قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم } .
المسألة الأولى : قال القاضي : قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم } وإن كان ظاهره الرجال فالمراد به الرجال والنساء لأن التذكير يغلب على التأنيث فإذا لم يميز فيدخل تحت قوله : { يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم } الكل ويبين ذلك قوله تعالى : { الذين ملكت أيمانكم } لأن ذلك يقال في الرجال والنساء والأولى عندي أن الحكم ثابت في النساء بقياس جلي ، وذلك لأن النساء في باب حفظ العورة أشد حالا من الرجال ، فهذا الحكم لما ثبت في الرجال فثبوته في النساء بطريق الأولى ، كما أنا نثبت حرمة الضرب بالقياس الجلي على حرمة التأفيف .
المسألة الثانية : ظاهر قوله : { الذين ملكت أيمانكم } يدخل فيه البالغون والصغار ، وحكي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد الصغار ، واحتجوا بأن الكبير من المماليك ليس له أن ينظر من المالك إلا إلى ما يجوز للحر أن ينظر إليه ، قال ابن المسيب : لا يغرنكم قوله : { وما ملكت أيمانكم } لا ينبغي للمرأة أن ينظر عبدها إلى قرطها وشعرها وشيء من محاسنها ، وقال الآخرون : بل البالغ من المماليك له أن ينظر إلى شعر مالكته وما شاكله ، وظاهر الآية يدل على اختصاص عبيد المؤمنين والأطفال من الأحرار بإباحة ما حظره الله تعالى من قبل على جماعة المؤمنين بقوله : { لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم } فإنه أباح لهم إلا في الأوقات الثلاثة وجوز دخولهم مع من لم يبلغ بغير إذن ودخول الموالي عليهم بقوله تعالى : { ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم } أي يطوف بعضكم على بعض فيما عدا الأوقات الثلاثة ، وأكد ذلك بأن أوجب على من بلغ الحلم الجري على سنة من قبلهم من البالغين في الاستئذان في سائر الأوقات وألحقهم بمن دخل تحت قوله : { لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها } .
المسألة الثالثة : قوله : { ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم } إن أريد به العبيد والإماء إذا كانوا بالغين فغير ممتنع أن يكون أمرا لهم في الحقيقة ، وإن أريد الذين لم يبلغوا الحلم لم يجز أن يكون أمرا لهم ، ويجب أن يكون أمرا لنا بأن نأمرهم بذلك ونبعثهم عليه كما أمرنا بأمر الصبي ، وقد عقل الصلاة أن يفعلها لا على وجه التكليف لهم ، لكنه تكليف لنا لما فيه من المصلحة لنا ولهم بعد البلوغ ، ولا يبعد أن يكون لفظ الأمر وإن كان في الظاهر متوجها عليهم إلا أنه يكون في الحقيقة متوجها على المولى كقولك للرجل : ليخفك أهلك وولدك ، فظاهر الأمر لهم وحقيقة الأمر له بفعل ما يخافون عنده .
المسألة الرابعة : قال ابن عباس رضي الله عنهما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث غلاما من الأنصار إلى عمر ليدعوه فوجده نائما في البيت فدفع الباب وسلم فلم يستيقظ عمر فعاد ورد الباب وقام من خلفه وحركه فلم يستيقظ فقال الغلام اللهم أيقظه لي ودفع الباب ثم ناداه فاستيقظ وجلس ودخل الغلام فانكشف من عمر شيء وعرف عمر أن الغلام رأى ذلك منه فقال وددت أن الله نهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا أن يدخلوا علينا في هذه الساعات إلا بإذن ثم انطلق معه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فوجده قد نزل عليه { يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم } فحمد الله تعالى عمر عند ذلك فقال عليه السلام «وما ذاك يا عمر ؟ » فأخبره بما فعل الغلام فتعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم من صنعه وتعرف اسمه ومدحه ، وقال : «إن الله يحب الحليم الحي العفيف المتعفف ، ويبغض البذيء الجريء السائل الملحف » فهذه الآية إحدى الآيات المنزلة بسبب عمر . وقال بعضهم : نزلت في أسماء بنت أبي مرثد قالت إنا لندخل على الرجل والمرأة ولعلهما يكونان في لحاف واحد ، وقيل دخل عليها غلام لها كبير في وقت كرهت دخوله فيه فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إن خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حال نكرهها فنزلت الآية .
المسألة الخامسة : قال ابن عمر ومجاهد قوله : { ليستأذنكم } عنى به الذكور دون الإناث لأن قوله : { الذين ملكت أيمانكم } صيغة الذكور لا صيغة الإناث ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما هي في الرجال والنساء يستأذنون على كل حال بالليل والنهار ، والصحيح أنه يجب إثبات هذا الحكم في النساء ، لأن الإنسان كما يكره اطلاع الذكور على أحواله فقد يكره أيضا اطلاع النساء عليها ولكن الحكم يثبت في النساء بالقياس لا بظاهر اللفظ على ما قدمناه .
المسألة السادسة : من العلماء من قال الأمر في قوله : { ليستأذنكم } على الندب والاستحباب ومنهم من قال إنه على الإيجاب وهذا أولى ، لما ثبت أن ظاهر الأمر للوجوب .
أما قوله تعالى : { والذين لم يبلغوا الحلم منكم } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ ابن عمر { الحلم } بالسكون .
