قوله تعالى : { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لناكرة فنتبرأ منهم كمكا تبرؤا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار }
اعلم أنه تعالى لما بين حال من يتخذ من دون الله أندادا بقوله : { ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب } على طريق التهديد زاد في هذا الوعيد بقوله تعالى : { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا } فبين أن الذين أفنوا عمرهم على عبادتهم واعتقدوا أنهم أوكد أسباب نجاتهم فإنهم يتبرؤون منهم عند احتياجهم إليهم ونظيره قوله تعالى : { يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا } وقال أيضا : { الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين } وقال : { كلما دخلت أمة لعنت أختها } وحكى عن إبليس أنه قال : { إني كفرت بما أشركتمون من قبل } وههنا مسائل :
المسألة الأولى : في قوله : { إذ تبرأ } قولان ، ( الأول ) : أنه بدل من : { إذ يرون العذاب } ( الثاني ) : أن عامل الإعراب في ( إذ ) معنى شديد كأنه قال : هو شديد العذاب إذ تبرأ يعني في وقت التبرؤ .
المسألة الثانية : معنى الآية أن المتبوعين يتبرؤن من الأتباع ذلك اليوم فبين تعالى ما لأجله يتبرؤن منهم وهو عجزهم عن تخليصهم من العذاب الذي رأوه لأن قوله : { وتقطعت بهم الأسباب } يدخل في معناه أنهم لم يجدوا إلى تخليص أنفسهم وأتباعهم سببا ، والآيس من كل وجه يرجو به الخلاص مما نزل به وبأوليائه من البلاء يوصف بأنه تقطعت به الأسباب واختلفوا في المراد بهؤلاء المتبوعين على وجوه . ( أحدها ) : أنهم السادة والرؤساء من مشركي الإنس ، عن قتادة والربيع وعطاء . ( وثانيها ) : أنهم شياطين الجن الذين صاروا متبوعين للكفار بالوسوسة عن السدي . ( وثالثها ) : أنهم شياطين الجن والإنس . ( ورابعها ) : الأوثان الذين كانوا يسمونها بالآلهة والأقرب هو الأول لأن الأقرب في الذين اتبعوا أنهم الذين يصح منهم الأمر والنهي حتى يمكن أن يتبعوا وذلك لا يليق بالأصنام ، ويجب أيضا حملهم على السادة من الناس لأنهم الذين يصح وصفهم من عظمهم بأنهم يحبونهم كحب الله دون الشياطين ويؤكده قوله تعالى : { إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا } وقرأ مجاهد الأول على البناء للفاعل ، والثاني على البناء للمفعول أي تبرأ الأتباع من الرؤساء .
المسألة الثالثة : ذكروا في تفسير التبرؤ وجوها . ( أحدها ) : أن يقع منهم ذلك بالقول . ( وثانيها ) : أن يكون نزول العذاب بهم ، وعجزهم عن دفعهم عن أنفسهم فكيف عن غيرهم فتبرؤا . ( وثالثها ) : أنه ظهر فيهم الندم على ما كان منهم من الكفر بالله والإعراض عن أنبيائه ورسله فسمي ذلك الندم تبرؤا والأقرب هو الأول ، لأنه هو الحقيقة في اللفظ .
أما قوله تعالى : { ورأوا العذاب } الواو للحال ، أي يتبرؤون في حال رؤيتهم العذاب وهذا أولى من سائر الأقوال ، لأن في تلك الحالة يزداد الهول والخوف .
أما قوله تعالى : { وتقطعت بهم الأسباب } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : أنه عطف على { تبرأ } وذكروا في تفسير الأسباب سبعة أقوال . ( الأول ) : أنها المواصلات التي كانوا يتواصلان عليها ، عن مجاهد وقتادة والربيع . ( الثاني ) : الأرحام التي كانوا يتعاطفون بها عن ابن عباس وابن جريج . ( الثالث ) : الأعمال التي كانوا يلزمونها عن ابن زيد والسدي . ( والرابع ) : العهود والحلف التي كانت بينهم يتوادون عليها ، عن ابن عباس . ( الخامس ) : ما كانوا يتواصلون به من الكفر وكان بها انقطاعهم عن الأصم . ( السادس ) : المنازل التي كانت لهم في الدنيا عن الضحاك والربيع بن أنس . ( السابع ) : أسباب النجاة تقطعت عنهم والأظهر دخول الكل فيه ، لأن ذلك كالنفي فيعم الكل فكأنه قال : وزال عنهم كل سبب يمكن أن يتعلق به وأنهم لا ينتفعون بالأسباب على اختلافها من منزلة وسبب ونسب وخلف وعقد وعهد ، وذلك نهاية ما يكون من اليأس فحصل فيه التوكيد العظيم في الزجر .
