مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ ٱلرَّحۡمَٰنُ فَسۡـَٔلۡ بِهِۦ خَبِيرٗا} (59)

قوله تعالى : { الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمان فاسأل به خبيرا وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمان قالوا وما الرحمان أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا } .

اعلم أنه سبحانه لما أمر الرسول بأن يتوكل عليه وصف نفسه بأمور أولها : بأنه حي لا يموت وهو قوله : { وتوكل على الحي الذي لا يموت } وثانيها : أنه عالم بجميع المعلومات وهو قوله : { وكفى به بذنوب عباده خبيرا } وثالثها : أنه قادر على كل الممكنات وهو المراد من قوله : { الذي خلق السماوات والأرض } فقوله : { الذي خلق } متصل بقوله : { الحي الذي لا يموت } لأنه سبحانه لما كان هو الخالق للسموات والأرضين ولكل ما بينهما ثبت أنه هو القادر على جميع وجوه المنافع ودفع المضار ، وأن النعم كلها من جهته فحينئذ لا يجوز التوكل إلا عليه . وفي الآية سؤالات :

السؤال الأول : الأيام عبارة عن حركات الشمس في السماوات فقبل السماوات لا أيام ، فكيف قال الله خلقها في ستة أيام ؟ الجواب : يعني في مدة مقدارها هذه المدة لا يقال الشيء الذي يتقدر بمقدار محدود ويقبل الزيادة والنقصان والتجزئة لا يكون عدما محضا ، بل لابد وأن يكون موجودا فيلزم من وجوده وجود مدة قبل وجود العالم وذلك يقتضي قدم الزمان ، لأنا نقول هذا معارض بنفس الزمان ، لأن المدة المتوهمة المحتملة لعشرة أيام لا تحتمل خمسة أيام ، والمدة المتوهمة التي تحتمل خمسة أيام لا تحتمل عشرة أيام ، فيلزم أن يكون للمدة مدة أخرى ، فلما لم يلزم هذا لم يلزم ما قلتموه وعلى هذا نقول لعل الله سبحانه خلق المدة أولا ثم السماوات والأرض فيها بمقدار ستة أيام ، ومن الناس من قال في ستة أيام من أيام الآخرة وكل يوم ألف سنة وهو بعيد لأن التعريف لابد وأن يكون بأمر معلوم لا بأمر مجهول .

السؤال الثاني : لم قدر الخلق والإيجاد بهذا التقدير ؟ الجواب : أما على قولنا فالمشيئة والقدرة كافية في التخصيص ، قالت المعتزلة بل لابد من داعي حكمة وهو أن تخصيص خلق العالم بهذا المقدار أصلح للمكلفين وهذا بعيد لوجهين : أحدهما : أن حصول تلك الحكمة ، إما أن يكون واجبا لذاته أو جائزا فإن كان واجبا وجب أن لا يتغير فيكون حاصلا في كل الأزمنة ، فلا يصلح أن يكون سببا لتخصيص زمان معين وإن كان جائزا افتقر حصول تلك الحكمة في ذلك الوقت إلى مخصص آخر ويلزم التسلسل . والثاني : أن التفاوت بين كل واحد مما لا يصل إليه خاطر المكلف وعقله ، فحصول ذلك التفاوت لما لم يكن مشعورا به كيف يقدح في حصول المصالح .

واعلم أنه يجب على المكلف سواء كان على قولنا أو على قول المعتزلة أن يقطع الطمع عن أمثال هذه الأسئلة ، فإنه بحر لا ساحل له . من ذلك تقدير الملائكة الذين هم أصحاب النار بتسعة عشر وحملة العرش بالثمانية وشهور السنة باثني عشر والسماوات السبع وكذا الأرض وكذا القول في عدد الصلوات ومقادير النصب في الزكوات وكذا مقادير الحدود والكفارات . فالإقرار بأن كل ما قاله الله تعالى حق هو الدين ، وترك البحث عن هذه الأشياء هو الواجب وقد نص عليه تعالى في قوله :

{ وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا } ثم قال : { وما يعلم جنود ربك إلا هو } وهذا هو الجواب أيضا في أنه لم يخلقها في لحظة وهو قادر على ذلك وعن سعيد بن جبير أنه إنما خلقها في ستة أيام وهو يقدر على أن يخلقها في لحظة تعليما لخلقه الرفق والتثبت ، قيل تم خلقها يوم الجمعة فجعلها الله تعالى عيدا للمسلمين .