المسألة الثانية : اتفق الفقهاء على أن الاحتلام بلوغ . واختلفوا إذا بلغ خمس عشرة سنة ولم يحتلم فقال أبو حنيفة رحمه الله لا يكون الغلام بالغا حتى يبلغ ثماني عشرة سنة ويستكملها وفي الجارية سبع عشرة سنة ، وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد رحمهم الله في الغلام والجارية خمس عشرة سنة قال أبو بكر الرازي قوله تعالى : { والذين لم يبلغوا الحلم منكم } يدل على بطلان قول من جعل حد البلوغ خمس عشرة إذا لم يحتلم لأن الله تعالى لم يفرق بين من بلغها وبين من قصر عنها بعد أن لا يكون قد بلغ الحلم ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من جهات كثيرة : «رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى يستيقظ ، وعن المجنون حتى يفيق ، وعن الصبي حتى يحتلم » ولم يفرق بين من بلغ خمس عشرة سنة وبين من لم يبلغها ، فإن قيل فهذا الكلام يبطل التقدير أيضا بثماني عشرة سنة أجاب بأنا قد علمنا بأن العادة في البلوغ خمس عشرة سنة وكل ما كان مبنيا على طريق العادات فقد تجوز الزيادة فيه والنقصان منه ، وقد وجدنا من بلغ في اثنتي عشرة سنة ، وقد بينا أن الزيادة على المعتاد جائزة كالنقصان منه فجعل أبو حنيفة رحمه الله الزيادة كالنقصان ، وهي ثلاث سنين ، وقد حكي عن أبي حنيفة رحمه الله تسع عشرة سنة للغلام ، وهو محمول على استكمال ثماني عشرة سنة والدخول في التاسعة عشرة . حجة الشافعي رحمه الله ما روى ابن عمر أنه عرض على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وله أربع عشرة سنة فلم يجزه وعرض عليه يوم الخندق وله خمس عشرة سنة فأجازه اعترض أبو بكر الرازي عليه فقال هذا الخبر مضطرب لأن أحدا كان في سنة ثلاث والخندق في سنة خمس فكيف يكون بينهما سنة ؟ ثم مع ذلك فإن الإجازة في القتال لا تعلق لها بالبلوغ لأنه قد يرد البالغ لضعفه ويؤذن غير البالغ لقوته ولطاقته حمل السلاح ويدل على ذلك أنه عليه الصلاة والسلام ما سأله عن الاحتلام والسن .
البحث الثاني : اختلفوا في الإنبات هل يكون بلوغا ، فأبو حنيفة وأصحابه ما جعلوه بلوغا والشافعي رحمه الله جعله بلوغا ، قال أبو بكر الرازي رحمه الله ظاهر قوله : { والذين لم يبلغوا الحلم منكم } ينفي أن يكون الإنبات بلوغا إذا لم يحتلم كما نفي كون خمس عشرة سنة بلوغا وكذلك قوله عليه السلام «وعن الصبي حتى يحتلم » حجة الشافعي رحمه الله تعالى ما روى عطية القرظي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل من أنبت من قريظة واستحياء من لم ينبت قال فنظروا إلي فلم أكن قد أنبت فاستبقاني قال أبو بكر الرازي هذا الحديث لا يجوز إثبات الشرع به وبمثله لوجوه . أحدها : أن عطية هذا مجهول لا يعرف إلا من هذا الخبر لاسيما مع اعتراضه على الآية ، والخبر في نفي البلوغ إلا بالاحتلام . وثانيها : أنه مختلف الألفاظ ففي بعضها أنه أمر بقتل من جرت عليه الموسى ، وفي بعضها من اخضر عذاره ومعلوم أنه لا يبلغ هذه الحال إلا وقد تقدم بلوغه ولا يكون قد جرت عليه الموسى إلا وهو رجل كبير ، فجعل الإنبات وجرى الموسى عليه كناية عن بلوغ القدر الذي ذكرنا من السن وهي ثماني عشرة سنة فأكثر . وثالثها : أن الإنبات يدل على القوة البدنية فالأمر بالقتل لذاك لا للبلوغ ، قال الشافعي رحمه الله هذه الاحتمالات مردودة بما روي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه سئل عن غلام فقال هل اخضر عذاره ؟ وهدا يدل على أن ذلك كان كالأمر المتفق عليه فيما بين الصحابة .
البحث الثالث : ويروى عن قوم من السلف أنهم اعتبروا في البلوغ أن يبلغ الإنسان في طوله خمسة أشبار ، روي عن علي عليه السلام أنه قال إذا بلغ الغلام خمسة أشبار فقد وقعت عليه الحدود ويقتص له ويقتص منه ، وعن ابن سيرين عن أنس قال أتى أبو بكر بغلام قد سرق فأمر به فشبر فنقص أنملة فخلى عنه ، وهذا المذهب أخذ به الفرزدق في قوله :
ما زال مذ عقدت يداه إزاره *** وسما فأدرك خمسة الأشبار
وأكثر الفقهاء لا يقولون بهذا المذهب ، لأن الإنسان قد يكون دون البلوغ ويكون طويلا ، وفوق البلوغ ويكون قصيرا فلا عبرة به .
المسألة الثالثة : قال أبو بكر الرازي دلت هذه الآية على أن من لم يبلغ ، وقد عقل يؤمر بفعل الشرائع وينهى عن ارتكاب القبائح فإن الله أمرهم بالاستئذان في هذه الأوقات ، وقال عليه السلام : «مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر » وعن ابن عمر رضي الله عنه قال نعلم الصبي الصلاة إذا عرف يمينه من شماله ، وعن زين العابدين أنه كان يأمر الصبيان أن يصلوا الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء جميعا ، فقيل له يصلون الصلاة لغير وقتها فقال هذا خير من أن يتناهوا عنها ، وعن ابن مسعود رضي الله عنه إذا بلغ الصبي عشر سنين كتبت له الحسنات ولا تكتب عليه السيئات حتى يحتلم ، ثم قال أبو بكر الرازي إنما يؤمر بذلك على وجه التعليم وليعتاده ويتمرن عليه فيكون أسهل عليه بعد البلوغ وأقل نفورا منه ، وكذلك يجنب شرب الخمر ولحم الخنزير ، وينهى عن سائر المحظورات لأنه لو لم يمنع منه في الصغر لصعب عليه الامتناع بعد الكبر ، وقال الله تعالى : { قوا أنفسكم وأهليكم نارا } قيل في التفسير أدبوهم وعلموهم .
المسألة الرابعة : قال الأخفش : يقال في الحلم حلم الرجل بفتح اللام ، يحلم حلما بضم اللام ، ومن الحلم حلم بضم اللام ، يحلم حلما بكسر اللام .
