألة الثانية : زعموا أن المشكاة هي الكوة بلغة الحبشة ، قال الزجاج المشكاة من كلام العرب ومثلها المشكاة وهي الدقيق الصغير .
المسألة الثالثة : قال بعضهم هذه الآية من المقلوب ، والتقدير مثل نوره كمصباح في مشكاة لأن المشبه به هو الذي يكون معدنا للنور ومنبعا له وذلك هو المصباح لا المشكاة .
المسألة الرابعة : المصباح السراج وأصله من الضوء ومنه الصبح .
المسألة الخامسة : قرئ { زجاجة } الزجاجة بالضم والفتح والكسر ، أما { دري } فقرئ بضم الدال وكسرها وفتحها ، أما الضم ففيه ثلاثة أوجه : الأول : ضم الدال وتشديد الراء والياء من غير همز وهو القراءة المعروفة ، ومعناه أنه يشبه الدر لصفائه ولمعانه ، وقال عليه الصلاة والسلام : «إنكم لترون أهل الدرجات العلى كما ترون الكوكب الدري في أفق السماء » . الثاني : أنه كذلك إلا أنه بالمد والهمزة وهو قراءة حمزة وعاصم في رواية أبي بكر وصار بعض أهل العربية إلى أنه لحن قال سيبويه وهذا أضعف اللغات وهو مأخوذ من الضوء والتلألؤ وليس بمنسوب إلى الدر ، قال أبو علي وجه هذه القراءة أنه فعيل من الدرء بمعنى الدفع وأنه صفة وأنه في الصفة مثل المرئ في الاسم . والثالث : ضم الدال وتخفيف الراء والياء من غير مد ولا همز ، أما الكسر ففيه وجهان : الأول : درئ بكسر الدال وتشديد الراء والمد والهمز ، وهي قراءة أبي عمرو والكسائي قال الفراء هو فعيل من الدرء وهو الدفع كالسكير والفسيق فكان ضوأه يدفع بعضه بعضا من لمعانه . الثاني : بكسر الدال وتشديد الراء من غير همز ولا مد وهي قراءة ابن خليد وعتبة بن حماد عن نافع ، أما الفتح ففيه وجوه أربعة : الأول : بفتح الدال وتشديد الراء والمد والهمز عن الأعمش . الثاني : بفتح الدال وتشديد الراء من غير مد ولا همز عن الحسن ومجاهد وقتادة . الثالث : بفتح الدال وتخفيف الراء مهموزا من غير مد ولا ياء عن عاصم . الرابع : كذلك إلا أنه غير مهموز وبياء خفيفة بدل الهمزة ، أما قوله : { توقد } القراءة المعروفة توقد بالفتحات الأربعة مع تشديد القاف بوزن تفعل وعن الحسن ومجاهد وقتادة كذلك إلا أنه يضم الدال ، وذكر صاحب الكشاف يوقد بفتح الياء المنقوطة من تحت بنقطتين والواو والقاف وتشديدها ورفع الدال قال وحذف التاء لاجتماع حرفين زائدين وهو غريب ، وعن سعيد بن جبير بياء مضمومة وإسكان الواو وفتح القاف مخففة ورفع الدال وعن نافع وحفص كذلك إلا أنه بالتاء ، وعن عاصم بياء مضمومة وفتح الواو وتشديد القاف وفتحها ، وعن أبي عمرو كذلك إلا أنه بالتاء ، وعن طلحة توقد بتاء مضمومة وواو ساكن وكسر القاف وتخفيفها .
المسألة السادسة : قوله : { كأنها كوكب دري } أي ضخم مضيء ودراري النجوم عظامها ، واتفقوا على أن المراد به كوكب من الكواكب المضيئة كالزهرة والمشتري والثوابت التي في العظم الأول .
المسألة السابعة : قوله : { من شجرة مباركة } أي من زيت شجرة مباركة أي كثيرة البركة والنفع ، وقيل هي أول شجرة نبتت بعد الطوفان وقد بارك فيها سبعون نبيا ، منهم الخليل ، وقيل المراد زيتون الشام ، لأنها هي الأرض المباركة فلهذا جعل الله هذه شجرة مباركة .
المسألة الثامنة : اختلفوا في معنى وصف الشجرة بأنها لا شرقية ولا غربية على وجوه . أحدها : قال الحسن إنها شجرة الزيت من الجنة إذ لو كانت من شجر الدنيا لكانت إما شرقية أو غربية وهذا ضعيف لأنه تعالى إنما ضرب المثل بما شاهدوه وهم ما شاهدوا شجرة الجنة . وثانيها : أن المراد شجرة الزيتون في الشام لأن الشام وسط الدنيا فلا يوصف شجرها بأنها شرقية أو غربية وهذا أيضا ضعيف لأن من قال الأرض كرة لم يثبت المشرق والمغرب موضعين معينين بل لكل بلد مشرق ومغرب على حدة ، ولأن المثل مضروب لكل من يعرف الزيت ، وقد يوجد في غير الشام كوجوده فيها . وثالثها : أنها شجرة تلتف بها الأشجار فلا تصيبها الشمس في شرق ولا غرب ، ومنهم من قال هي شجرة يلتف بها ورقها التفافا شديدا فلا تصل الشمس إليها سواء كانت الشمس شرقية أو غربية ، وليس في الشجر ما يورق غصنه من أوله إلى آخره مثل الزيتون والرمان ، وهذا أيضا ضعيف لأن الغرض صفاء الزيت وذلك لا يحصل إلا بكمال نضج الزيتون وذلك إنما يحصل في العادة بوصول أثر الشمس إليه لا بعدم وصوله . ورابعها : قال ابن عباس المراد الشجرة التي تبرز على جبل عال أو صحراء واسعة فتطلع الشمس عليها حالتي الطلوع والغروب ، وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة واختيار الفراء والزجاج ، قالا ومعناه لا شرقية وحدها ولا غربية وحدها ولكنها شرقية وغربية وهو كما يقال فلان لا مسافر ولا مقيم إذا كان يسافر ويقيم ، وهذا القول هو المختار لأن الشجرة متى كانت كذلك كان زيتها في نهاية الصفاء وحينئذ يكون مقصود التمثيل أكمل وأتم . وخامسها : المشكاة صدر محمد صلى الله عليه وسلم والزجاجة قلبه والمصباح ما في قلبه صلى الله عليه وسلم من الدين ، توقد من شجرة مباركة ، يعني { واتبعوا ملة أبيكم إبراهيم } صلوات الله عليه فالشجرة هي إبراهيم عليه السلام ، ثم وصف إبراهيم فقال لا شرقية ولا غربية أي لم يكن يصلي قبل المشرق ولا قبل المغرب كاليهود والنصارى بل كان عليه الصلاة والسلام يصلي إلى الكعبة .
المسألة التاسعة : وصف الله تعالى زيتها بأنه يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار لأن الزيت إذا كان خالصا صافيا ثم رئي من بعيد يرى كأن له شعاعا ، فإذا مسه النار ازداد ضوء على ضوء ، كذلك يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم ، فإذا جاءه العلم ازداد نورا على نور وهدى على هدى ، قال يحيى بن سلام قلب المؤمن يعرف الحق قبل أن يبين له لموافقته له ، وهو المراد من قوله عليه الصلاة والسلام : «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله » وقال كعب الأحبار المراد من الزيت نور محمد صلى الله عليه وسلم أي يكاد نوره يبين للناس قبل أن يتكلم ، وقال الضحاك يكاد محمد صلى الله عليه وسلم يتكلم بالحكمة قبل الوحي ، وقال عبد الله بن رواحة :
لو لم تكن فيه آيات مبينة *** كانت بديهته تنبيك بالخبر
المسألة العاشرة : قوله تعالى : { نور على نور } المراد ترادف هذه الأنوار واجتماعها ، قال أبي بن كعب : المؤمن بين أربع خلال إن أعطي شكر وإن ابتلي صبر وإن قال صدق وإن حكم عدل ، فهو في سائر الناس كالرجل الحي الذي يمشي بين الأموات يتقلب في خمس من النور ، كلامه نور وعمله نور ومدخله نور ومخرجه نور ومصيره إلى النور يوم القيامة ، قال الربيع سألت أبا العالية عن مدخله ومخرجه فقال سره وعلانيته .
المسألة الحادية عشرة : قال الجبائي دلت الآية على أن كل من جهل فمن قبله أتى وإلا فالأدلة واضحة ولو نظروا فيها لعرفوا ، قال أصحابنا هذه الآية صريح مذهبنا فإنه سبحانه بعد أن بين أن هذه الدلائل بلغت في الظهور والوضوح إلى هذا الحد الذي لا يمكن الزيادة عليه ، قال : { يهدي الله لنوره من يشاء } يعني وضوح هذه الدلائل لا يكفي ولا ينفع ما لم يخلق الله الإيمان ولا يمكن أن يكون المراد من قوله : { يهدي الله } إيضاح الأدلة والبيانات لأنا لو حملنا النور على إيضاح الأدلة لم يجز حمل الهدى عليه أيضا ، وإلا لخرج الكلام عن الفائدة ، فلم يبق إلا حمل الهدى ههنا على خلق العلم أجاب أبو مسلم بن بحر عنه من وجهين : الأول : أن قوله : { يهدي الله لنوره من يشاء } محمول على زيادات الهدى الذي هو كالضد للخذلان الحاصل للضال . الثاني : أنه سبحانه يهدي لنوره الذي هو طريق الجنة من يشاء وشبهه بقوله : { يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات } وزيف القاضي عبد الجبار هذين الجوابين أما الأول : فلأن الكلام المتقدم هو في ذكر الآيات المنزلة فإذا حلمناه على الهدى دخل الكل فيه وإذا حملناه على الزيادة لم يدخل فيه إلا البعض ، وإذا حمل على طريق الجنة لا يكون داخلا فيه أصلا إلا من حيث المعنى لا من حيث اللفظ ولما زيف هذين الجوابين ، قال الأولى أن يقال إنه تعالى هدى بذلك البعض دون البعض وهم الذين بلغهم حد التكليف .
