قوله تعالى : { ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون }
قوله تعالى : { ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات } لما ذكر أن ظهور الفساد والهلاك بسبب الشرك ذكر ظهور الصلاح ولم يذكر أنه بسبب العمل الصالح ، لما ذكرنا غير مرة أن الكريم لا يذكر لإحسانه عوضا ، ويذكر لأضراره سببا لئلا يتوهم به الظلم فقال : { يرسل الرياح مبشرات } قيل بالمطر كما قال تعالى : { بشرا بين يدي رحمته } أي قبل المطر ويمكن أن يقال مبشرات بصلاح الأهوية والأحوال ، فإن الرياح لو لم تهب لظهر الوباء والفساد .
ثم قال تعالى : { وليذيقكم من رحمته } عطف على ما ذكرنا ، أي ليبشركم بصلاح الهواء وصحة الأبدان { وليذيقكم من رحمته } بالمطر ، وقد ذكرنا أن الإذاقة تقال في القليل ، ولما كان أمر الدنيا قليلا وراحتها نزر قال : { وليذيقكم } ، وأما في الآخرة فيرزقهم ويوسع عليهم ويديم لهم { ولتجرى الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشركون } لما أسند الفعل إلى الفلك عقبه بقوله : { بأمره } أي الفعل ظاهرا عليه ولكنه بأمر الله ، ولذلك لما قال : { ولتبتغوا } مسندا إلى العباد ذكر بعده { من فضله } أي لا استقلال لشيء بشيء وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : في الترتيب فنقول في الرياح فوائد ، منها إصلاح الهواء ، ومنها إثارة السحاب ، ومنها جريان الفلك بها فقال : { مبشرات } بإصلاح الهواء فإن إصلاح الهواء يوجد من نفس الهبوب ثم الأمطار بعده ، ثم جريان الفلك فإنه موقوف على اختبار من الآدمي بإصلاح السفن وإلقائها على البحر ثم ابتغاء الفضل بركوبها .
المسألة الثانية : قال في قوله تعالى : { ظهر الفساد . . . ليذيقهم بعض الذي عملوا } وقال ههنا { وليذيقكم من رحمته } فخاطب ههنا تشريفا ولأن رحمته قريب من المحسنين فالمحسن قريب فيخاطب والمسيء بعيد فلم يخاطبهم ، وأيضا قال هناك بعض الذي علموا وقال ههنا { من رحمته } فأضاف ما أصابهم إلى أنفسهم وأضاف ما أصاب المؤمن إلى رحمته وفيه معنيان : أحدهما : ما ذكرنا أن الكريم لا يذكر لإحسانه ورحمته عوضا ، وإن وجد فلا يقول أعطيتك لأنك فعلت كذا بل يقول هذا لك مني . وأما ما فعلت من الحسنة فجزاؤه بعد عندي وثانيهما : أن ما يكون بسبب فعل العبد قليل ، فلو قال أرسلت الرياح بسبب فعلكم لا يكون بشارة عظيمة ، وأما إذا قال { من رحمته } كان غاية البشارة ، ومعنى ثالث وهو أنه لو قال بما فعلتم لكان ذلك موهما لنقصان ثوابهم في الآخرة ، وأما في حق الكفار فإذا قال بما فعلتم ينبئ عن نقصان عقابهم وهو كذلك .
المسألة الثالثة : قال هناك { لعلهم يرجعون } وقال ههنا { ولعلكم تشكرون } قالوا وإشارة إلى أن توفيقهم للشكر من النعم فعطف على النعم .
المسألة الرابعة : إنما أخر هذه الآية لأن في الآيات التي قد سبق ذكرها قلنا إنه ذكر من كل باب آيتين فذكر من المنذرات { يريكم البرق } والحادث في الجو في أكثر الأمر نار وريح فذكر الرياح ههنا تذكيرا وتقريرا للدلائل ، ولما كانت الريح فيها فائدة غير المطر وليس في البرق فائدة إن لم يكن مطر ذكر هناك خوفا وطمعا ، أي قد يكون وقد لا يكون وذكر ههنا { مبشرات } لأن تعديل الهواء أو تصفيته بالريح أمر لازم ، وحكمه به حكم جازم .
من الدلائل على قدرة الله ورحمته أنه يبعث الرياحَ مبشّراتٍ بالمطر الذي يسقيكم ويروي زروعكم ، ولتجري فيه السفن في البحار . كذلك لتطلبوا الرزق من فضل الله بالتجارة وغيرها ، واستغلال ما في البر والبحر ، ولتشكروه على نعمه التي لا تحصى . { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا } سورة إبراهيم 34 .
قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي : { ومن آياته يرسل الريحَ } بالإفراد ، والباقون : { الرياح } بالجمع .