أما قوله تعالى : { ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قوله : { ثلاث مرات } يعني ثلاث أوقات ، لأنه تعالى فسرهن بالأوقات ، وإنما قيل ثلاث مرات للأوقات ، لأنه أراد مرة في كل وقت من هذه الأوقات ، لأنه يكفيهم أن يستأذنوا في كل واحد من هذه الأوقات مرة واحدة ، ثم بين الأوقات فقال : { من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء } ، يعني الغالب في هذه الأوقات الثلاثة أن يكون الإنسان متجردا عن الثياب مكشوف العورة .
المسألة الثانية : قوله : { ثلاث عورات } قرأ أهل الكوفة : { ثلاث } بالنصب على البدل من قوله : { ثلاث مرات } وكأنه قال في أوقات ثلاث عورات لكم ، فلما حذف المضاف أعرب المضاف إليه بإعرابه وقراءة الباقين بالرفع ، أي هي ثلاث عورات فارتفع لأنه خبر مبتدأ محذوف ، قال القفال فكأن المعنى ثلاث انكشافات والمراد وقت الانكشاف .
المسألة الثالثة : العورة الخلل ومنه أعور الفارس وأعور المكان والأعور المختل العين ، فسمى الله تعالى كل واحدة من تلك الأحوال عورة ، لأن الناس يختل حفظهم وتسترهم فيها .
المسألة الرابعة : الآية دالة على أن الواجب اعتبار العلل في الأحكام إذا أمكن لأنه تعالى نبه على العلة في هذه الأوقات الثلاثة من وجهين : أحدهما : بقوله تعالى : { ثلاث عورات لكم } والثاني : بالتنبيه على الفرق بين هذه الأوقات الثلاثة وبين ما عداها بأنه ليس ذاك إلا لعلة التكشف في هذه الأوقات الثلاثة ، وأنه لا يؤمن وقوع التكشف فيها . وليس كذلك ما عدا هذه الأوقات .
المسألة الخامسة : من الناس من قال إن قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلمو على أهلها } فهذا يدل على أن الاستئذان واجب في كل حال ، وصار ذلك منسوخا بهذه الآية في غير هذه الأحوال الثلاثة ، ومن الناس من قال الآية الأولى أريد بها المكلف لأنه خطاب لمن آمن ، وما ذكره الله تعالى في هذه الآية فهو فيمن ليس بمكلف فقيل فيه إن في بعض الأحوال لا يدخل إلا بإذن ، وفي بعضها بغير إذن . فلا وجه لحمل ذلك على النسخ ، لأن ما تناولته الآية الأولى من المخاطبين لم تتناوله الآية الثانية أصلا ، فإن قيل بتقدير أن يكون قوله تعالى : { الذين ملكت أيمانكم } يدخل فيه من قد بلغ فالنسخ لازم ، قلنا لا يجب ذلك أيضا ، لأن قوله : { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم } لا يدخل إلا من يملك البيوت لحق هذه الإضافة ، وإذا صح ذلك لم يدخل تحت العبيد والإماء ، فلا يجب النسخ أيضا على هذا القول ، فأما إن حمل الكلام على صغار المماليك فالقول فيه أبين .
المسألة السادسة : قال أبو حنيفة رحمه الله : لم يصر أحد من العلماء إلى أن الأمر بالاستئذان منسوخ . وروى عطاء عن ابن عباس أنه قال : ثلاث آيات من كتاب الله تركهن الناس ولا أرى أحدا يعمل بهن ، قال عطاء حفظت اثنتين ونسيت واحدة ، وقرأ هذه الآية وقوله : { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى } وذكر سعيد بن جبير أن الآية الثالثة قوله : { وإذا حضر القسمة أولوا القربى } الآية .
أما قوله تعالى : { ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض } ففيه سؤالات :
السؤال الأول : أتقولون في قوله : { ليس عليكم ولا عليهم جناح } أنه يقتضي الإباحة على كل حال ؟ الجواب : قد بينا أن ذلك هو في الصغار خاصة ، فمباح لهم الدخول للخدمة بغير الإذن في غير الأوقات الثلاثة ، ومباح لنا تمكينهم من ذلك والدخول عليهم أيضا .
السؤال الثاني : فهل يقتضي ذلك إباحة كشف العورة لهم ؟ الجواب : لا وإنما أباح الله تعالى ذلك من حيث كانت العادة أن لا تكشف العورة في غير تلك الأوقات ، فمتى كشفت المرأة عورتها مع ظن دخول الخدم إليها فذلك يحرم عليها ، فإن كان الخادم ممن يتناوله التكليف فيحرم عليه الدخول أيضا إذا ظن أن هناك كشف عورة ، فإن قيل أليس من الناس من جوز للبالغ من المماليك أن ينظر إلى شعر مولاته ؟ قلنا من جوز ذلك أخرج الشعر من أن يكون عورة لحق الملك ، كما يخرج من أن يكون عورة لحق الرحم ، إذ العورة تنقسم ففيه ما يكون عورة على كل حال . وفيه ما يختلف حاله بالإضافة فيكون عورة مع الأجنبي غير عورة غيره على ما تقدم ذكره .
السؤال الثالث : أتقولون هذه الإباحة مقصورة على الخدم دون غيرهم ؟ الجواب : نعم وفي قوله : { ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن } دلالة على أن هذا الحكم يختص بالصغار دون البالغين على ما تقدم ذكره ، وقد نص تعالى على ذلك من بعد فقال : { وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم } .
ما ملكت أيمانكم : العبيد والإماء .
الحلم : بضم اللام وسكونها ، البلوغ .
الظهيرة : وقت اشتداد الحر عند منتصف النهار .
العورة من الجسم : كل ما يستحي الإنسان أن يظهرهُ من جسمه .
ثلاث عورات : ثلاث مرات في الأوقات التي تستريحون فيها .
طوافون عليكم : يطوفون عليكم للخدمة والمخالطة .