واعلم أن هذا الجواب أضعف من الجوابين الأولين ، لأن قوله : { يهدي الله لنوره من يشاء } يفهم منه أن هذه الآيات مع وضوحها لا تكفي ، وهذا لا يتناول الصبي والمجنون فسقط ما قالوه .
المسألة الثانية عشرة : قوله تعالى : { ويضرب الله الأمثال للناس } والمراد للمكلفين من الناس وهو النبي ومن بعث إليه ، فإنه سبحانه ذكر ذلك في معرض النعمة العظيمة ، واستدلت المعتزلة به فقالوا إنما يكون ذلك نعمة عظيمة لو أمكنهم الانتفاع به ، ولو كان الكل بخلق الله تعالى لما تمكنوا من الانتفاع به ، وجوابه ما تقدم ، ثم بين أنه سبحانه { بكل شيء عليم } وذلك كالوعيد لمن لا يعتبر ولا يتفكر في أمثاله ولا ينظر في أدلته فيعرف وضوحها وبعدها عن الشبهات .
المشكاة : الكوّة في الحائط غير نافذ يوضع فيها المصباح .
دريّ : مضيء متلألئ نسبةً إلى الدر .
لا شرقية ولا غريبة : يعني في مكان متوسط ، لا شرقية فتُحرم حرارة الشمس آخر النهار ، ولا غريبة فتحرمها أول النهار .
الآصال : جمع أصيل ، وهو المساء .
الله مصدرُ النور في هذا الكون ، فهو منوِّرُ السماواتِ والأرضِ بكلّ نورٍ حسّي نراه ونسير فيه ، وبكل نورٍ معنويّ كنور الحق والعدل ، والعلم والفضيلة ، والهدى والإيمان . إن مَثَلَ نوره الباهر في الوضوح كمَثَلِ نور مصباح شديد التوهج ، وُضع في فجوة من حائط يشعّ نوره ، وقد وُضع المصباح في زجاجة يتلألأ نورها كالدّر ( والعربُ تسمي النجومَ العظام الدَّراري ) ، ويستمدّ هذا المصباح وقودَه من زيتِ شجرةٍ مباركة طيبة التربة والموقع ، زيتونةٍ مغروسة في مكان معتدل لا يسترها عن الشمس في وقتِ النهار شيء ، فهي لاشرقية ولاغربية ، تصيبها الشمسُ بالغداة والعشي ، يكاد زيت هذه الشجرة لشدة صفائه يضيء ولو لم تمسّه نار المصباح .
{ نُّورٌ على نُورٍ } : نور مترادِف متضاعف تجمَّع فيه نور المشكاة والزجاج والمصباح والزيت ، وفق ذلك كله نورُ رب العالمين بهدْيه الناسَ إلى الصراط المستقيم .
{ يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ } :
وهكذا ، تكون الشواهد المنبثة في هذا الكون ، الحسّيُّ منها والمعنوي ، آياتٍ واضحةً لا تدع مجالاً للشك في وجود الله ، والله يوفق من يشاء إلى الإيمان ، إذا حاول الانتفاعَ بنور عقله . وهو يأتي بالأمثلة المحسوسة ليسهّل على الناس إدراكها ، ولما فيها من الفوائد والنصح والإرشاد . وهو سبحانه واسع العلم ، محيطٌ بكل شيء ، يعطي هدايته من يستحقّها ممن صفَتْ نفوسهم واستعدّوا لتلقي أحكام الدين وآدابه .
قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحفص : { دُرّي } بضم الدال وتشديد الراء بدون همز ، وقرأ أبو عمرو والكسائي : { دِريء } بكسر الدال والهمزة ، وقرأ حمزة وعاصم : { دُرِّيءٌ } بضم الدال وتشديد الراء وبالهمزة المضمومة في آخره .
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : { تَوقَّد }َ بفتح التاء والقاف المشددة وفتح الدال على انه فعل ماض ، وقرأ نافع وابن عامر وحفص والكسائي : { يُوقَدُ } فعل مضارع بضم الياء وفتح القاف وضم الدال فعل مضارع مبني للمجهول كما هو في المصحف ، وقرأ حمزة وأبو بكر : { تُوقدُ } بضم التاء والدال .
{ الله نُورُ السموات والأرض } النور في اللغة على ما قال ابن السكيت الضياء وهذا ظاهر في عدم الفرق بين النور والضياء ، وفرق بينهما جمع وإن كان إطلاق أحدهما على الآخر شائعاً فقال الإمام السهيلي في الروض في قول ورقة
: ويظهر في البلاد ضياء نور *** يقيم به البرية أن يموجا
إنه يوضح معنى النور والضياء وإن الضياء هو المنتشر عن النور والنور هو الأصل ، وفي التنزيل { فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ } [ البقرة : 17 ] { وَهُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَاء والقمر نُوراً } [ يونس : 5 ] لأن نور القمر لا ينتشر عنه ما ينتشر عن الشمس لا سيما في طرفي الشهر ، وقال الفلاسفة : الضياء ما يكون للشيء من ذاته والنور ما يفيض عليه من مقابلة المضىء وعلى هذا جاء فيما زعم إسلاميوهم قوله تعالى : { هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَاء والقمر نُوراً } [ يونس : 5 ] فإن اختلاف تشكلات القمر بالقرب والبعد من الشمس مع خسوفه وقت حيلولة الأرض بينه وبينها دليل على أن نوره فائض عليه من مقابلتها ، وأنت تعلم أن في هذا مقالاً لعلماء الإسلام وقد قدمنا ما فيه في غير هذا المقام ، ولعل الأولى في وجه الفرق ما تقدم آنفاً في كلام السهيلي .
وذكر بعض المحققين أنه يعلم من كلامهم أن لكل من النور والضياء جهة أبلغية فجهة أبلغية النور كونه أصلاً ومبدأ للضياء وجهة أبلغية الضياء أن الإبصار بالفعل بمدخليته . وادعى بعضهم أن النور على الإطلاق أبلغ من الضياء للآية التي نحن فيها ، وفيه بحث يعلم إن شاء الله تعالى أثناء تفسيرها ، واعلم أن الفلاسفة اختلفوا في حقيقة النور فمنهم من زعم أنه أجسام صغار تنفصل عن المضىء وتتصل بالمستضىء وأبطل بعدة أوجه ، الأول : أنه لو كان جسماً متحركاً لكانت حركته طبيعية والحركة الطبيعية إلى جهة واحدة دون سائر الجهات لكن النور يقع على الجسم في كل جهة كانت له ، والثاني : أنه إذا دخل من كوة ثم سددناها دفعة فتلك الأجزاء النورانية إما أن تكون باقية في البيت فيلزم أن يكون البيت مستنيراً كما كان قبل السد وليس كذلك وإما أن تكون خارجة من الكوة قبل انسدادها وهو محال لأن السد كان سبب انقطاعها فلا بد أن يكون سابقاً عليه بالذات أو بالزمان وإما أن تكون غير باقية أصلاً فيلزم أن يكون تخلخل جسم بين جسمين موجباً انعدام أحدهما وهو معلوم الفساد ، والثالث : أن كون تلك الأجسام الصغار أنواراً إما أن يكون هو عين كونها أجساماً وهو باطل لأن المفهوم من النورية مغاير للمفهوم من الجسمية وإما أن يكون مغايراً لها بأن تكون تلك الأجسام حاملة لتلك الكيفية منفصلة من المضيء متصلة بالمستضيء فإن لم تكن تلك الأجسام محسوسة فهو ظاهر البطلان لأنها حينئذ كيف تكون واسطة لإحساس غيرها وإن كانت محسوسة كانت ساترة لما وراءها ويجب أنها كلما ازدادت اجتماعاً ازدادت ستراً لكن الأمر بالعكس فإن النور كلما ازداد قوة ازداد إظهاراً ، والرابع : أن الشمس إذا طلعت من الأفق يستنير وجه الأرض كله دفعه ومن البعيد أن تنتقل تلك الأجزاء من الفلك الرابع إلى وجه الأرض في تلك اللحفظة اللطيفة ، ولا يخفى حاله على القول باستحالة الخرق على الأفلاك ، والخامس : أن انفصال الأجزاء من الأجرام الكوكبية يستلزم الذبول والانتقاص وخلو مواضعها عن تمام مقدارها أو مقدار أجزائها أو كونها دائمة التحليل مع إيراد البدل عما يتحلل عن جرمها فتكون أجسامها أجساماً مستحيلة غذائية فاسدة وذلك محال في الفلكيات .