{ وَمِنْ ءاياته أَن يُرْسِلَ الرياح } الجنوب ومهبها من مطلع سهيل إلى مطلع الثريا والصبا ومهبها من مطلع الثريا إلى بنات نعش ، والشمال ومهبها من بنات نعش إلى مسقط النسر الطائر فإنها رياح الرحمة وأما الدبور ومهبها من مسقط النسر الطائر إلى مطلع سهيل فريح العذاب ، وذكر أن الثلاثة الأول تلقح السحاب الماطر وتجمعه فلذا كانت رحمة ، وعن أبي عبيدة الشمال عند العرب للروح والجنوب للإمطار والإنداء والصبا لإلقاح الأشجار والدبور للبلاء وأهونه أن تثير غباراً عاصفاً يقذي العين وهي أقلهن هبوباً ، وروى الطبراني . والبيهقي في سننه عن ابن عباس من حديث ذكر فيه ما كان يفعله ويقوله صلى الله عليه وسلم إذا هاجت ريح : «اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً » وهو مبني على أن الرياح للرحمة والريح للعذاب ، وفي النهاية العرب تقول : لا تلقح السحاب إلا من رياح مختلفة فكأنه قال صلى الله عليه وسلم اللهم اجعلها لقاحاً للسحاب ولا تجعلها عذاباً ثم قال : وتحقيق ذلك مجيء الجمع في آيات الرحمة والواحد في قصص العذاب كالريح العقيم وريحاً صرصراً ، وقال بعضهم : أن ذاك لأن الريح إذا كانت واحدة جاءت من جهة واحدة فصدمت جسم الحيوان والنبات من جهة واحدة فتؤثر فيه أثراً أكثر من حاجته فتضره ويتضرر الجانب المقابل لعكس ممرها ويفوته حظه من الهواء فيكون داعياً إلى فساده بخلاف ما إذا كانت رياحاً فإنها تعم جوانب الجسم فيأخذ كل جانب حظه فيحدث الاعتدال ، وأنت تعلم أنه قد تفرد الريح حيث لا عذاب كما في قوله تعالى : { وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيّبَةٍ } [ يونس : 22 ] وقوله سبحانه : { ولسليمان الريح } [ الأنبياء : 18 ] والحديث مختلف فيه فرمز السيوطي لحسنه ، وقال الحافظ الهيثمي : في سنده حسين بن قيس وهو متروك وبقية رجاله رجال الصحيح ، ورواه ابن عدي في الكامل من هذا الوجه وأعله بحسين المذكور ، ونقل تضعيفه عن أحمد . والنسائي . نعم إن الحافظ عزاه في الفتح لأبي يعلى وحده عن أنس رفعه ، وقال إسناده صحيح فليحفظ ذلك .
وقرأ ابن كثير . والكسائي . والأعمش { الريح } مفرداً على إرادة معنى الجمع ولذا قال سبحانه : { مبشرات } أي بالمطر { وَلِيُذِيقَكُمْ مّن رَّحْمَتِهِ } يعني المنافع التابعة لها كتذرية الحبوب وتخفيف العفونة وسقي الأشجار إلى غير ذلك من اللطف والنعم ، وقيل : الخصب التابع لنزول المطر المسبب عنها أو الروح الذي هو مع هبوبها ، ولا وجه للتخصيص ، والواو للعطف ، والعطف على علة محذوفة دل عليها { مبشرات } أي ليبشركم وليذيقكم أو على { مبشرات } باعتبار المعنى فإن الحال قد يقصد بها التعليل نحو أهن زيداً مسيئاً أي لإساءته فكأنه قيل : لتبشركم وليذيقكم ، وكونه من عطف التوهم توهم أو على { يُرْسِلُ } بإضمار فعل معلل والتقدير ويرسلها ليذيقكم ، وكون التقدير ويجري الرياح ليذيقكم بعيد قيل : أو على جملة ومن آياته الخ بتقدير وليذيقكم أرسلها أو فعل ما فعل ، ولم يعتبره بعضهم لأن المقصود اندراج الإذاقة في الآيات ، وقيل : الواو زائدة { وَلِتَجْرِىَ الفلك } في البحر عند هبوبها { بِأَمْرِهِ } عز وجل وإنما جيء بهذا القيد لأن الريح قد تهب ولا تكون مواتية فلا بد من انضمام إرادته تعالى وأمره سبحانه للريح حتى يتأتى المطلوب ، وقيل : للإشارة إلى أن هبوبها مواتية أمر من أموره تعالى التي لا يقدر عليها غيره عز وجل { وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } بتجارة البحر { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } أي ولتشكروا نعمة الله تعالى فيما ذكر .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.