في هذه الآية توجيهٌ للمؤمنين وتربيةٌ وتعليم إلى اللّياقة الاجتماعية في محيط الأسرة ، وذلك أن اندماجَ الخدم والصبيان في أسَرهم قد يتجاوز بهم الاحتشامَ في المخالطة فيدخلون على الكبار دون استئذان في هذه الأوقات الثلاثة المذكورة في الآية .
نظرا لأنها أوقات خلوة وحرية شخصية ويتحلل الإنسان فيها من لباس الحشمة ، جاء القرآن الكريم بتشريع الاستئذان في تلك الأوقات بالنسبة لمن ذكرتُهم من الخدم والصبيان حتى لا يطلعوا على ما يعتبر سراً لا يستساغ اطلاعهم عليه ، إذ هو كالعورة التي ينبغي سترها .
وفي هذا توجيه لأعضاء الأسرة المؤمنة إلى اتخاذ الملابس اللائقة لمقابلة بعضهم البعض حتى تظل كرامتهم مصونة ، وحريتهم مكفولة وآدابهم مرعية ، فالقرآن الكريم جاء ليعلّمنا ويوجهنا إلى الخير وفضائل الأخلاق وحسن المعاشرة .
وكان الخدم والصبيان والعبيد قبل هذا يدخلون على بعضهم دون استئذان . وهناك روايات عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وأسماء بنت مرثد وغيرهما أن بعض الخدم دخل عليهم في بعض هذه الأوقات فتأذوا من ذلك فنزلت هذه الآية ، وهناك أحاديث كثيرة في هذا الموضع .
بيّن الله تعالى في هذه الآية أن على الأطفال والخدم أن يستأذنوا للدخول على الكبار في ثلاثة أوقات من اليوم هي : قبل الفجر ، وعند الاستراحة وقت الظهيرة ، ومن بعد صلاة العشاء . وفيما عدا ذلك يمكن أن يدخلوا دون إذن .
قرأ الجمهور : { ثَلاثُ عورات } بضم الثاء ، وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي : { ثَلاثَ عورات } بفتح الثاء .
{ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ } الخ رجوع عند الأكثرين إلى بيان تتمة الأحكام السابقة بعد تمهيد ما يوجب الامتثال بالأوامر والنواهي الواردة فيها وفي الأحكام اللاحقة من التمثيلات والترغيب والترهيب والوعد والوعيد ، وفي التحقيق ويحتمل أن يقال : إنه مما يطاع الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فيه ، وتخصيصه بالذكر لأن دخوله في الطاعة باعتبار أنه من الآداب أبعد من غيره ، والخطاب إما للرجال خاصة والنساء داخلات في الحكم بدلالة النص أو للفريقين تغليباً ، واعترض الأول بأن الآية نزلت بسبب النساء ، فقد روي أن أسماء بنت أبي مرثد دخل عليها غلام كبير لها في وقت كرهت دخوله فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إن خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حال نكرهها فنزلت ، وقد ذكر في «الإتقان » أن دخول سبب النزول في الحكم قطعي .
وأجيب بأنه ما المانع من أن يعلم الحكم في السبب بطريق الدلالة والقياس الجلي ويكون ذلك في حكم الدخول ، ونقل عن السبكي أنه ظني فيجوز إخراجه ؛ وتمام الكلام في ذلك في كتب الأصول ، ثم ما ذكر في سبب النزول ليس مجمعاً عليه ، فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث وقت الظهيرة إلى عمر رضي الله تعالى عنه غلاماً من الأنصار يقال له مدلج وكان رضي الله تعالى عنه نائماً فدق عليه الباب ودخل فاستيقظ وجلس فانكشف منه شيء فقال عمر رضي الله تعالى عنه : لوددت أن الله تعالى نهى آباءنا وأبناءنا وخدمنا عن الدخول علينا في هذه الساعة إلا بإذن فانطلق معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد هذه الآية قد نزلت فخر ساجداً ، وهذا أحد موافقات رأيه الصائب رضي الله تعالى عنه للوحي ، وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي أنه قال : كان أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعبهم أن يواقعوا نساءهم في هذه الساعات فيغتسلوا ثم يخرجون إلى الصلاة فأمرهم الله تعالى أن يأمروا المملوكين والغلمان أن لا يدخلوا عليهم في تلك الساعات إلا بإذن بقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا } ويعلم منه أن الأمر في قوله سبحانه : { لِيَسْتَأْذِنكُمُ الذين مَلَكَتْ أيمانكم والذين لَمْ يَبْلُغُواْ الحلم مِنكُمْ } وإن كان في الظاهر للمملوكين والصبيان لكنه في الحقيقة للمخاطبين فكأنهم أمروا أن يأمروا المذكورين بالاستئذان وبهذا ينحل ما قيل : كيف يأمر الله عز وجل من لم يبلغ الحلم بالاستئذان وهو تكليف ولا تكليف قبل البلوغ ، وحاصله أن الله تعالى لم يأمره حقيقة وإنما أمر سبحانه الكبير أن يأمره بذلك كما أمره أن يأمره بالصلاة ، فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين " وأمره بما ذكر ونحوه من باب التأديب والتعليم ولا إشكال فيه ، وقيل : الأمر للبالغين من المذكورين على الحقيقة ولغيرهم على وجه التأديب ، وقيل : هو للجميع على الحقيقة والتكليف يعتمد التمييز ولا يتوقف على البلوغ فالمراد بالذين لم يبلغوا الحلم المميزون من الصغار وهو كما ترى . واختلف في هذا الأمر فذهب بعض إلى أنه للوجوب ، وذهب الجمهور إلى أنه للندب وعلى القولين هو محكم على الصحيح وسيأتي تمام الكلام في ذلك ، والجمهور على عموم { الذين مَلَكَتْ أيمانكم } في العبيد والإماء الكبار والصغار ، وعن ابن عمر . ومجاهد أنه خاص بالذكور كما هو ظاهر الصيغة وروي ذلك عن أبي جعفر . وأبي عبد الله رضي الله تعالى عنهما ، وقال السلمي : إنه خاص بالإناث وهو قول غريب لا يعول عليه ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما تخصيصه بالصغار وهو خلاف الظاهر جداً ، والمراد بالذين لم يبلغوا الحلم الصبيان ذكوراً وإناثاً على ما يقتضيه ما مر في سابقه عن الجمهور وخص بالمراهقين منهم ، و { مّنكُمْ } لتخصيصهم بالأحرار ويشعر به المقابلة أيضاً .