وتعقبها بعض متأخريهم بأنها في غاية الضعف أما الأول : فلأن كون النور جسماً لا يستلزم كونه متحركاً ولا كون حدوثه بالحركة بل هو مما يوجد دفعة بلا حركة ، وأما الثاني : فلقائل أن يقول : إن قيام المجعول بلا مادة إنما يكون بالفاعل الجاهل إياه مع اشتراط عدم الحجاب المانع عن الإفاضة فإذا طرأ المانع لم تقع الإفاضة فينعدم المفاض بلا مادة باقية عنه لأن وجوده لم يكن بشركة المادة فكذا عدمه فعند انسداد الباب المانع عن الإفاضة ينعدم الشعاع عن البيت دفعة ، ولا فرق في ذلك بين كونه عرضاً أو جوهراً والسر فيهما جميعاً أن النور مطلقاً ليس حصوله من جهة انفعال المادة وشركة الهيولي كسائر الجواهر والاعراض الانفعاليات ولذلك لا ينعدم شيء منها دفعة لو فرض حجاب بنيها وبين المبدأ الفاعلي إلا بعد زمان واستحالة . وأما الذي ذكر ثالثاً فجوابه أن المغايرة في المفهوم لا تنافي الاتحاد والعينية في الوجود فما ذكر مغالطة من باب الاشتباه بين مفهوم الشيء وحقيقته ، وأما المذكور رابعاً وخامساً فلأن مبناه على الانفصال والقطع للمسافة لا على مجرد الجوهرية والجسمية .
هذا وذهب بعضهم إلى أنه عرض من الكيفيات المحسوسة وقالوا : و غني عن التعريف كسائر المحسوسات ، وتعريفه بأنه كمال أول للشفاف من حيث أنه شفاف أو بأنه كيفية لا يتوقف الإبصار بها على الابصار بشيء آخر تعريف بما هو أخفى وكأن المراد به التنبيه على بعض خواصه . ومن هئلاء من قال : إنه نفس ظهور اللون ، ومنهم من قال بمغايرتهما واستدلوا بأوجه ، الأول : أن ظهور اللون إشارة إلى تجدد أمر فهو إما اللون أو صفة نسبية أو غير نسبية والأول باطل لأن النور إما أن يجعل عبارة عن تجدد اللون أو اللون المتجدد ، والأول : يقتضي أن لا يكون مستنيراً إلا في آن تجدده ، والثاني : يوجب كون الضوء نفس اللون فلا يبقى لقولهم : الضور هو ظهور اللون معنى ، وإن جعلوا الضوء كيفية ثبوتية زائدة على ذات اللون وسموه بالظهور فذلك نزاع لفظي ، وإن زعموا أن ذلك الظهور تجدد حالة نسبية فهو باطل لأن الضوء أمر غير نسبي وإلا لكان أمراً عقلياً واقعاً تحت مقولة المضاف فلم يكن محسوساً أصلاً لكن الحس البصري مما ينفعل عنه ويتضرر بالشديد منه حتى يبطل .
والأمور الذهنية لا تأثر مثل هذا التأثير فإذا لم يكن أمراً نسبياً لم يمكن تفسيره بالحالة النسبية ، الثاني : أن البياض قد يكون مضيئاً مشرقاً وكذا السواد فلو كان ضوء كل منهما عين ذاته لزم أن يكون بعض الضوء ضد بعضه وهو محال لأن ضد الضوء الظلمة ، والثالث : أن اللون يوجد بدون الضوء كما في الجسم الملون في الظلمة وكذا الضوء يوجد بدن اللون كما في البلور إذا وقع عليه الضوء فهما متغايران لوجود كل منهما بدون الآخر ، والرابع : أن الجسم الأحمر مثلاً لمضيء إذا انعكس عنه إلى مقابله فتارة ينعكس الضوء عنه إلى جسم آخر وتارة ينعكس منه اللون والضوء معاً إذا قوياً حتى يحمر المنعكس إليه فلو كان مجرد ظهور اللون لاستحال أن يفيد غيره لمعاناً ساذجاً ، وليس لقائل أن يقول : هذا البريق عبارة عن إظهار اللون في ذلك القابل لأنه يقال : فلماذا إذا اشتد لون الجسم المنعكس منه ضوؤه أخفى ضوء المنعكس إليه وأبطله وأعطاه لون نفسه .
وقال بعض المتأخرين : استقر الرأي على أن النور المحسوس بما هو محسوس عبارة عن نحو وجود الجوهر المبصر الحاضر عند النفس في غير هذا العالم وأما الذي في الخارج بإزائه فلا يزيد وجوده على وجود اللون والأوجه التي ذكرت لمغايرتهما مقدوحة ، أما الوجه الأول : فهو مقدوح بأن ظهور اللون عبارة عن وجوده وهو صفة حقيقية من شأنها أن ينسب ويضاف إلى القوة المدركة وبهذا الاعتبار يقع له التجدد قولهم : يوجب أن يكون الضوء نفس اللون قلنا : نعم ولكنهما متغايران بالاعتبار كما أن الماهية والوجود في كل شيء متحدان بالذات متغايران بالاعتبار فإن النور والضوء يرجع معناه إلى وجود خاص عارض لبعض الأجسام والظلمة عبارة عن عدم ذلك الوجود الخاص بالكلية والظل عبارة عن عدمه في الجملة واللون عبارة عن امتزاج يقع بين حامل هذا الوجود النوري وحامل عدمه على أنحاء مختلفة فليست الألوان إلا مراتب تراكيب الأنوار والأدلة الموردة على أبطال ذلك ضعيفة فعلى هذا صح قولهم : النور هو ظهور اللون وصح أيضاً قول من يقول إنه غير الولن لأن النور بما هو نور لا يختلف إذ لا يعتبر فيه امتزاج ولا شوب مع عدم أو ظلمة والألوان مختلفة ، وأما الوجه الثاني : فهو أيضاً مندفع بما مهد وبأن اللون وإن لم يكن غير النور إلا أن مراتب الأنوار مختلفة شدة وضعفاً ، ومع هذا الاختلاف قد تختلف بوجوه أخر بحسب تركيبات وامتزاجات كثيرة تقع بين أعداد من النور وإمكانها وفعليتها وأصلها وفرعها واعداد من الظلمة أعني عدم ذلك النور وإملكها وفعليتها وأصلها وفرعها فإن هذه الألوان أمور رمادية في الأكثر أو متعلقة بها والمادة منبع الانقسام والتركيب بين الوجودات والإعدام والإمكانات فليس بعجب أن يحصل من ضروب تركيبات النور بالظلمة هذه الألوان التي نراها فتقع تلك الأقسام في محالها على الوجه المذكور ثم يقع عليها نور آخر بمقابلة المنير .
ومن قال بأن النور عين اللون لم يقل بأن كل نور عين كل لون كما أن من قال بأن الوجود عين الماهية لم يقل بأن كل وجود عين كل ماحية ليلزمه أن لا يطرد وجود على وجود ولا تضاد وجود لوجود فالألوان متخالفة الأحكام وبعضها أمور متضادة لكن بما هي ألوان لا بما هي أنوار كما أن الموجودات متخالفة الأحكام وبعضها أشياء متضادة لكن بما هي ماهيات لا بما هي موجودات مع أن الوجود والماهية واحد ، وأما الوجه الثالث : فسبيل دفعه سهل بما بين وكذا الوجه الرابع بأدنى أعمال روية فإن عدم ظهور اللون قد يكون لضعف اللمعان الواقع على شيء وقد يكون لشدة اللمعان فالواقع على المقابل من عكس المضيء الملون قد يكون ضوءه فقط وذلك عن قصور الضوء واللون أو قصور استعداد القابل المقابل وقد يكون كلاهما لقوتهما وقوة استعداد المنعكس إليه ، على أن الكلام في مباحث العكوس طويل ، وكون المنعكس من الجسم المضيء إلى جسم آخر ضوءه دون لونه ربما كان لأجل صقالته فإن الصقيل قد يكون ذا لون وضوء لكن المنعكس منه إلى مقابله ليس إلا ما حصل من نير آخر بتوسطه على نسبة وضعية مخصوصة بنيهما له إليهما لا اللون والضوء اللذان يستقران فيه فالمنعكس في ذلك المقابل ليس إلا الضوء فقط من ذلك النير لا من المنعكس منه إلا أن يكون المنعكس إليه أيضاً جسماً صقيلاً فيقع فيه حكاية منهما أي الضوء واللّولن أو من أحدهما أيضاً .
هذا غاية ما قالوه في النور المحسوس الذي يظهر به الأجسام على الأبصار ؛ ولهم في النور إطلاق آخر وهو الظاهر بذاته والمظهر لغيره وقالوا : هو بهذا المعنى مساو للوجود بل نفسه فيكون حقيقة بسيطة كالوجود منقسماً كانقسامه ، فمنه نور واجب لذاته قاهر على ما سواه ، ومنه أنوار عقلية . ونفسية . وجسمية ، والواجب تعالى نور الأنوار غير متناهى الشدة وما سواه سبحانه أنوار متناهية الشدة بمعنى أن فوقها ما هو أشد منها وإن كان بعضها كالأنوار العقلية لا تقف آثارها عند حد ، والكل من لمعات نوره عز وجل حتى الأجسام الكثيفة فإنها أيضاً من حيث الوجود لا تخلو عن نور لكنه مشوب بظلمات الاعدام والامكانات ، إذا علمت هذا فاعلم أن إطلاق النور على الله سبحانه وتعالى بالمعنى اللغوي والحكمي السابق غير صحيح لكمال تنزهه جل وعلا عن الجسمية والكيفية ولوازمهما ، وإطلاقه عليه سبحانه بالمعنى المذكور وهو الظاهر بذاته والمظهر لغيره قد جوزه جماعة منهم حجة الإسلام الغزالي فإنه قدس سره بعد أن ذكر في رسالته مشكاة الأنوار معنى النور ومراتبه قال : إذا عرفت أن النور يرجع إلى الظهور والإظهار فاعلم أن لا ظلمة أشد من كتم العدم لأن المظلم سمي مظلماً لأنه ليس بظاهر للأبصار مع أنه موجود في نفسه فما ليس موجوداً أصلاً كيف لا يستحق أن يكون هو الغاية في الظلمة .