السؤال الثالث : ما معنى قوله : { ثم استوى على العرش } ؟ ولا يجوز حمله على الاستيلاء والقدرة ، لأن الاستيلاء والقدرة في أوصاف الله لم تزل ولا يصح دخول ( ثم ) فيه والجواب : الاستقرار غير جائز ، لأنه يقتضي التغير الذي هو دليل الحدوث ، ويقتضي التركيب والبعضية وكل ذلك على الله محال بل المراد ثم خلق العرش ورفعه وهو مستول كقوله تعالى : { ولنبلونكم حتى نعلم } فإن المراد حتى يجاهد المجاهدون ونحن بهم عالمون ، فإن قيل فعلى هذا التفسير يلزم أن يكون خلق العرش بعد خلق السماوات وليس كذلك لقوله تعالى : { وكان عرشه على الماء } قلنا : كلمة ( ثم ) ما دخلت على خلق العرش ، بل على رفعه على السماوات .

السؤال الرابع : كيف إعراب قوله : { الرحمان فاسأل به خبيرا } ؟ الجواب : { الذي خلق } مبتدأ و{ الرحمان } خبره ، أو هو صفة للحي ، والرحمان خبر مبتدأ محذوف . ولهذا أجاز الزجاج وغيره أن يكون الوقف على قوله { على العرش } ثم يبتدئ بالرحمان أي هو الرحمان الذي لا ينبغي السجود والتعظيم إلا له ، ويجوز أن يكون الرحمان مبتدأ وخبره قوله : { فاسأل به خبيرا } .

السؤال الخامس : ما معنى قوله : { فاسأل به خبيرا } ؟ الجواب : ذكروا فيه وجوها أحدها : قال الكلبي معناه فاسأل خبيرا به وقوله : { به } يعود إلى ما ذكرنا من خلق السماء والأرض والاستواء على العرش والباء من صلة الخبير وذلك الخبير هو الله عز وجل لأنه لا دليل في العقل على كيفية خلق الله السماوات والأرض فلا يعلمها أحد إلا الله تعالى وعن ابن عباس أن ذلك الخبير هو جبريل عليه السلام وإنما قدم لرؤوس الآي وحسن النظم . وثانيها : قال الزجاج قوله : { به } معناه عنه والمعنى فاسأل عنه خبيرا ، وهو قول الأخفش ، ونظيره قوله : { سأل سائل بعذاب واقع } وقال علقمة بن عبدة :

فإن تسألوني بالنساء فإنني *** بصير بأدواء النساء طبيب

وثالثها : قال ابن جرير الباء في قوله : { به } صلة والمعنى فسله خبيرا ، وخبيرا نصب على الحال . ورابعها : أن قوله { به } يجري مجرى القسم كقوله : { واتقوا الله الذي تساءلون به } .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ ٱلرَّحۡمَٰنُ فَسۡـَٔلۡ بِهِۦ خَبِيرٗا} (59)

تقدمت الآية في سورة الأعراف 54 ، وسورة يونس 3 .

{ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً } : في هذه الآية الكريمة توجيه علميّ من الله إلى ضرورة البحث والتنقيب فيما يمكن بحثه من مظاهر الكون ونظُمه المختلفة للوقوف على أسرار قدرة الله في إبداع الكون .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ ٱلرَّحۡمَٰنُ فَسۡـَٔلۡ بِهِۦ خَبِيرٗا} (59)

{ الذى خَلَقَ السموات والارض وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى العرش } قد سلف تفسيره . ومحل الموصول الجر على أنه صفة أخرى للحي ، ووصف سبحانه بالصفة الفعلية بعد وصفه جل وعلا بالأبدية التي هي من الصفات الذاتية والإشارة إلى اتصافه تعالى بالعلم الشامل لتقرير وجوب التوكل عليه جل جلاله وتأكيده فإن من أنشأ هذه الأجرام العظام على هذا النمط الفائق والنسق الرائق بتدبير متين وترتيب رصين في أوقات معينة مع كمال قدرته سبحانه على إبداعها دفعة بحكم جليلة وغايات جميلة لا تقف على تفاصيلها العقول أحق من يتوكل عليه وأولى من يفوض الأمر إليه .

وقوله تعالى : { الرحمن } مرفوع على المدح أي هو الرحمن وهو في الحقيقة وصف آخر للحي كما في قراءة زيد بن عبد الرحمن بالجر مفيد لزيادة تأكيد ما ذكر من وجوب التوكل عليه جل شأنه وإن لم يتبعه في الأعراب لما تقرر من أن المنصوب والمرفوع مدحاً وإن خرجا عن التبعية لما قبلهما صورة حيث لم يتبعاه في الأعراب وبذلك سميا قطعاً لكنهما تابعان له حقيقة ، ألا ترى كيف التزموا حذف الفعل والمبتدأ روما لتصوير كل منهما بصورة متعلق من متعلقات ما قبله وتنبياً على شدة الاتصال بينهما وإنما قطعوا للافتنان الموجب لإيقاظ السامع وتحريكه إلى الجد في الإصغار .