وفي «البحر » هو عام في الأطفال عبيداً كانوا أو أحراراً ، وكني عن القصور عن درجة البلوغ بما ذكر لأن الاحتلام أقوى دلائله ، وقد اتفق الفقهاء على أنه إذا احتلم الصبي فقد بلغ ، واختلفوا فيما إذا بلغ خمس عشرة سنة ولم يحتلم فقال أبو حنيفة في المشهور : لا يكون بالغاً حتى يتم له ثماني عشرة سنة وكذا الجارية إذ لم تحتلم أو لم تحض أو لم تحبل لا تكون بالغة عنده حتى يتم لها سبع عشرة سنة ، ودليله قوله تعالى : { وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتي هِىَ أَحْسَنُ حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ } [ الأنعام : 152 ] وأشد الصبي كما روي عن ابن عباس وتبعه القتيبي ثماني عشرة سنة وهو أقل ما قيل فيه فيبنى الحكم عليه للتيقن به غير أن الإناث نشؤهن وإدراكهن أسرع فنقص في حقهن سنة لاشتمالها على الفصول الأربعة التي يوافق واحد منها المزاج لا محالة ، وقال صاحباه . والشافعي . وأحمد : إذا بلغ الغلام والجارية خمس عشرة سنة فقد بلغا وهو رواية عن الإمام رضي الله تعالى عنه أيضاً وعليه الفتوى .
ولهم أن العادة الفاشية أن لا يتأخر البلوغ فيهما عن هذه المدة وقيدت العادة بالفاشية لأنه قد يبلغ الغلام في اثنتي عشرة سنة وقد تبلغ الجارية في تسع سنين ، واستدل بعضهم على ما تقدم بما روى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه عرض على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وله أربع عشرة سنة فلم يجزه وعرض عليه عليه الصلاة والسلام يوم الخندق وله خمس عشرة سنة فأجازه ، واعترض أبو بكر الرازي على ذلك بأن أحداً كان في سنة ثلاث والخندق في سنة خمس فكيف يصح ما ذكر في الخبر ، وأيضاً لا دلالة فيه على المدعي لأن الإجازة في القتال لا تعلق لها بالبلوغ فقد لا يؤذن البالغ لضعفه ويؤذن غير البالغ لقوته وقدرته على حمل السلاح .
ولعل عدم إجازته عليه الصلاة والسلام ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أولاً إنما كان لضعفه ويشعر بذلك أنه صلى الله عليه وسلم ما سأله عن الاحتلام والسن . ومما تفرد به الشافعي رضي الله تعالى عنه على ما قيل جعل الإنبات دليلاً على البلوغ واحتج له بما روى عطية القرظى أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل من أنبت من قريظة واستحياء من لم ينبت قال : فنظروا إلي فلم أكن قد أنبت فاستبقاني صلى الله عليه وسلم ؛ وتعقبه أبو بكر الرازي بأن هذا الخبر لا يجوز إثبات الشرع بمثله فإن عطية هذا مجهول لا يعرف إلا من هذا الخبر ، وأيضاً هو مختلف الألفاظ ففي بعض رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل من جرت عليه المواسي ، وأيضاً يجوز أن يكون الأمر بقتل من أنبت ليس لأنه بالغ بل لأنه قوي فإن الإنبات يدل على القوة البدنية ، وانتصر للشافعي بأن الاحتمال مردود بما روي عن عثمان رضي الله تعالى عنه أنه سئل عن غلام فقال : هل اخضر إزاره فإنه يدل على أن ذلك كان كالأمر المتفق عليه فيما بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، ثم المشهور عن الشافعي عليه الرحمة جعل ذلك دليلاً على البلوغ في حق أطفال الكفار ، وتكلف الشافعية في الانتصار له ورد التشنيع عليه بما لا يخفى ما فيه على من راجعه .
ومن الغريب ما روي عن قوم من السلف أنهم اعتبروا في البلوغ أن يبلغ الإنسان في طوله خمسة أشبار ، وروي عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال : إذا بلغ الغلام خمسة أشبار فقد وقعت عليه الحدود يقتص له ويقتص منه .
وعن ابن سيرين عن أنس قال : أتى أبو بكر رضي الله تعالى عنه بغلام قد سرق فأمر به فشبر فنقص أنملة فخلى عنه ، وبهذا المذهب أخذ الفرزدق في قوله يمدح يزيد بن المهلب :
ما زال مذ عقدت يداه إزاره *** وسما فأدرك خمسة الأشبار
يدني كتائب من كتائب تلتقي *** بالطعن يوم تجاول وغوار
وأكثر الفقهاء لا يقولون به لأن الإنسان قد يكون دون البلوغ ويكون طويلاً وفوق البلوغ ويكون قصيراً فلا عبرة بذلك . ولعل الأخبار السابقة لا تصح . وما نقل عن الفرزدق لا يتعين إرادة البلوغ فيه ، ومن الناس من قال : إنه أراد بخمسة الأشبار القبر كما قال الآخر :
عجباً لأربع أذرع في خمسة *** في جوفه جبل أشم كبير
هذا وقرأ الحسن . وأبو عمرو في رواية { الحلم } بسكون اللام وهي لغة تميم ، وذكر الراغب أن الحلم بالضم والحلم السكون كلاهما مصدر حلم في نومه بكذا بالفتح إذا رآه في المنام يحلم بالضم ولم يخص ذلك بلغة دون أخرى ، وعن بعضهم عد حلماً بالفتح مصدراً لذلك أيضاً ، وفي «الصحاح » الحلم بالضم ما يراه النائم تقول منه : حلم بالفتح واحتلم وتقول حلمت بكذا وحلمته أيضاً فيتعدى بالباء وبنفسه قال :
فحلمتها وبنور فيدة دونها *** لا يبعدن خيالها المحلوم
والحلم بكسر الحاء الأناة تقول منه : حلم الرجل بالضم إذا صار حليماً ، وفي «القاموس » الحلم بالضم وبضمتين الرؤيا جمعه أحلام ثم قال : وحلم به وعنه رأى له رؤيا أو رآه في النوم والحلم بالضم والاحتلام الجماع في النوم والاسم الحلم كعتق والحلم بالكسر الأناة والعقل وجمعه أحلام وحلوم اه ، والظاهر أن ما نحن فيه بمعنى الجماع في النوم وهو الاحتلام المعروف ووجه الكناية السابقة عليه ظاهر .
