مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فَرَوۡحٞ وَرَيۡحَانٞ وَجَنَّتُ نَعِيمٖ} (89)

المسألة الأولى : في معنى الروح وفيه وجوه ( الأول ) هو الرحمة قال تعالى : { ولا تيأسوا من روح الله } أي من رحمة الله ( الثاني ) الراحة ( الثالث ) الفرح ، وأصل الروح السعة ، ومنه الروح لسعة ما بين الرجلين دون الفحج ، وقرئ ، { فروح } بضم الراء بمعنى الرحمة .

المسألة الثانية : في الكلام إضمار تقديره : فله روح أفصحت الفاء عنه لكونه فاء الجزاء لربط الجملة بالشرط فعلم كونها جزاء ، وكذلك إذا كان أمرا أو نهيا أو ماضيا ، لأن الجزاء إذا كان مستقبلا يعلم كونه جزاء بالجزم الظاهر في السمع والخط ، وهذه الأشياء التي ذكرت لا تحتمل الجزم ، أما غير الأمر والنهي فظاهر ، وأما الأمر والنهي فلأن الجزم فيهما ليس لكونهما جزاءين فلا علامة للجزاء فيه ، فاختاروا الفاء فإنها لترتيب أمر على أمر ، والجزاء مرتب على الشرط .

المسألة الثالثة : في الريحان ، وقد تقدم تفسيره في قوله تعالى : { ذو العصف والريحان } ولكن هاهنا فيه كلام ، فمنهم من قال : المراد هاهنا ما هو المراد ثمة ، إما الورق وإما الزهر وإما النبات المعروف ، وعلى هذا فقد قيل : إن أرواح أهل الجنة لا تخرج من الدنيا إلا ويؤتى إليهم بريحان من الجنة يشمونه ، وقيل : إن المراد هاهنا غير ذلك وهو الخلود ، وقيل : هو رضاء الله تعالى عنهم فإذا قلنا : الروح هو الرحمة فالآية كقوله تعالى : { يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم } وأما : { جنة نعيم } فقد تقدم القول فيها عند تفسير السابقين في قوله : { أولئك المقربون في جنات النعيم } وذكرنا فائدة التعريف هناك وفائدة التنكير هاهنا .

المسألة الرابعة : ذكر في حق المقربين أمورا ثلاثة هاهنا وفي قوله تعالى : { يبشرهم ربهم } وذلك لأنهم أتوا بأمور ثلاثة وهي : عقيدة حقة وكلمة طيبة وأعمال حسنة ، فالقلب واللسان والجوارح كلها كانت مرتبة برحمة الله على عقيدته ، وكل من له عقيدة حقة يرحمه الله ويرزقه الله دائما وعلى الكلمة الطيبة وهي كلمة الشهادة ، وكل من قال : لا إله إلا الله فله رزق كريم والجنة له على أعماله الصالحة ، قال تعالى : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله } وقال : { ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى } فإن قيل : فعلى هذا من أتى بالعقيدة الحقة ، ولم يأت بالكلمة الطيبة ينبغي أن يكون من أهل الرحمة ولا يرحم الله إلا من قال : لا إله إلا الله ، نقول : من كانت عقيدته حقة ، لا بد وأن يأتي بالقول الطيب فإن لم يسمع لا يحكم به ، لأن العقيدة لا اطلاع لنا عليها فالقول دليل لنا ، وأما الله تعالى فهو عالم الأسرار ، ولهذا ورد في الأخبار أن من الناس من يدفن في مقابر الكفار ويحشر مع المؤمنين ، ومنهم من يدفن في مقابر المسلمين ويحشر مع الكفار لا يقال : إن من لا يعمل الأعمال الصالحة لا تكون له الجنة على ما ذكرت ، لأنا نقول : الجواب عنه من وجهين ( أحدهما ) أن عقيدته الحقة وكلمته الطيبة لا يتركانه بلا عمل ، فهذا أمر غير واقع وفرض غير جائز ( وثانيهما ) أنا نقول من حيث الجزاء ، وأما من قال : لا إله إلا الله فيدخل الجنة ، وإن لم يعمل عملا لا على وجه الجزاء بل بمحض فضل الله من غير جزاء ، وإن كان الجزاء أيضا من الفضل لكن من الفضل ما يكون كالصدقة المبتدأة ، ومن الفضل مالا كما يعطي الملك الكريم آخر والمهدي إليه غير ملك لا يستحق هديته ولا رزقه .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{فَرَوۡحٞ وَرَيۡحَانٞ وَجَنَّتُ نَعِيمٖ} (89)

ويقال : الرَّوْح الاستراحة ، والريحانُ الرزقُ .

وقيل : الرَّوح في القبر ، والريحانُ : في الجنة .

ويقال : لا يخرج مؤمِنٌ في الدنيا حتى يُؤْتَى بريحانٍ من رياحين الجنة فيشمه قبل خروج روحه ، فالرُّوْح راحةٌ عند الموت ، والريحان في الآخرة .

وقيل : كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم " الرُّوح " بضم الراء أي لهم فيها حياة دائمة .

ويقال : الرَّوْحُ لقلوبهم ، والرياح لنفوسهم ، والجنَّةُ لأبدانهم .

ويقال : رَوْحٌ في الدنيا ، وريحانٌ في الجنة ، وجنَّةُ نعيمٍ في الآخرة .

ويقال : رَوْحٌ وريحان مُعَجَّلان ، وجنة نعيم مؤجلة .

ويقال : رَوْحٌ للعابدين ، وريحان للعارفين ، وجَنَّةُ نعيم لعوام المؤمنين .

ويقال : رَوْحٌ نسيم القرب ، وريحان كمال البسط ، وجنة نعيمٍ في محل المناجاة .

ويقال : رَوْح رؤية الله ، وريحانُ سماع كلامه بلا واسطة ، وجنة نعيم أن يدوم هذا ولا ينقطع .