وفي مقابلته الوجود وهو النور فإن الشيء ما لم يظهر في ذاته لا يظهر لغيره ، والوجود ينقسم إلى ما للشيء من ذاته وإلى ماله من غيره ، فماله الوجود من غيره فوجوده مستعار لا قوام له بنفسه بل إذا اعتبر ذاته من حيث ذاته فهو عدم محض وإنما هو وجود من حيث نسبته إلى غيره وذلك ليس بوجود حقيقي ، فالوجود الحق هو الله تعالى كما أن النور الحق هو الله عز وجل ، وقد قال قبل هذا : أقول ولا أبالي إن إطلاق اسم النور على غير النور الأول مجاز محض إذ كل ما سواه سبحانه إذا اعتبر ذاته فهو في ذاته من حيث ذاته لا نور له بل نورانيته مستعارة من غيره ولا قوام لنورانيته المستعارة بنفسها بل بغيرها ونسبة المستعار إلى المستعير مجاز محض ، وفسر النور في هذه الآية أعني قوله تعالى : { الله نُورُ السموات والأرض } بذلك ، ثم أشار إلى وجه الإضافة إلى { السموات والأرض } بقوله : لا ينبغي أن يخفى عليك ذلك بعد أن عرفت أنه تعالى هو النور ولا نور سواه وإيه كل الأنوار والنور الكلي لأن النور عبارة عما تنكشف به الأشياء وأعلى منه ما تنكشف به وله ومنه وليس فوقه نور منه اقتباسه واستمداده بل ذلك له في ذاته لذاته لا من غيره ، ثم عرفت أن هذا لا يتصف به إلا النور الأول ، ثم عرفت أن السموات والأرض مشحونة نوراً من طبقتي النور أعني المنسوب إلى البصر والمنسوب إلى البصيرة أي إلى الحسن والعقل كنور الكواكب وجواهر الملائكة وكالأنوار المشاهدة المنبسطة على كل ما على الأرض وكأنوار النبوة والقرآن إلى غير ذلك .
وهذا منزع صوفي والصوفية لا يتحاشون من القول بأنه سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً هو الكل بل هو هو لا هوية لغيره إلا بالمجاز ويقولون : لا إله إلا الله توحيد العوام ولا إله إلا هو توحيد الخواص لأنه أتم وأخص وأشمل وأحق وأدق وأدخل لصاحبه في الفردانية المحضة والوحدانية الصرفة ، وقد قال بذلك الغزالي في رسالته المذكورة أيضاً ، وأنت تعلم أنه مما لا يهتدي إليه بنور الاستدلال بل هو طور وراء طور العقل لا يهتدي إليه بنور الله عز وجل .
وجوز بعض المحققين كون المراد من النور في الآية الموجود كأنه قيل : الله موجد السموات والأرض ، ووجه ذلك بأنه مجاز مرسل باعتبار لازم معنى النور وهو الظهور في نفسه وإظهاره لغيره وقيل : هو استعارة والمستعار منه النور بمعنى الظاهر بنفسه المظهر لما سواه والمستعار له الواجب الوجود الموجد لما عداه ، وكون المراد به مفيض الإدراك ومعطيه مجازاً مرسلاً أو استعارة والكلام على حذف مضاف أي نور أهل والسموات والأرض ، وهذا قريب مما أخرجه ابن جرير . وابن المنذر . وابن أبي حاتم . والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : الله نور السموات والأرض هادي أهل السموات والأرض وهو وجه حسن ، وجاء في رواية أخرى أخرجها ابن جرير عنه رضي الله تعالى عنه فسر النور بالمدبر فقال : الله نور السموات والأرض يدبر الأمر فيهما ، وروى ذلك عن مجاهد أيضاً ، وجعل ذلك بعضهم من التشبيه البليغ .
ووجه الشبه كون كل من التدبير والنور سبب الاهتداء إلى المصالح . وجوز أن يكون هناك استعارة تصريحية . وتعقب بأن ذكر طرفي التشبيه وهو الله تعالى والنور ينافي ذلك وأجيب بأن ذكرهما إنما ينافيه إذا كان على وجه ينبئ عن التشبيه وكان كل من المشبه والمشبه به مذكوراً بعينه وهنا لم يشبه الله سبحانه بالنور بل شبه المدبر به وذكر جزئي يصدق عليه المشبه أو كلي يشمله لا ينافي ذلك كما أشار إليه «صاحب الكشاف » في مواضع منه وصرح به أهل المعاني ، وقيل : المراد به المنزه من كل عيب ، ومن ذلك قولهم : امرأة نوار أي بريئة من الريبة بالفحشاء وهو من باب المجاز أيضاً ، وقيل : الكلام على حذف مضاف كما في زيد كرم أي ذو نور ، ويؤيده كما قيل قوله تعالى بعد { مَثَلُ نُورِهِ } { يَهْدِى الله لِنُورِهِ } .
وقيل : نور بمعنى منور وروى ذلك عن الحسن . وأبي العالية . والضحاك وعليه جماعة من المفسرين ، ويؤيده قراءة بعضهم { منور } وكذا قراءة علي كرم الله تعالى وجهه . وأبي جعفر . وعبد العزيز المكي . وزيد بن علي . وثابت بن أبي حفصة . والقورصي . ومسلمة بن عبد الملك . وأبي عبد الرحمن السلمي . وعبد الله بن عباس بن أبي ربيعة { مِن نُورٍ } فعلاً ماضياً { والأرض } بالنصب ، وتنويره سبحانه السموات والأرض قيل بالشمس والقمر وسائر الكواكب ونسب إلى الحسن ومن معه ، وقيل : تنوير السموات بالملائكة عليهم السلام وتنوير الأرض بالأنبياء عليهم السلام والعلماء ونسب إلى أبي بن كعب ، والتنوير على الأول حسي وعلى الثاني عقلي .
وقيل وهو الذي اختاره : تنويره سبحانه إياهما بما فيهما من الآيات التكوينية والتنزيلية الدالة على وجوده ووحدانيته وسائر صفاته عز وجل والهادية إلى صلاح المعاش والمعاد ، والجملة استئناف مسوق إما لتحقيق أن بيانه تعالى المأذن به قوله سبحانه : { وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ ءايات مبينات } [ النور : 34 ] الآية ليس مقصوراً على ما ورد في هذه السورة الكريمة . وإما لتقرير ما في القرآن الجليل من البيان ، ويتأتى نحو هذا على بعض الأقوال السابقة في بيان المراد بالنور وهو وجه قوي في مناسبة الآية لما قبلها ولا يكاد يظهر مثله على بعض آخر منها . وذكر العلامة الطيبي في بيان المناسبة كلاماً فيه الغث والسمين إن أردته فارجع إليه .
وتخصيص السموات والأرض بالذكر لأنهما المقر المعروف للمكلفين المحتاجين لما يدلهما ويهديهما لما سبق .
وقال العلامة البيضاوي بعد ذكر عدة احتمالات في المراد بالنور : إن إضافته إليهما للدلالة على سعة إشراقه أو لاشتمالهما على الأنوار الحسية والعقلية وقصور الإدراكات البشرية عليهما وعلى المتعلق بهما والمدلول لهما ، وقيل المراد بهما العالم كله كإطلاق المهاجرين والأنصار على جميع الصحابة رضي الله تعالى عنهم .
وتعقب بأن هذا من إطلاق اسم البعض على الكل مجازاً وقد اشترط في التلويح أن يكون الكل مركباً تركيباً حقيقياً ولم يثبت في اللغة إطلاق الأرض على مجموع الأرض والسماء والإنسان على الآدمي والسبع .
وأجيب بأنه لا يتعين كونه مجازاً لجواز كونه كناية ولو سلم فيما في التلويح غير مسلم أو هو أغلبي ، فقد ذكر الزمخشري في قوله تعالى : { لاَ يخفى عَلَيْهِ شَىْء فِي الأرض وَلاَ فِى السماء } [ آل عمران : 5 ] أنه عبر عن جميع العالم بالسماء والأرض ، وقال العلامة في شرحه : إنه من إطلاق الجزء على الكل فالمعنى حينئذ الله نور العالم كله { مَثَلُ نُورِهِ } أي أدلته سبحانه العقلية والسمعية في السموات والأرض التي هدى بها من شاء إلى ما فيه صلاحه وحكى هذا عن أبي مسلم وينتظم ذلك القرآن انتظاماً أولياً ، وعن ابن عباس . والحسن . وزيد بن أسلم أن المراد بالنور هنا القرآن كما يعرب عنه ما قبل من وصف آياته بالأنزال والتبيين ، وقد صرح بكونه نوراً أيضاً في قوله تعالى : { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً } [ النساء : 174 ] وقيل المراد به الحق فقد جاء استعارة النور له كاستعارة الظلمة للباطل في قوله سبحانه : { الله وَلِيُّ الذين ءامَنُواْ يُخْرِجُهُم مّنَ الظلمات إِلَى النور } [ البقرة : 257 ] أي من أنواع الباطل إلى الحق ووجه الشبه الظهور ، ومن أمثالهم الحق أبلج ، ويكفى ذلك في جواز الاستعارة ولا تتوقف على تحقق ما في النور من معنى الإظهار في الحق ، نعم إذا تحقق ذلك أيضاً فهو نور على نور لكن رجح ضعف تفسيره بما ذكر دون القرآن بأنه يأباه مقام بيان شأن الآيات ووصفها بما ذكر من التبيين مع عدم سبق ذكر الحق .