وقال الراغب : الحلم زمان البلوغ وسمي الحلم لكونه جديراً صاحبه بالحلم أي الأناة وضبط النفس عن هيجان الغضب وفي النفس منه شيء { ثَلاَثَ مَرَّاتٍ } أي ثلاث أوقات في اليوم والليلة ، والتعبير عنها بالمرات للإيذان بأن مدار طلب الاستئذان مقارنة تلك الأوقات لمرور المستأذنين بالمخاطبين لا أنفسها فنصب { ثَلاَثَ مَرَّاتٍ } على الظرفية للاستئذان وهو الذي ذهب إليه الجمهور ويدل على ما ذكر قوله تعالى : { مّن قَبْلِ صلاة الفجر } الخ فإن الظاهر أنه في محل النصب أو الجر كما قيل أنه بدل من { ثلاث } أو من { مَرَّاتٍ } بدل مفصل من مجمل .
وجوز أن يكون في محل الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي أحدها من قبل الخ وهو أيضاً يدل على ما ذكرنا ، واختار في «البحر » أن المعنى ثلاث استئذانات كما هو الظاهر فإنك إذا قلت : ضربت ثلاث مرات لا يفهم منه إلا ثلاث ضربات ، ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام " الاستئذان ثلاث " وعليه يكون { ثَلاَثَ مَرَّاتٍ } مفعولاً مطلقاً للاستئذان و { مِن قَبْلُ } الخ ظرف له ، وشرع الاستئذان من قبل صلاة الفجر لظهور أنه وقت القيام عن المضاجع وطرح ثياب النوم ولبس ثياب اليقظة وكل ذلك مظنة انكشاف العورة . وأيضاً كثيراً ما يجنب الشخص ليلاً فيغتسل في ذلك الوقت ويستحي من الاطلاع عليه في تلك الحالة ولو مستور العورة { وَحِينَ تَضَعُونَ ثيابكم } أي وحين تخلعون ثيابكم التي تلبسونها في النهار وتحطونها عنكم { مّنَ الظهيرة } بيان للحين ، والظهير كما قال الراغب وقت الظهر ، وفي «القاموس » هي حد انتصاف النهار أو إنما ذلك في القيظ .
وجوز أن تكون { مِنْ } أجلية والكلام على حذف مضاف أي وحين تضعون ثيابكم من أجل حر الظهيرة ، وفسر بعضهم الظهيرة بشدة الحر عند انتصاف النهار فلا حاجة إلى الحذف ؛ و { حِينٍ } عطف على { مِن قَبْلُ } وهو ظاهر على تقدير كونه في محل نصب ، وأما على التقديرين الآخرين فيلتزم القول ببناء حين على الفتح وإن أضيف إلى مضارع كما قيل في قوله تعالى : { هذا يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين صِدْقُهُمْ } [ المائدة : 119 ] على قراءة فتح ميم يوم ، والتصريح بمدار الأمر أعني وضع الثياب في هذا الحين دون ما قبل وما بعد لما أن التجرد عن الثياب فيه لأجل القيلولة لقلة زمانها كما ينبئ عنه إيراد الحين مضافاً إلى فعل حادث متقض ووقوعها في النهار الذي هو مئنة لكثرة الورود والصدور ومظنة لظهور الأحوال وبروز الأمور ليس من التحقق والاطراد بمنزلة ما في الوقتين المذكورين فإن تحقق المدار فيهما أمر معروف لا يحتاج إلى التصريح به .
{ وَمِن بَعْدِ صلاة العشاء } ضرورة أنه وقت التجرد عن لباس اليقظة والالتحاف بثياب النوم وكثيراً ما يتعاطى فيه مقدمات الجماع وإن كان الأفضل تأخيره لمن لا يغتسل على الفور إلى آخر الليل ، ويعلم مما ذكر في حيز بيان حكمة مشروعية الاستئذان في الوقت الأول والوقت الأخير أن المراد بالقبلية والبعدية المذكورتين ليس مطلقهما المتحقق في الوقت الممتد المتخلل بين صلاة الفجر وصلاة العشاء بل المراد بهما طرفا ذلك الوقت الممتد المتصلان اتصالاً عادياً بالصلاتين المذكورتين وعدم التعرض للأمر بالاستئذان في الباقي من الوقت الممتد إما لانفهامه بعد الأمر بالاستئذان في الأوقات المذكورة من باب الأولى ، وإما لندرة الوارد فيه جداً كما قيل ، وقيل إن ذاك لجريان العادة على أن من ورد فيه لا يرد حتى يعلم أهل البيت لما في الورود ودخول البيت فيه من دون إعلام أهله من التهمة ما لا يخفى .
