مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{أَوَكُلَّمَا عَٰهَدُواْ عَهۡدٗا نَّبَذَهُۥ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ} (100)

قوله تعالى : { أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون } .

اعلم أن هذا نوع آخر من قبائحهم ، وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قوله : { أو كلما عاهدوا عهدا } واو عطف دخلت عليه همزة الاستفهام وقيل الواو زائدة وليس بصحيح لأنه مع صحة معناه لا يجوز أن يحكم بالزيادة .

المسألة الثانية : قال صاحب «الكشاف » : الواو للعطف على محذوف معناه : أكفروا بالآيات والبينات وكلما عاهدوا ، وقرأ أبو السماك بسكون الواو على أن الفاسقون بمعنى الذين فسقوا فكأنه قيل وما يكفر بها إلا الذين فسقوا أو نقضوا عهد الله مرارا كثيرة وقرئ عوهدوا وعهدوا .

المسألة الثالثة : المقصود من هذا الاستفهام ، الإنكار وإعظام ما يقدمون عليه لأن مثل ذلك إذا قيل بهذا اللفظ كان أبلغ في التنكير والتبكيت ودل بقول : { أو كلما عاهدوا } على عهد بعد عهد نقضوه ونبذوه ، بل يدل على أن ذلك كالعادة فيهم فكأنه تعالى أراد تسلية الرسول عند كفرهم بما أنزل عليه من الآيات بأن ذلك ليس ببدع منهم ، بل هو سجيتهم وعادتهم وعادة سلفهم على ما بينه في الآيات المتقدمة من نقضهم العهود والمواثيق حالا بعد حال لأن من يعتاد منه هذه الطريقة لا يصعب على النفس مخالفته كصعوبة من لم تجر عادته بذلك .

المسألة الرابعة : في العهد وجوه ، أحدها : أن الله تعالى لما أظهر الدلائل الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعلى صحة شرعه كان ذلك كالعهد منه سبحانه وقبولهم لتلك الدلائل كالمعاهدة منهم لله سبحانه وتعالى ، وثانيها : أن العهد هو الذي كانوا يقولون قبل مبعثه عليه السلام لئن خرج النبي لنؤمنن به ولنخرجن المشركين من ديارهم ، وثالثها : أنهم كانوا يعاهدون الله كثيرا وينقضونه ، ورابعها : أن اليهود كانوا قد عاهدوه على أن لا يعينوا عليه أحدا من الكافرين فنقضوا ذلك وأعانوا عليه قريشا يوم الخندق ، قال القاضي : إن صحت هذه الرواية لم يمتنع دخوله تحت الآية لكن لا يجوز قصر الآية عليه بل الأقرب أن يكون المراد ما له تعلق بما تقدم ذكره من كفرهم بآيات الله ، وإذا كان كذلك فحمله على نقض العهد فيما تضمنته الكتب المتقدمة والدلائل العقلية من صحة القول ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم أقوى .

المسألة الخامسة : إنما قال : { نبذه فريق } لأن في جملة من عاهد من آمن أو يجوز أن يؤمن فلما لم يكن ذلك صفة جميعهم خص الفريق بالذكر ، ثم لما كان يجوز أن يظن أن ذلك الفريق هم الأقلون بين أنهم الأكثرون فقال : { بل أكثرهم لا يؤمنون } وفيه قولان ، الأول : أكثر أولئك الفساق لا يصدقون بك أبدا لحسدهم وبغيهم ، والثاني : لا يؤمنون أي لا يصدقون بكتابهم لأنهم كانوا في قومهم كالمنافقين مع الرسول يظهرون لهم الإيمان بكتابهم ورسولهم ثم لا يعملون بموجبه ومقتضاه .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَوَكُلَّمَا عَٰهَدُواْ عَهۡدٗا نَّبَذَهُۥ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ} (100)

75

ثم يلتفت إلى المسلمين - وإلى الناس عامة - منددا بهؤلاء اليهود ، كاشفا عن سمة من سماتهم الوبيئة . . إنهم جماعة مفككة الأهواء - رغم تعصبها الذميم - فهم لا يجتمعون على رأي ، ولا يثبتون على عهد ، ولا يستمسكون بعروة . ومع أنهم متعصبون لأنفسهم وجنسهم ، يكرهون أن يمنح الله شيئا من فضله لسواهم ، إلا أنهم - مع هذا - لا يستمسكون بوحدة ، ولا يحفظ بعضهم عهد بعض ، وما من عهد يقطعونه على أنفسهم حتى تند منهم فرقة فتنقض ما أبرموا ، وتخرج على ما أجمعوا :

( أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم ؟ بل أكثرهم لا يؤمنون ) . .

وقد أخلفوا ميثاقهم مع الله تحت الجبل ، ونبذوا عهودهم مع أنبيائهم من بعد ، وأخيرا نبذ فريق منهم عهدهم الذي أبرموه مع النبي [ ص ] أول مقدمه إلى المدينة ؛ وهو العهد الذي وادعهم فيه بشروط معينة ، بينما كانوا هم أول من أعان عليه أعداءه ؛ وأول من عاب دينة ، وحاول بث الفرقة والفتنة في الصف المسلم ، مخالفين ما عاهدوا المسلمين عليه . .