المسألة الثانية : الباء في قوله تعالى : { بهم الأسباب } بمعنى ( عن ) كقوله تعالى : { فاسأل به خبيرا } أي عنه قال علقمة بن عبدة :
فإن تسألوني بالنساء فإنني*** بصير بأدواء النساء طبيب
المسألة الثالثة : أصل السبب في اللغة الحبل قالوا : ولا يدعى الحبل سببا حتى ينزل ويصعد به ، ومنه قوله تعالى : { فليمدد بسبب إلى السماء } ثم قيل لكل شيء وصلت به إلى موضع أو حاجة تريدها سبب . يقال : ما بيني وبينك سبب أي رحم ومودة ، وقيل للطريق : سبب لأنك بسلوكه تصل الموضع الذي تريدها ، قال تعالى : { فأتبع سببا } أي طريقا ، وأسباب السموات : أبوابها لأن الوصول إلى السماء يكون بدخولها ، قال تعالى مخبرا عن فرعون : { لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات } قال زهير :
( إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ، ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب . وقال الذين اتبعوا : لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منا ! كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم ، وما هم بخارجين من النار ) . . لو يرون إذ تبرأ المتبوعون من التابعين . ورأوا العذاب . فتقطعت بينهم الأواصر والعلاقات والأسباب ، وانشغل كل بنفسه تابعا كان أم متبوعا . وسقطت الرياسات والقيادات التي كان المخدوعون يتبعونها ، وعجزت عن وقاية أنفسها فضلا عن وقاية تابعيها . وظهرت حقيقة الألوهية الواحدة والقدرة الواحدة ، وكذب القيادات الضالة وضعفها وعجزها أمام الله وأمام العذاب .
{ إِذْ تَبَرَّأَ الذين اتبعوا } بدل من { إِذْ يَرَوْنَ } [ البقرة : 165 ] مطلقاً وجاز الفصل بين البدل والمبدل منه بالجواب ومتعلقه لطول البدل ، وجوّز أن يكون ظرفاً ل { شَدِيدُ العذاب } [ البقرة : 165 ] أو مفعولاً لاذكروا وزعم بعضهم أنه بدل من مفعول ( ترى ) على قراءة الخطاب ، كما أن { إِذْ يَرَوْنَ } بدل منه أيضاً { وَأَن القوة } في موضع بدل الاشتمال من { العذاب } ولا يخفى أن هذا يقتضي جواز تعدد البدل ولم يعثر عليه في شيء من «كتب النحو » ، وأيضاً يرد عليه أن المبدل منه في بدل الاشتمال يجب أن يكون متقاضياً للبدل دالاً عليه إجمالاً ، وأن يكون البدل مشتملاً على ضمير المبدل منه وكلاهما مفقودان والمعنى : إذ تبرأ الرؤساء المتبعون مَن الذين اتبعوا أي المرءوسين بقولهم : { تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُواْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ } [ القصص : 3 6 ] وقرأ مجاهد الأول : على البناء للفاعل والثاني : على البناء للمفعول ، أي تبرأ الأتباع وانفصلوا عن متبوعيهم ، وندموا على عبادتهم .
{ وَرَأَوُاْ العذاب } حال من الأتباع والمتبوعين كما في لقيته راكبين أي رائين له فالواو للحال ، و( قد ) مضمرة ، وقيل : عطف على { تَبَرَّأَ } وفيه أنه يؤدي إلى إبدال ( إذ رأوا العذاب ) من { إِذْ يَرَوْنَ العذاب } [ البقرة : 165 ] وليس فيه كثير فائدة ؛ لأن فاعل الفعلين وإن كانا متغايرين إلا أن تهويل الوقت باعتبار ما وقع فيه وهو رؤية العذاب ولأن الحقيق بالاستفظاع هو تبرؤهم حال رؤية العذاب لا هو نفسه ، وأجيب أن البدل الوقت المضاف إلى الأمرين ، والمبدل منه الوقت المضاف إلى واحد وهو الرؤية فقط وفيه أن هذا أيضاً لا يخرج ذلك عن الركاكة إذ بعد تهويل الوقت بإضافته إلى رؤية العذاب لا حاجة إلى جمعها مع التبري بخلاف ما إذا جعل حالاً ، فإن البدل هو التبرؤ الواقع في حال رؤية العذاب .
{ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الاسباب } إما عطف على { تَبَرَّأَ } أو { رَأَوْاْ } أو حال ، ورجح الأول لأن/ الأصل في الواو العطف ، وفي الجملة الاستقلال ولإفادته تكثير أسباب التهويل والاستفظاع مع عدم الاحتياج إلى تقدير ( قد ) والباء من { بِهِمُ } للسببية ، أي تقطعت بسبب كفرهم الأسباب التي كانوا يرجون منها النجاة ، وقيل : للملابسة أي تقطعت الأسباب موصولة بهم كقولك : خرج زيد بثيابه ، وقيل : بمعنى عن ، وقيل : للتعدية ، أي قطعتهم الأسباب كما تقول : تفرقت بهم الطريق ، ومنه قوله تعالى : { فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ } [ الأنعام : 153 ] وأصل السبب الحبل مطلقاً ، أو الحبل الذي يتوصل به إلى الماء ، أو الحبل الذي أحد طرفيه متعلق بالسقف ، أو الحبل الذي يرتقي به النخل . والمراد بالأسباب هنا الوصل التي كانت بين الأتباع والمتبوعين في الدنيا من الأنساب والمحاب ، والاتفاق على الدين ، والاتباع والاستتباع ، وقرئ { تقطعت } بالبناء للمفعول وتقطع جاء لازماً ومتعدياً .
( ومن باب الإشارة ) : وعند ذلك يتبرؤ الاتباع من المتبوعين وقد رأوا عذاب الحرمان { وتقطعت بهم } [ البقرة : 166 ] الوصل التي كانت بينهم في الدنيا وتمنوا ما لا يمكن بحال وبقوا بحسرة وعذاب . وكذا يكون حال القوى الروحانية الصافية للقوى النفسانية التابعة لها في تحصيل لذاتها ، وطوبى للمتحابين في الله تعالى عز شأنه .