وقوله تعالى : { ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ } خبر مبتدأ محذوف ، وقوله سبحانه : { لَكُمْ } متعلق بمحذوف وقع صفة له أي هن ثلاث عورات كائنة لكم ، والعورة الخلل ومنه أعور الفارس وأعور المكان إذا اختل حاله والأعور المختل العين ، وعورة الإنسان سوأته وأصلها كما قال الراغب : من العار وذلك لما يلحق في ظهورها من العار أي المذمة ، وضميرهن المحذوف للأوقات الثلاثة ، والكلام على حذف مضاف أي هن ثلاث أوقات يختل فيها التستر عادة ، وقدر أبو البقاء المضاف قبل { ثلاث } فقال : أي هي أوقات ثلاث عورات أولاً حذف فيه ، وإطلاق العورات على الأوقات المذكورة المشتملة عليها للمبالغة كأنها نفس العورات ، والجملة استئناف مسوق لبيان علة طلب الاستئذان في تلك الأوقات .
وقرأ أبو بكر . وحمزة . والكسائي { ثلاث } بالنصب على أنه بدل من { ثَلاَثَ مَرَّاتٍ } وجوز أبو البقاء كونه بدلاً من الأوقات المذكورة ، وكونه منصوباً بإضمار أعني .
وقرأ الأعمش { عورات } بفتح الواو وهي لغة هذيل بن مدركة . وبني تميم { لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ } أي على الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم { جُنَاحٌ } أي في الدخول بغير استئذان { بَعْدَهُنَّ } أي بعد كل واحدة من تلك العورات الثلاث وهي الأوقات المتخللة بين كل اثنين منهن ، وإيرادها بعنوان البعدية مع أن كل وقت من تلك الأوقات قبل كل عورة من العورات كما أنها بعد أخرى منهن لتوفية حق التكليف والترخيص الذي هو عبارة عن رفعه إذ الرخصة إنما تتصور في فعل يقع بعد زمان وقوع الفعل المكلف كذا في إرشاد العقل السليم ، وظاهره أنه لا حرج في الدخول بغير استئذان في الوقت المتخلل بين ما بعد صلاة العشاء وما قبل صلاة الفجر بالمعنى السابق للبعدية والقبلية ، ومقتضى ما قدمنا ثبوت الحرج في ذلك فيكون كالمستثنى مما ذكر .
وكان الظاهر أن يقال : ليس عليهم جناح بعدهن وعدم التعرض لنفي أن يكون على المخاطبين جناح لأن المأمورين ظاهراً فيما تقدم بالاستئذان في العورات الثلاث هم المماليك والمراهقون الأحرار لا غير ، وإن اعتبر المأمورون في الحقيقة فيما مر كان الظاهر ههنا أن يقال : ليس عليكم جناح بعدهن مقتصراً عليه ، ولعل اختيار ما في «النظم الجليل » لرعاية المبالغة في الإذن بترك الاستئذان فيما عدا تلك الثلاث حيث نفى الجناح عن المأمورين به فيها ظاهراً وحقيقة .
والظاهر أن المراد بالجناح الإثم الشرعي ، واستشكل بأنه يفهم من الآية ثبوت ذلك للمخاطبين إذا دخل المماليك والذين لم يبلغوا الحلم منهم عليهم من غير استئذان في تلك العورات مع أنه لا تزر وازرة وزر أخرى وثبوته للمماليك والصغار كذلك مع أن الصغار غير مكلفين فلا يتصور في حقهم الإثم الشرعي .
وأجيب بأن ثبوت ذلك لمن ذكر بواسطة المفهوم ولا عبرة به عندنا ، وعلى القول باعتباره يمكن أن يكون ثبوته للمخاطبين حينئذٍ لتركهم تعليمهم والتمكين من الدخول عليهم ويبقى إشكال ثبوته للصغار ولا مدفع له إلا بالتزام القول بأن التكليف يعتمد التمييز ولا يتوقف على البلوغ وهو خلاف ما عليه جمهور الأئمة .
/ ويرد على القول بأن ثبوت ذلك لمن ذكر بواسطة المفهوم بحث لا يخفى . والتزم في الجواب كون المراد بالجناح الإثم العرفي الذي مرجعه ترك الأولى وإلا خلق من حيث المروءة والأدب وجواز ثبوت ذلك للمكلف وغير المكلف مما لا كلام فيه فكأن المعنى ليس عليكم أيها المؤمنون جناح في دخولهم عليكم بعدهن لترككم تعليمهم وتمكينكم إياهم منه المفضي إلى الوقوف على ما تأبى المروءة والغيرة الوقوف عليه ولا عليهم جناح في ذلك لإخلالهم بالأدب المفضي إلى الوقوف على ما تكره ذوو الطباع السليمة الوقوف عليه وينفعون منه .
ولا يأبى ذلك تقدم الأمر السابق ولا ما في الإرشاد من بيان نكتة إيراد العورات الثلاث بعنوان البعدية بما سمعت فتدبر فإنه دقيق .
وذهب بعضهم إلى أن قوله تعالى : { يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلّمُواْ على أَهْلِهَا } [ النور : 27 ] منسوخ بهذه الآية حيث دلت على جواز الدخول بدون استئذان بعد الأوقات الثلاث ودل ذلك على خلافه ومن ذهب إليه قال : إنها في الصبيان ومماليك المدخول عليه وآية الاستئذان في الأحرار البالغين ومماليك الغير في حكمهم فلا منافاة ليلتزم النسخ . ثم اعلم أن نفي الجناح بعدهن على من ذكر ليس على عمومه فإنه متى تحقق أو ظن كون أهل البيت على حال يكرهون اطلاع المماليك والمراهقين من الأحرار عليها كانكشاف عورة أحدهم ومعاشرته لزوجته أو أمته إلى غير ذلك لا ينبغي الدخول عليهم بدون استئذان سواء كان ذلك في إحدى العورات الثلاث أو في غيرها والأمر بالاستئذان فيها ونفي الجناح بعدها بناءً على العادة الغالبة من كون أهل البيت في الأوقات الثلاث المذكورة على حال يقتضي الاستئذان وكونهم على حال لا يقتضيه في غيرها .