وفي «الكشف » المراد بالحق الذي فسر النور به ما يقابل الباطل وهو يتناول التوحيد والشرائع وما دل عليه بدليل السمع والعقل ، وليس المراد به كون السموات والأرض دليلين على وجود فاطرهما بل ذلك أيضاً داخل في عموم اللفظ انتهى ، ويضعف عليه أمر هذا التضعيف ، وقيل المراد به الهدى الذي دل عليه الآيات المبينات ، وقيل : الهدى مطلقاً ، فقد أخرج ابن جرير . وابن المنذر . وابن أبي حاتم . والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس أنه قال : مثل نوره مثل هذاه في قلب المؤمن ، وأخرج ابن جرير عن أنس قال : إن إلهي يقول نوري هداي ؛ وذكر بعضهم أن تفسيره بالهدي مختار الأكثرين وأن تفسيره بالحق بالمعنى العام يوافقه ، وقيل : المراد به المعارف والعلوم التي أفاضها عز وجل على قلب المؤمن وإضافة ذلك إليه سبحانه لأنه مفاضه تعالى ، وعن أبي بن كعب . والضحاك تفسيره بالإيمان الذي أعطاه سبحانه المؤمن ووفقه إليه .
/ وجاء في بعض الروايات عن ابن عباس تفسيره بالطاعات التي حلى بها جل شأنه قلب المؤمن فيشمل الإيمان وسائر الأعمال القلبية الحميدة ، وقيل المراد بنوره رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وقد جاء إطلاق النور عليه عليه الصلاة والسلام في قوله تعالى : { قَدْ جَاءكُمْ مّنَ الله نُورٌ وكتاب مُّبِينٌ } [ المائدة : 15 ] على قول ، وقيل : غير ذلك مما ستعلمه إن شاء الله تعالى ، والضمير على جميع هذه الأقوال راجع إليه تعالى كما هو الظاهر .
وجوز رجوع الضمير إلى المؤمن وروى ذلك عن عكرمة وهو إحدى الروايات وصححها الحاكم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وروى أيضاً عن أبي بن كعب بل أخرج عبد بن حميد . وابن الانباري في المصاحف عن الشعبي أنه قال قرأ أبي بن كعب { مَثَلُ نُورِهِ المؤمن } وأخرج أبو عبيد . وابن المنذر عن أبي العالية أن أبياً قرأ { مَثَلُ نُورِهِ مَنْ ءامَنَ بِهِ } أو قال : { مَثَلُ مَنْ ءامَنَ بِهِ } .
وفي «البحر » روى عن أبي أنه قرأ { مَثَلُ نُورِهِ المؤمنين } وقيل : الضمير راجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم وروى ذلك جماعة عن ابن عباس عن كعب الاحبار ، وحكاه أبو حيان عن ابن جبير أيضاً ، وقيل : هو راجع إلى القرآن ، وقيل : إلى الإيمان ، ولا يخفى أن رجوع الضمير إلى غير مذكور في الكلام إذا لم يكن في الكلام ما يدل عليه أو كان لكن كانت دلالته عليه خفية خلاف الظاهر جداً لا سيما إذا فات المقصود من الكلام على ذلك ، والمراد بالمثل الصفة العجبية أي صفة نوره سبحانه العجيبة الشأن { كَمِشْكَاةٍ } أي كصفتها في الإنارة والتنوير ، وقال أبو حيان : أي كنور مشكاة وهي الكوة غير النافذة كما قال ابن عباس .
وأبو مالك . وابن جبير . وسعيد بن عياض والجمهور ، وقال أبو موسى : هي الحديدة أو الرصاصة التي تكون فيها الفتيلة في جوف الزجاجة وعن مجاهد أنها الحديدة التي يعلق بها القنديل وهو كما ترى ، والمعول عليه قول الجمهور ، وعن ابن عطية أنه أصح الأقوال وعلى جميعها هو لفظ حبشي معرب كما قال ابن قتيبة . والكلبي . وغيرهما ، وقيل : رومي معرب ، وقال الزجاج كما في «مجمع البيان » : يجوز أن يكون عربياً فيكون مفعلة والأصل مشكوة فقلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها وإلى أن أصل ألفها الواو ذهب ابن جني ، واستدل عليه بأن العرب قد نحوا بها منحاة الواو كما فعلوا بالصلاة .
وقرأ الكسائي برواية الدوري بالإمالة { فِيهَا مِصْبَاحٌ } سراج ضخم ثاقب ، وقيل الفتيلة المشتعلة { المصباح فِى زُجَاجَةٍ } في قنديل من الزجاج الصافي الأزهر وضم الزاي لغة الحجاز وكسرها وفتحها لغة قيس ، وبالفتح قرأ أبو رجاء ونصر بن عاصم في رواية ابن مجاهد .
وقرأ بعضهم بالكسر أيضاً وكذا قرئ بهما في قوله تعالى : { الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرّىٌّ } مضيء متلألءى كالزهرة في صفائه وزهرته منسوب إلى الدر فوزنه فعلي ، وجوز أن يكون أصله درىء بهمزة آخره كما قرأ به حمزة وأبو بكر فقبلت ياء وأدغمت في الياء فوزنه فعيل وهو من الدرء بمعنى الدفع فإنه يدفع الظلام بضوئه أو يدفعه بعض ضوئه بعضاً من لمعانه ، وجوز أن يكون من الدرء بمعنى الجري وليس بذاك ومثله ما قيل إنه من درأ إذا طلع بغتة وفاجأ ولا يخفى على المتتبع أن فعيلاً قليل في كلامهم ففي اللباب فعيل غريب لا نظير له إلا مريق لحب العصفر أو ما سمن من الخيل وعلية وسرية وذرية قاله أبو علي ، وفي «البحر » سمع أيضاً مريخ للذي في داخل القرن اليابس وفيه لغتان ضم الميم وكسرها . وقال الفراء : لم يسمع إلا مريق وهو أعجمي وسيبويه عد ذلك من أبنية العرب ولم يثبت بعضهم هذا الوزن أصلاً .
وقال أبو عبيد : أصل { درىء } دروء كسبوح فجعلت الضمة كسرة للاستثقال والواو ياء لانكسار ما قبلها كما قالوا في عتوعتي فوزنه فعول وكذا قيل في سرية وذرية ، وجعل بعضهم سرية من السر وهو النكاح أو الإخفاء والضم من تغييرات النسب فوزنه فعلية كما في «الصحاح » ، والأخفش يرى أنه من السرور وقد أبدلت الراء الأخيرة ياء وهو معهود في الفعل فقد قالوا : تسررت جارية وتسريت كما قالوا : تظننت وتظنيت فوزنه على هذا كما قال الخفاجي فعليلة ، وجعل بعضهم ذرية نسبة إلى الذر على غير القياس لإخراجهم كالذر من ظهر آدم عليه السلام .
وقرأ قتادة . وزيد بن علي . والضحاك { كَوْكَبٌ دُرّىٌّ } بفتح الدال وروى ذلك عن نصر بن عاصم .
وأبي رجاء وابن المسيب . وقرأ الزهري { دُرّىٌّ } بكسر الراء وقرأ أبو عمرو والكسائي بالكسرة والهمزة آخره ، وهو بناء كثير في الأسماء نحو سكين وفي الأوصاف نحو سكير . وقرأ قتادة أيضاً . وأبان بن عثمان وابن المسيب . وأبو رجاء . وعمرو بن قائد . والأعمش . ونصر بن عاصم { دريء } بالهمز وفتح الدار ، قال ابن جني : وهذا عزيز لم يحفظه منه إلا السكينة بفتح السين وشد الكاف في لغة حكاها أبو زيد . وقرء { دءرى } بتقديم الهمزة ساكنة على الراء وهي من نادر الشواذ وفي إعادة { المصباح } معرفين أثر سبقهما منكرين والاخبار عنهما بما بعدهما مع انتظام الكلام بأن يقال : كمشكاة فيه مصباح في زجاجة كأنها كوكب درى من تفخيم شأنهما ورفع مكانتهما بالتفسير إثر الإبهام والتفصيل بعد الإجمال وباثبات ما بعدهمالهما بطريق الاخبار المنبىء عن القصد الأصلي دون الوصف المنبي عن الإشارة إلى الثبوت في الجملة ما لا يخفى ، والجملة الأولى في محل الرفع على أنها صفة لمصباح والجملة الثانية في محل الجر على أنها صفة لزجاجة واللام مغنية كما في «مجمع البيان » وإرشاد العقل السليم عن الرابط كأنه قيل : فيها مصباح هو في زجاجة هي كأنها كوكب دري { دُرّىٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ } أي يبتدأ إيقاد المصباح من شجرة { مباركة } أي كثيرة المنافع بأن رويت ذبالته بزيتها ، وقيل إنما وصفت بالبركة لأنها تنبت في الأرض التي بارك الله تعالى فيها للعالمين ، وقيل بارك فيها سبعون نبياً منهم إبراهيم عليه السلام { زَيْتُونَةٍ } بدل من { شَجَرَةٍ } وقال أبو علي : عطف بيان عليها وهو مبني على مذهب الكوفيين من تجويزهم عطف البيان في النكرات ، وأما البصريون فلا يجوزونه إلا في المعارف .