وبئس هي من خلة في اليهود ! تقابلها في المسلمين خلة أخرى على النقيض ، يعلنها رسول الله [ ص ] في قوله " المسلمون تتكافأ دماؤهم ، وهم يد على من سواهم يسعى بذمتهم أدناهم " . . يسعى بذمتهم أدناهم ، فلا يخيس أحد بعهده إذا عاهد ، ولا ينقض أحد عقده إذا أبرم ، ولقد كتب أبو عبيدة - رضي الله عنه - وهو قائد لجيش عمر - رضي الله عنه - وهو الخليفة يقول : إن عبدا أمن أهل بلد بالعراق . وسأله رأيه . فكتب إليه عمر : إن الله عظم الوفاء ، فلا تكونون أوفياء حتى تفوا . . فوفوا لهم وانصرفوا عنهم . . وهذه سمة الجماعة الكريمة المتماسكة المستقيمة . وذلك فرق ما بين أخلاق اليهود الفاسقين وأخلاق المسلمين الصادقين .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَوَكُلَّمَا عَٰهَدُواْ عَهۡدٗا نَّبَذَهُۥ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ} (100)

{ أَوْ كُلَّمَا عاهدوا عَهْدًا } نزلت في مالك بن الصيف قال : والله ما أخذ علينا عهد في كتابنا أن نؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ولا ميثاق ، وقيل : في اليهود عاهدوا إن خرج لنؤمنن به ولنكونن معه على مشركي العرب فلما بعث كفروا به ، وقال عطاء : في اليهود عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعهود فنقضوها كفعل قريظة والنضير ، والهمزة للإنكار بمعنى ما كان ينبغي ، وفيه إعظام ما يقدمون عليه من تكرر عهودهم ونقضها حتى صار سجية لهم وعادة ، وفي ذلك تسلية له صلى الله عليه وسلم وإشارة إلى أنه ينبغي أن لا يكترث بأمرهم وأن لا يصعب عليه مخالفتهم ، والواو للعطف على محذوف أي أكفروا بالآيات وكلما عاهدوا ، وهو من عطف الفعلية على الفعلية لأن { كُلَّمَا } ظرف { نَّبَذَهُ } والقرينة على ذلك المحذوف قوله تعالى : { وَمَا يَكْفُرُ بِهَا } [ البقرة : 99 ] الخ ، وبعضهم يقدر المعطوف مأخوذاً من الكلام السابق ويقول بتوسط الهمزة بين المعطوف والمعطوف عليه لغرض يتعلق بالمعطوف خاصة ، والتقدير عنده نقضوا هذا العهد وذلك العهد { أَوْ كُلَّمَا عاهدوا } وفيه مع ارتكاب ما لا ضرورة تدعو إليه أن الجمل المذكورة بقربه ليس فيها ذكر نقض العهد ، وقال الأخفش : هي زائدة ، والكسائي هي أوْ الساكنة حركت واوها بالفتح وهي بمعنى بل ولا يخفى ضعف القولين ، نعم قرأ ابن السماك العدوي وغيره ( أو ) بالإسكان وحينئذٍ لا بأس بأن يقال : إنها إضرابية بناءً على رأي الكوفيين وأنشدوا :

بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى *** وصورتها ( أو ) أنت في العين أملح

والعطف على هذا على صلة الموصول الذي هو اللام في ( الفاسقون ) ميلاً إلى جانب المعنى وإن كان فيه مسخ اللام الموصولة ، كأنه قيل : إلا الذين فسقوا بل كلما عاهدوا والقرينة على ذلك { بَلْ أَكْثَرُهُمْ } الخ ، وفيه ترق إلى الأغلظ فالأغلظ ، ولك أن لا تميل مع المعنى بل تعطف على الصلة وأل تدخل على الفعل بالتبعية في السعة كثيراً كقوله تعالى : { إِنَّ المصدقين والمصدقات وَأَقْرَضُواْ } [ الحديد : 8 1 ] لاغتفارهم في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل .

ومن الناس من جوّز هذا العطف باحتماليه على القراءة الأولى أيضاً ولم يحتج إلى ذلك المحذوف وقرأ الحسن وأبو رجاء { عوهدوا } وانتصاب ( عهداً ) على أنه مصدر على غير الصدر أي معاهدة ويؤيده أنه قرئ { مَا عاهدوا } أو على أنه مفعول به بتضمين ( عاهدوا ) معنى أعطوا .

{ نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مّنْهُم } أي نقضه وترك العمل به ، وأصل النبذ / طرح ما لا يعتد به كالنعل البالية لكنه غلب فيما من شأنه أن ينسى لعدم الاعتداد به ، ونسبة النبذ إلى العهد مجاز والنبذ حقيقة إنما هو في المتجسدات نحو

{ فأخذناه وَجُنُودَهُ فنبذناهم في اليم } [ القصص : 0 4 ] والفريق اسم جنس لا واحد له يقع على القليل والكثير ، وإنما قال : ( فريق ) لأن منهم من لم ينبذه . وقرأ عبد الله { نقضه } قال في «البحر » : وهي قراءة تخالف سواد المصحف فالأولى حملها على التفسير وليس بالقوي إذ لا يظهر للتفسير دون ذكر المفسر خلال القراءة وجه .

{ مّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } يحتمل أن يراد بالأكثر النابذون ، وأن يراد من عداهم فعلى الأول : يكون ذلك رداً لما يتوهم أن الفريق هم الأقلون بناءً على أن المتبادر منه القليل وعلى الثاني : رد لما يتوهم أن من لم ينبذ جهاراً يؤمنون به سراً ، والعطف على التقديرين من عطف الجمل ، ويحتمل أن يكون من عطف المفردات بأن يكون أكثرهم معطوفاً على { فَرِيقٌ } وجملة { لاَ يُؤْمِنُونَ } حال من { أَكْثَرُهُمْ } والعامل فيها { نَّبَذَهُ } .