وجوز أن يكون الموصول في محل نصب على الاختصاص وأن يكون في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف صفة له أو مبتدأ و { الرحمن } خبره ، وجوز أن يكون { الرحمن } بدلاً من المستكن في { استوى } ويجوز على مذهب الأخفش أن يكون { الرحمن } مبتدأ ، وقوله تعالى : { فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً } خبره على حد تخريجه قول الشاعر :

وقائلة خولان فانكح فتاتهم *** وهو بعيد ، والظاهر أن هذه جملة منقطعة عما قبلها إعراباً ، والفاء فصيحة والجار والمجرور صلة اسأل . والسؤال كما يعدى بعن لتضمنه معنى التفتيش يعدي بالباء لتضمنه معنى الاعتناء . وعليه قول علقمة بن عبيدة :

فإن تسألوني بالنساء فإنني *** خبير بادواء النساء طبيب

فلا حاجة إلى جعلها بمعنى عن كما فعل الأخفش . والزجاج . والضمير راجع إلى ما ذكر إجمالاً من الخلق والاستواء . والمعنى إن شئت تحقيق ما ذكر أو تفصيل ما ذكر فاسأل معتنياً به خبيراً عظيم الشأن محيطاً بظواهر الأمور وبواطنها وهو الله عز وجل يطلعك على جلية الأمر . والمسؤول في الحقيقة تفاصيل ما ذكر لا نفسه إذ بعد بيانه لا يبقى إلى السؤال حاجة ولا في تعديته بالباء المبنية على تضمينه معنى الاعتناء المستدعى لكون المسؤول أمراً خطيراً مهتماً بشأنه غير حاصل للسائل فائدة فإن نفس الخلق والاستواء بعد الذكر ليس كذلك كما لا يخفى .

وكون التقدير إن شككت فهي فاسأل به خبيراً على أن الخطاب له صلى الله عليه وسلم والمراد غيره عليه الصلاة والسلام بمعزل عن السداد ، وقيل : { بِهِ } صلة { خَبِيراً } قدم لرؤس الآي .

وجوز أن يكون الكلام من باب التجريد نحو رأيت به أسداً أي رأيت برؤيته أسداً فكأنه قيل هنا فاسأل بسؤاله خبيراً ، والمعنى إن سألته وجدته خبيراً ، والباء عليه ليست صلة فإنها باء التجريد وهي على ما ذهب إليه الزمخشري سببية والخبر عليه هو الله تعالى أيضاً . وقد ذكر هذا الوجه السجاوندي . واختاره «صاحب الكشف » قال : وهو أوجه ليكون كالتتميم لقوله تعالى : { الذى خَلَقَ } الخ فإنه لإثبات القدرة مدمجاً فيه العلم ، وكون ضمير به راجعاً إلى ما ذكر من الخلق والاستواء ، والخبير في الآية هو الله تعالى مروي عن الكلبي . وروى تفسير الخبير { بِهِ } تعالى عن ابن جريج أيضاً .

وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الخبير هو جبريل عليه السلام ، وقيل : هو من وجد ذلك في الكتب القديمة المنزلة من عنده تعالى أي فاسأل بماذكر من الخلق والاستواء من علم به من أهل الكتب ليصدقك ، وقيل : إذا أريد بالخبير من ذكر فضمير { بِهِ } للرحمن ، والمعنى إن أنكروا إطلاق الرحمن عليه تعالى فاسأل به من يخبرك من أهل الكتاب ليعرفوا مجيء ما يرادفه في كتبهم . وفيه أنه لا يناسب ما قبله ولأن فيه عود الضمير للفظ { الرحمن } دون معناه وهو خلاف الظاهر ولأنه كان الظاهر حينئذ أن يؤخر عن قوله تعالى : { مَا الرحمن } .

وقيل : الخير محمد صلى الله عليه وسلم وضمير { بِهِ } للرحمن ؛ والمراد فاسأل بصفاته والخطاب لغيره صلى الله عليه وسلم ممن لم يعلم ذلك وليس بشيء كما لا يخفى ، وقيل : ضمير { بِهِ } للرحمن ، والمراد فاسأل برحمته وتفاصيلها عارفاً يخبرك بها أو المراد فاسأل برحمته حال كونه عالماً بكل شيء على أن { خَبِيراً } حال من الهاء لا مفعول اسأل كما في الأوجه السابقة .

وجوز أبو البقاء أن يكون { خَبِيراً } حالاً من { الرحمن } إذا رفع باستوى . وقال : يضعف أن يكون حالاً من فاعل اسأل لأن الخبير لا يسأل إلا على جهة التوكيد مثل { وَهُوَ الحق مُصَدّقًا } والوجه الأقرب الأولى في الآية من بين الأوجه المذكورة لا يخفى ، وقرىء { فسل } .