هذا وفي الآية توجيه آخر ذكره أبو حيان وظاهر صنيعه اختياره وعليه اقتصر أبو البقاء وهو أن التقدير ليس عليكم ولا عليهم جناح بعد استئذانهم فيهن فحذف الفاعل وحرف الجر فبقي بعد استئذانهن ثم حذف المصدر فصار بعدهن ، وعليه تقل مؤنة الكلام في الآية إلا أنه خلاف الظاهر جداً . والجمهور على ما سمعت أولاً في معناها ، والظاهر أن الجملة على القراءتين السابقتين في ثلاث مستأنفة مسوقة لتقرير ما قبلها ، وفي «الكشاف » أنها إذا رفع { ثلاث } كانت في محل رفع على الوصف . والمعنى هن ثلاث مخصوصة بالاستئذان وإذا نصب لم يكن لها محل وكانت كلاماً مقرراً للاستئذان في تلك الأحوال خاصة ، وقال في ذلك صاحب التقريب : إن رفع الحرج وراء الأوقات الثلاثة مقصود في نفسه فإذا وصف به { ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ } نصباً وهو بدل من ثلاث مرات كان التقدير ليستأذنكم هؤلاء في ثلاث عورات مخصوصة بالاستئذان . ويدفعه وجوه مستفادة من علم المعاني . أحدها : اشتراط تقدم علم السامع بالوصف وهو منتف إذ لم يعلم إلا من هذا . والثاني : جعل الحكم المقصود وصفاً للظرف فيصير غير مقصود . والثالث : أن الأمر بالاستئذان في المرات الثلاث حاصل وصفت بأن لا حرج وراءها أو لم توصف فيضيع الوصف . وأما إذا وصف المرفوع فيزول الدوافع لأنه ابتداء تعليم أي هن ثلاث مخصوصة بالاستئذان وصفة للخبر المقصود ولم يتقيد أمر الاستئذان به فليتأمل فإنه دقيق جليل انتهى ، وتعقب بأن الوجهين الأخيرين ساقطان لا طائل تحتهما والأول هو الوجه . فإن قيل : هو مشترك الإلزام قيل : قد تقدم في قوله تعالى : { لِيَسْتَأْذِنكُمُ } ما يرشد إلى العلم بذلك وليست الجملة الأخيرة من أجزائه كما هي كذلك على فرض جعلها صفة للبدل ولا يحتاج مع هذا إلى حديث أن رفع الحرج وراء الأوقات الثلاثة مقصود في نفسه بل قيل هو في نفسه ليس بشيء فقد قال الطيبي : إن المقصود الأولى الاستئذان في الأوقات المخصوصة ورفع الحرج في غيرها تابع له لقول المحدث رضي الله تعالى عنه لوددت أن الله عز وجل نهى آباءنا وخدمنا عن الدخول علينا في هذه الساعة إلا بإذن ثم انطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد نزلت الآية .
وفي «الكشف » أنه جىء به أي بالكلام الدال على رفع الحرج أعني { لَيْسَ عَلَيْكُمْ } الخ على رفع { ثلاث } مؤكداً للسالف على طريق الطرد والعكس وكذلك إذا نصب وجعل استئنافاً وأما إذا جعل وصفاً فيفوت هذا المعنى . وهذا أيضاً من الدوافع انتهى فتأمل ولا تغفل .
وقوله تعالى : { طَوافُونَ عَلَيْكُمْ } خبر مبتدأ محذوف أي هم طوافون والجملة استئناف ببيان العذر المرخص في ترك الاستئذان وهو المخالطة الضرورية وكثرة المداخلة . وفيه دليل على تعليل الأحكام الشرعية وكذا في الفرق بين الأوقات الثلاث وغيرها بأنها عورات . وقوله عز وجل : { بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ } جوز أن يكون مبتدأ وخبراً ومتعلق الجار كون خاص حذف لدلالة ما قبله عليه أي بعضكم طائف على بعض ، وجوز أن يكون معمولاً لفعل محذوف أي يطوف بعضكم على بعض ، وقال ابن عطية : { بَعْضُكُمْ } بدل من { طَوافُونَ } ، وتعقبه في «البحر » بأنه إن أراد أنه بدل من { طَوافُونَ } نفسه فلا يجوز لأنه يصير التقدير هم بعضكم على بعض وهو معنى لا يصح وإن أراد أنه بدل من الضمير فيه فلا يصح أيضاً إن قدر الضمير ضمير غيبة لتقديرهم لأنه يصير التقدير هم يطوف بعضكم على بعض وإن جعل التقدير أنتم يطوف عليكم بعضكم على بعض فيدفعه أن { عَلَيْكُمْ } يدل على أنهم هم المطوف عليهم وأنتم طوافون يدل على أنهم طائفون فيتعارضان ، وقيل : يقدر أنتم طوافون ويراد بأنتم المخاطبون والغيب من المماليك والصبيان وهو كما ترى ، وجوز أبو البقاء كون الجملة بدلاً من التي قبلها وكونها مبينة مؤكدة ، ولا يخفى عليك ما تضمنته من جبر قلوب المماليك بجعلهم بعضاً من المخاطبين وبذلك يقوى أمر العلية . وقرأ ابن أبي علبة { طوافين } بالنصب على الحال من ضمير عليهم { قَالَ كذلك } إشارة إلى مصدر الفعل الذي بعد على ما مر تفصيله في تفسير قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا } [ البقرة : 143 ] وفي غيره أيضاً أي مثل ذلك التبيين { يُبيّنُ الله لَكُمُ الآيات } الدالة على ما فيه نفعكم وصلاحكم أي ينزلها مبينة واضحة الدلالة لا أنه سبحانه يبينها بعد أن لم تكن كذلك ، وتقديم الجار والمجرور على المفعول الصريح لما مر غير مرة ، وقيل : يبين علل الأحكام . وتعقب بأنه ليس بواضح مع أنه مؤد إلى تخصيص الآيات بما ذكر ههنا .
{ والله عَلِيمٌ } مبالغ في العلم بجميع المعلومات فيعلم أحوالكم { حَكِيمٌ } في جميع أفاعيله فيشرع لكم ما فيه صلاحكم معاشاً ومعاداً .