وفي إبهام الشجرة ووصفها بالبركة ثم الإبدال عنها أو بيانها تفخيم لشأنها ، وقد جاء في الحديث مدح الزيت لأنه منها ، أخرج عبد بن حميد في مسنده . والترمذي وابن ماجه عن عمر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ائتدموا بالزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة " .
وأخرج البيهقي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها ذكر عندها الزيت فقالت : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر أن يؤكل ويدهن ويسعط به ويقول أنه من شجرة مباركة " وهو في حد ذاته ممدوح ، ففي الحديث أنه مصحة من الباسور وذكر له الأطباء منافع كثيرة ، وكان صلى الله عليه وسلم يأكل الخبز وأكل عليه الصلاة والسلام اللسان مطبوخاً بالشعير وفيه الزيت والتوابل فليحفظ . وقرى الأخوان . وأبو بكر والحسن . وزيد بن علي . وقتادة . وابن وثاب . وطلحة وعيسى . والأعمش { توقد } بالتاء المثناة من فوق مضارع أوقدت مبنياً للمفعول على أن الضمير القائم مقام الفاعل للزجاجة وإسناد الفعل إليها قيل على سبيل المبالغة ، وقيل هو بتقدير مضاف أي مصباحها .
وقرأ الحسن . والسلمي . وقتادة أيضاً . وابن محيصن . وسلام ومجاهد . وابن أبي إسحاق . والمفضل عن عاصم { توقد } بالتاء الفوقية أيضاً مضارع توقد وأصله تتوقد بتاءين فخفف بحذف أحدهما .
وذكر الخفاجي أنها قارةء أبي عمرو . وابن كثير والإسناد فيها للزجاجة على ما مر . وقرأ السلمي . وقتادة . وسلام أيضاً { دُرّىٌّ يُوقَدُ } بالياء التحتية على أنه مضارع توقد أيضاً ، وجاء كذلك عن الحسن . وابن محيصن ، وأصله يتوقد أي المصباح فحذفت التاء وهو غير معروف مع الياء وإنما المعروف هو الحذف عند اجتماع التاءين المتماثلين .
ووجه ذلك على ما قال ابن جني أنه شبه فيه حرف مضارعة بحرف مضارعة يعني الياء بالتاء فعومل معاملته كما شبهت التاء والنون في تعد ونعد بياء يعد فحذف الواو معهما كماحذفت فيه لوقوعها بين ياء وكسرة .
وقرئ { توقد } بالتاء من فوق على صيغة الماضي من التفعل والضمير للمصباح أي ابتداء توقد المصباح من شجرة .
{ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ } أي ضاحية للشمس لا يظلها جبل ولا شجر ولا يحجبها عنها شيء من حين تطلع إلى أن تغرب وذلك أحسن لزيتها ، وروى عن ابن عباس . ومجاهد . وعكرمة . وقتادة والكلبي وهو تفسير بلازم المعنى أعني به كونها بين الشرق والغرب . وعن ابن زيد أي ليست من شجر الشرق ولا من شجر الغرب لأن ما اختص بإحدى الجهتين كان أقل زيناً وأضعف ضوأ لكنها من شجر الشام وهي ما بين المشرق والمغرب وزيتونها أجود ما يكون ، وقال أبو حيان في تذكرته : المعنى ليست في مشرقة أبداً أي في موضع لا يصيبه ظل وليست في مقناة أبداً أي في موضع لا تصيبه الشمس ، وحاصله ليست الزيتونة تصيبها الشمس خاصة ولا الظل خاصة ولكن يصيبها هذا في وقت وهذا في وقت ، وقال الفراء والزجاج : المعنى لا شرقية فقط ولا غربية فقط لكنها شرقية غربية أي تصيبها الشمس عند طلوعها وغروبها ، وأنت تعلم أنه لا بد من تقدير قيد فقط بعد كل من { شَرْقِيَّةٍ } كما سمعت ليتوجه النفي إليه فيفيد التركيب اجتماع الأمرين وإلا فظاهره نفيهما ، وعن المطلع أن هذا كقول الفرزدق
: بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم *** ولم تكثر القتلى بها حين سلت
إذ معناه شاموا سيوفهم وأكثروا بها القتلى ، وتعقبه في «الكشف » بأنه لا استدلال بالبيت على ذلك لجواز أن يريد لم يشيموا غير مكثري القتلى على الحال وإفادته المعنى المذكور واضحة حينئذ ، وعن ابن عباس أنها في دوحة أحاطت بها فليست منكشفة لا من جهة الشرق ولا من جهة الغرب ، وتعقب بأن هذا لا يصح عن ابن عباس لأنها إذا كانت بهذه الصفة فسد جناها ، وعن الحسن أن هذا مثل وليست من شجر الدنيا إذ لو كانت في الدنيا لكانت شرقية أو غربية ، وعن عكرمة أنها من شجرة الجنة ولعله إنما جزم بذلك لما ذكر الحسن ولا يخفى ما فيه ، وقرأ الضحاك { زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ } بالرفع أي هي لا شرقية ولا غربية .
وقال أبو حيان : أي لا هي شرقية ولا غربية ، ولعل ما ذكرنا أولى ، والجملة في موضع الصفة لزيتونة .
{ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ } أي هو في الصفاء والإنارة بحيث يكاد يضي بنفسه من غير مساس نار أصلاً ، وكلمة { لَوْ } في أمثال هذه المواقع ليست لبيان انتقاء الشيء لانتفاء غيره في الزمان الماضي فلا يلاحظ لها جواب قد حذف ثقة بدلالة ما قبلها عليه ملاحظة قصدية إلا عند القصد إلى بيان الإعراب على القواعد الصناعية بل هي لبيان تحقق ما يفيده الكلام السابق من الحكم الموجب أو المنفي على كل حال مفروض من الأحوال المقارنة له إجمالاً بإدخالها على أبعدها منه ، والواو الداخلة عليها لعطف الجملة المذكورة على جملة محذوفة مقابلة لها عند الجزولي ومن وافقه ، ومجموع الجملتين في حيز النصب على الحالية من المستكن في الفعل الموجب أو المنفي ، وتقدير الآية الكريمة { يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ } أي يضىء كائناً على كل حال من وجود شرط الإضاءة وعدمه ، وحذفت الجملة الأولى حسبما هو المطرد في الباب ثقة بدلالة الثانية عليها دلالة واضحة .
وقال الزمخشري : الواو للحال ومقتضاه أن { لَوْ } مع ما بعدها حال فالتقدير والحال لو كان أو لو لم يكن كذا أي مفروضاً ثبوته أو انتفاؤه ، لكن الزمخشري ومثله المرزوقي يقدر ولو كان الحال كذا . وتعقب ذلك بأن أدوات الشرط لا تصلح للحالية لأنها تقتضي عدم التحقق والحال يقتضي خلافه ، والتزم لذلك أنه انسلخ عنها الشرطية وأنها مؤولة بالحال كما أن الحال تكون في معنى الشرط نحو لأفعلنه كائناً ما كان أي إن كان هذا أو غيره ولذا لا تحتاج إلى الجزاء أصلاف ، وإنما قدر الحال بعد لو على ما قيل : إشارة إلى أنه قصد إلى جعل الجملة حالاً قبل دخول الشرط المنافي له ثم دخلت { لَوْ } تنبيهاً على أنها حال غير محققة ؛ واعترض الرضي القول بأنها عاطفة بأنه لو كان كذلك لوقع التصريح بالمعطوف عليه في الاستعمال وليس كذلك وذهب إلى أنها اعتراضية .
ويجوز الاعتراض في آخر الكلام والمقصود منه التأكي . وأجيب عن اعتراضه بأن ظهور ترتب الجزاء على المعطوف عليه أغنى عن ذكره حتى كان ذكره تكراراً ، وبالجملة الذي عطف عليه الأكثرون وارتضوه كونها عاطفة ، وبجعل مجموع الجملتين في موضع الحال على ما سمعت يندفع ما يتوهم من أن كاد تنافي اعتبار العطف هنا فتأمل ، وقرأ ابن عباس .
والحسن { يمسسه } بالياء التحتية وحسنه الفصل وكون الفاعل غير حقيقي التأنيث { نَارٌ نُّورٌ على نُورٍ } أي هو نور عظيم كائن على نور على أن يكون { نُورٍ } خبر مبتدأ محذوف والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع صفة له مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة ، والجملة فذلكة للتمثيل وتصريح بما حصل منه وتمهيد لما يعقبه فالمراد من الضمير النور الذي مثلت صفته العظيمة الشأن بما سمعت لا النور المشبه به وحمله عليه لا يليق كما قيل بشأن التنزيل الجليل ، وليس معنى كونه نوراً فوق نور أنه نور واحد معين أو غير معين فوق نور آخر مثله ولا أنه مجموع نورين اثنين فقط بل إنه نور متضاعف من غير تحديد لتضاعفه بحد معين وتحديد مراتب تضاعف ما مثل به من نور المشكاة بما ذكر لكونه أقصى مراتب تضاعفه عادة فإن المصباح إذا كان في مكان متضايق كالمشكاة كان أضوأ له وأجمع لنوره بسبب انضمام الشعاع المنعكس منه إلى أصل الشعاع بخلاف المكان المتسع فإن الضوء ينبث فيه وينتشر والقنديل أعون شيء على زيادة الإنارة وكذلك الزيت وصفاؤه وليس وراء هذه المراتب مما يزيد نورها إشراقاً ويمده بإضاءة مرتبة أخرى عادة .
والظاهر عندي أن التشبيه الذي تضمنته الآية الكريمة من تشبيه المعقول وهو نوره تعالى بمعنى أدلته سبحانه لكن من حيث أنها أدلة أو القرآن أو التوحيد والشرائع وما دل عليه بدليل السمع والعقل أو الهدى أو نحو ذلك بالمحسوس وهو نور المشكاة المبالغ في نفعته وأنه ليس في المشبه به أجزاء ينتزع منها الشبه ليبنى عليه أنه مركب أو مفرق ، وذكر أنه إذا كان المراد تشبيه النور بمعنى الهدى الذي دلت عليه الآيات المبينات فهو من التشبيه المركب العقلي وقد شبه فيه الهيئة المنتزعة بأخرى فإن النور وإن كان لفظه مفرداً دال على متعدد وكذا إذا كان المراد تشبيه ما نور الله تعالى به قلب المؤمن من المعارف والعلوم بنور المشكاة المنبث فيها من مصباحها ، وفي «الحواشي الطيبة » الطيبية بعد اختيار أن المراد بالنور الهداية بوحي ينزله ورسوله يبعثه ما هو ظاهر في أن التشبيه من التشبيه المفرق بل صرح بذلك أخيراً ، واستدل عليه بأن التكرير في الآية يستدعي ذلك وقد أطال الكلام في هذا المقام ، ومنه أن المشبهات المناسبة على هذا المعنى صدر الرسول صلى الله عليه وسلم وقلبه الشريف واللطيفة الربانية فيه والقرآن وما يتأثر منه القلب عند استمداده . والتفصيل أنه شبه صدره عليه الصلاة والسلام بالمشكاة لأنه كالكوة ذو وجهين فمن وجد يقتبس النور من القلب المستنير ومن آخر يفيض ذلك النور المقتبس على الخلق وذلك لاستعداده بانشراحه مرتين مرة في صباه وأخرى عند أسرائه قال الله تعالى : { أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ للإسلام فَهُوَ على نُورٍ مّن رَّبّهِ } [ الزمر : 22 ] وهذا تشبيه صحيح قد اشتهر عن جماعة من المفسرين ، روى محيي السنة عن كعب هذا مثل ضربه الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم المشكاة صدره والزجاجة قلبه والمصباح فيه النبوة والشجرة المباركة شجرة النبوة ، وروى الإمام عن بعضهم أن المشكاة صدر محمد عليه الصلاة والسلام والزجاجة قلبه والمصباح ما في قلبه من الدين ، وفي حقائق السلمي عن أبي سعيد الخراز المشكاة جوف محمد صلى الله عليه وسلم والزجاجة قلبه الشريف والمصباح النور الذي فيه ، وشبه قلبه صلوات الله تعالى وسلامه عليه بالزجاجة المنعوتة بالكوكب الدري لصفائه وإشراقه وخلوصه عن كدورة الهوى ولوث النفس الأمّارة وانعكاس نور اللطيفة إليه . وشبهت اللطيفة القدسية المزهرة في القلب بالمصباح الثاقب .
أخرج الإمام أحمد في مسنده عن أبي سعيد الخدري قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : القلوب أربعة قلب أجود فيه مثل السراج يزهر وفيه أما القلب الأجود فقلب المؤمن سراجه فيه نوره » الحديث ، وشبه نفس القرآن بالشجرة المباركة لثبات أصلها وتشعب فروعها وتأديها إلى ثمرات لا نهاية لها قال الله تعالى : { كَلِمَةً طَيّبَةً كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِى السماء تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبّهَا } [ إبراهيم : 24 ، 25 ] الآية . وروى محيي السنة عن الحسن . وابن زيد الشجرة المباركة شجرة الوحي يكاد زيتها يضىء تكاد حجة القرآن تتضح وإن لم تقرأ . وشبه ما يستمده نور قلبه الشريف صلوات الله تعالى وسلامه عليه من القرآن وابتداء تفويته منه بالزيت الصافي قال الله تعالى : { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الكتاب وَلاَ الإيمان ولكن جعلناه نُوراً نَّهْدِى بِهِ مَن نشان من عبادنا } [ الشورى : 52 ] فكما جعل سبحانه القرآن سبب توقده منه في قوله تعالى : { يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مباركة } جعل ضوءه مستفاداً من انعكاس نور اللطيفة إليه في قوله عز وجل : { وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ } .
والمعنى على ما ذكر في إنسان العين يكاد سر القرآن يظهر للخلق قبل دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وفيه مسحة من معنى قوله
: رق الزجاج ورقت الخمر *** فتشابها وتشاكل الأمر فكأنما خمر ولا قدح
وكأنما قدح ولا خمر *** ومنه وصفت الشجرة بكونها لا شرقية ولا غربية وعن ابن عباس تشبيه فؤاده صلى الله عليه وسلم بالكوكب الدري وأن الشجرة المباركة إبراهيم عليه السلام . ومعنى لا شرقية ولا غربية أنه ليس بنصراني فيصلي نحو المشرق ولا يهودي فيصلي نحو المغرب . والزيت الصافي دين إبراهيم عليه السلام ، وقد يقال على تفريق التشبيه لكن على مشرع آخر شبه القرآن بالمصباح على ماس بق ونفسه صلى الله عليه وسلم الزكية الطاهرة بالشجرة لكونها نابتة من أرض الدين متشعبة فروعها إلى سماء الإيمان متدلية أثمارها إلى فضاء الإخلاص والإحسان وذلك لاستقامتها بمقتضى قوله تعالى : { فاستقم كَمَا أُمِرْتَ } [ هود : 112 ] غير مائلة إلى طرفي الإفراط والتفريط وذلك معنى قوله تعالى : { لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَإِلاَّ غَرْبِيَّةٍ } ويشبه ما محض من تلك الثمرات بعد التصفية التامة للتهيئة وقبول الآثار بالزيت الصافي لوفور قوة استعدادها للاستضاءة للدهنية القابلة للاشتعال ، ومن ثم خصت شجرة الزيتون لأن لب ثمرتها الزيت الذي تشتعل به المصابيح ، وخص هذا الدهن لمزيد إشراقه مع قلة الدخان يكاد زيت استعداده صلوات الله تعالى وسلامه عليه لصفائه وزكائه يضىء ولو لم يمسسه نور القرآن ، روى البغوي عن محمد بن كعب القرظي تكاد محاسن محمد صلى الله عليه وسلم تظهر للناس قبل أن يوحى إليه ، قال ابن رواحة
: لو لم يكن فيه آيات مبينة *** كانت بداهته تنبيك عن خبره
وفي حقائق السلمي ثمل نوره في عبده المخلص والمشكاة القلب والمصباح النور الذي قذف فيه والمعرفة تضىء في قلب العارف بنور التوفيق يوقد من شجرة مباركة يضىء على شخص مبارك تتبين أنوار باطنه على آداب ظاهره وحسن معاملته زيتونه لا شرقية ولا غربية جوهرة صافية لا لها حظ في الدنيا ولا في الآخرة لاختصاصها بموالاة العزيز الغفار وتفردها بالفرد الجبار إلى غير ذلك ، وجعل بعضهم التشبيه من المركب الوهمي بناءً على أن المراد من النور المشبه الهدى من حيث أنه محفوف بظلمات أوهام الناس وخيالاتهم .
وكان الظاهر على هذا دخول الكاف على المصباح دون المشكاة المشتملة عليه ، ومن هنا قيل إن في الآية قلباً ، ووجه بعضهم دخولها على المشكاة بأن المشتمل مقدم على المشتمل عليه في رأي العين فقدم لفظاً ودخل الكاف عليه رعاية لذلك ، وقيل إنه على هذا أيضاً تشبيه مفرق لأنه شبه الهدى بالمصباح والجهالات بظلم استلزمتها وهو كما ترى .
ومن الناس من جعل التشبيه مفرقاً لكن بنى كلامه على ما أسسه الفلاسفة فجعل النور المشبه ما منح الله تعالى به عباده من القوى الخمس الدراكة المترتبة التي نيط بها المعاش وهي القوة الحساسة أعني الحس المشترك الذي يدرك المحسوسات بجواسيس الحواس الخمس الظاهرة والقوة الخيالية التي تحفظ صور تلك المحسوسات لتعرضها على القوة العقلية متى شاء والقوة العقلية المدركة للحقائق الكلية والقوة الفكرية التي تأخذ المعارف العقلية فتؤلفها على وجه يحصل به العلم بالمجهولات والقوة القدسية التي يختص بها الأنبياء والأولياء وتنجلي فيها لوائح الغيب وأسرار الملكوت ، وجعل ما في حيز الكاف عبارة عن أمور شبه بكل منها واحد من هذه الخمس فقال : شبهت القوة الحساسة بالمشكاة من حيث أن محلها تجويف في مقدم الدماغ كالكوة تضع فيه الحواس الظاهرة ما تحس به وبذلك يضىء ، وشبهت القوة الخيالية بالزجاجة من حيث أنها تقبل الصور المدركة من الجوانب كما تقبل الزجاجة الأنوار الحسية من الجوانب ومن حيث أنها تضبط الأنوار العقلية وتحفظها كما تحفظ الزجاجة الأنوار الحسية ، ومن حيث أنها تستنير بما يشتمل عليها من المعقولات ، وشبهت القوة العقلية بالمصباح لإضاءتها بالإدراكات والمعارف وشبهت القوة الفكرية بالشجرة المباركة من حيث أنها تؤدي إلى نتائج كثيرة هي بمنزلة ثمرات الشجرة ، واعتبرت زيتونة لأن لها فضيلة على سائر الأشجار من حيث أن لب ثمرتها هو الزيت الذي له منافع جمة ، منها أنه مادة المصابيح والأنوار الحسية وله من بين سائر الأدهان خاصية زيادة الإشراق وقلة الدخان ، واعتبار وصف { لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ } في جانب المشبه من حيث أن القوة الفكرية مجردة عن اللواحق الجسمية أو من حيث أن انتفاعها ليس مختصاً بجانب الصور ولا بجانب المعاني ، وشبهت القوة القدسية بالزيت الذي يكاد يضىء من غير أن تمسسه نار من حيث أنها لكمال صفائها وشدة استعدادها لا تحتاج إلى تعليم أو تفكر .
واعترض بأن حق النظم الكريم على هذا أن يقال : مثل نوره كمشكاة وزجاجة ومصباح وشجرة مباركة زيتونة وزيت يكاد يضىء ولو لم تمسسه نار حتى يفيد تشبيه كل واحد بكل واحد . وأجيب بأنه لما كان كل من هذه الحواس يأخذ ما يدركه مما قبله كما يأخذ المظروف من ظرفه أشار سبحانه إلى ذلك بأداة الظرفية دلالة على بديع صنعه سبحانه وحكمته جل شأنه .
وجوز أن يراد تشبيه النور المراد به القوة العقلية للنفس بمراتبها بذلك ومراتبها أربع ، الأولى : أن تكون النفس خالية عن جميع العلوم الضرورية والنظرية مستعدة لها كما في مبدأ الطفولية وتسمى القوة العقلية في هذه المرتبة بالعقل الهيولاني لأنها كالهيولى في أنها في ذاتها خالية عن جميع الصور قابلة لها ، وثانيتها : أن تستعمل آلاتها أي الحواس مطلقاً فيحصل لها علوم أولية ، وتستعد لاكتساب علوم نظرية وتسمى القوة المذكورة في هذه المرتبة عقلاً بالملكة لحصول ملكة الانتقال إلى النظريات لها بسبب تلك الأوليات ، وثالثتها : أن تصير النظريات مخزونة عندها وتحصل لها ملكة استحضارها متى شاءت من غير تجشم كسب جديد وتسمى تلك القوة في هذه المرتبة عقلاً بالفعل لحصول تلك العلوم لها بالقوة القريبة من الفعل ، ورابعتها : أن ترتب العلوم الأولية وتدرك العلوم النظرية مشاهدة إياها بالفعل وتسمى تلك القوة في هذه المرتبة عقلاً مستفاداً لاستفادتها من العقل الفعال فشبهت القوة بالمرتبة الأولى بالمشكاة الخالية في بدء الأمر عن الأنوار الحسية المستعدة للاستنارة بها وبالمرتبة الثانية بالزجاجة المتلألئة في نفسها القابلة للأنوار الفائضة عليها من النير الخارجي وبالمرتبة الثالثة بالمصباح الذي اشتعلت فتيلته المشبعة من الزيت وبالمرتبة الرابعة بالنور المتضاعف المشار إليه بقوله تعالى : { نُّورٌ على نُورٍ } والشيخ ابن سينا بعد أن بين المراتب حمل مفردات التنزيل عليها ، وحقق في المحاكمات وجه الترتيب فيها حيث جعل الزجاجة في المشكاة والمصباح في الزجاجة بأن هناك استعداداً محضاً كما في المرتبة الأولى واستعداد اكتساب كما في المرتبة الثانية واستعداد استحضار كما في المرتبة الثالثة ولا شك أن استعداد الاكتساب بحسب الاستعداد المحض واستعداد الاستحضار بحسب استعداد الاكتساب فتكون الزجاجة التي هي عبارة عن العقل بالملكة كأنما هي في المشكاة التي هي عبارة عن العقل الهيولاني والمصباح وهو العقل بالفعل في الزجاجة التي هي العقل بالملكة لأنه إنما يحصل باعتبار حصول العقل أولاً وحيث أن العقل بالملكة إنما يخرج من القوة إلى الفعل بالفكر أو بالحدس أو بالقوة القدسية أشير إلى الفكر بالشجرة الزيتونة وإلى الحدس بالزيت وإلى القوة القدسية بيكاد زيتها يضىء ؛ ودفع ما يظهر من عدم انطباق ما ذكر على النظم الجليل لأنه وصف فيه الشجرة بما سمعت من الصفات ، وهذه أمور متباينة لا يجوز وصف أحدها بالآخر بأن الشجرة الزيتونة شيء واحد فإذا ترقت في أطوارها حصل لها زيت إذا ترقى وصفاً كاد يضىء ؛ وكذلك الاكتساب قوة نفسية هي فكرة فإذا ترقت كانت حدساً ، ثم قوة قدسية فهي وإن كانت متباينة ترجع إلى شيء واحد كالشجرة وذكر أن قوله تعالى : { لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ } إشارة إلى أنها ليست من عالم الحس الذي لا يخلو عن أحد الأمرين ، ولا يخفى عليك أن هذا مع تكلفه وابتنائه على ما أسسه الفلاسفة الذين هم في عمى عن نور الشريعة ولله تعالى در من قال فيهم
: قطعت الأخوة عن معشر *** بهم مرض من كتاب الشفا فماتوا على دين رسطالس
وعشنا على سنة المصطفى *** لا يناسب المقام ولا ينتظم معه أطراف الكلام ، وفيه ما يقتضي أن قوله تعالى : { نُّورٌ على نُورٍ } داخل في التمثيل وفيه خلاف ، ثم أعلم أنه يعلم بمعونة ما ذكرنا حال التشبيه على سائر الأقوال في المراد بالنور ، ولعل ما ذكرناه فيه أتم نوراً وأشد ظهوراً والله تعالى أعلم بحقائق الأمور ، { وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ } [ النور : 40 ] { يَهْدِى الله لِنُورِهِ } أي يهدي سبحانه هداية خاصة موصلة إلى المطلوب حتماً لذلك النور المتضاعف العظيم الشأن ، وإظهاره في مقام الإضمار لزيادة تقريره وتأكيد فخامته الذاتية بفخامته الإضافية الناشئة من إضافته إلى ضمير عز وجل { مَن يَشَآء } هدايته من عباده بأن يوفقهم سبحانه لفهم وجوه دلالة الأدلة العقلية والسمعية التي نور بها السموات والأرض على وجه ينتفعون به أو بأن يوفقهم لفهم ما في القرآن من دلائل حقيته وكونه من عنده عز وجل من الإعجاز والإخبار عن الغيب وغير ذلك من موجبات الإيمان وفيه احتمالات أخر بحسب ما في النور من الأقوال ، وأياً ما كان ففيه إيذان بأن مناط هذه الهداية وملاكها ليس إلا مشيئته تعالى وأن إظهار الأسباب بدونها بمعزل عن الإفضاء إلى المطالب
: إذا لم يكن التوفيق عوناً لطالب *** طريق الهدى أعيت عليه مطالبه
{ وَيَضْرِبُ الله الامثال لِلنَّاسِ } في تضاعيف الهداية حسبما يقتضيه حالهم فإن لضرب المثل دخلاً عظيماً في باب الإرشاد لأنه إبراز للمعقول في هيئة المحسوس وتصوير لأوابد المعاني بصورة المأنوس ولذلك مثل جل وعلا نوره المراد به ما يشمل القرآن أو القرآن المبين فقط بنور المشكاة ، وإظهار الاسم الجليل في مقام الإضمار على ما في إرشاد العقل السليم للإيذان باختلاف ما أسند إليه تعالى من الهداية الخاصة وضرب الأمثال الذي هو من قبيل الهداية العامة كما يفصح عنه تعليق الأولى بمن شاء والثانية بالناس كافة .
{ والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ } معقولاً كان أو محسوساً ظاهراً كان أو باطناً ومن قضيته أن تتعلق مشيئته تعالى بهداية من يليق بها ويستحقها من الناس دون من عداهم لمخالفته الحكمة التي هي مبني التكوين والتشريع وأن تكون هدايته سبحانه العامة على فنون مختلفة وطرائق شتى حسبما تقتضيه أحوالهم وتقوم به الحجة له تعالى عليهم ، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لما قبله ، وقيل جىء بها لوعد من تدبر الأمثال ووعيد من لم يكترث بها ، وقيل لبيان أن فائدة ضرب الأمثال التي هي التوضيح إنما هي للناس وليس بذاك ، وإظهار الاسم الجليل لتأكيد استقلال الجملة والإشعار بعلة الحكم ، وبما ذكر آنفاً من اختلاف حال المحكوم به ذاتاً وتعلقاً .
ومن باب الإشارة :ولهم في قوله تعالى : { الله نُورُ السموات والأرض } [ النور : 35 ] كلام طويل عريض وفيما قدمنا ما يصلح أن يكون من هذا الباب