مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{يَحۡسَبُونَ ٱلۡأَحۡزَابَ لَمۡ يَذۡهَبُواْۖ وَإِن يَأۡتِ ٱلۡأَحۡزَابُ يَوَدُّواْ لَوۡ أَنَّهُم بَادُونَ فِي ٱلۡأَعۡرَابِ يَسۡـَٔلُونَ عَنۡ أَنۢبَآئِكُمۡۖ وَلَوۡ كَانُواْ فِيكُم مَّا قَٰتَلُوٓاْ إِلَّا قَلِيلٗا} (20)

قوله تعالى : { يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم ولو كانوا ما قاتلوا إلا قليلا لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا }

أي من غاية الجبن عند ذهابهم كانوا يخافونهم وعند مجيئهم كانوا يودون لو كانوا في البوادي ولا يكونون بين المقاتلين مع أنهم عند حضورهم كأنهم غائبون حيث لا يقاتلون كما قال تعالى : { ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا } .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَحۡسَبُونَ ٱلۡأَحۡزَابَ لَمۡ يَذۡهَبُواْۖ وَإِن يَأۡتِ ٱلۡأَحۡزَابُ يَوَدُّواْ لَوۡ أَنَّهُم بَادُونَ فِي ٱلۡأَعۡرَابِ يَسۡـَٔلُونَ عَنۡ أَنۢبَآئِكُمۡۖ وَلَوۡ كَانُواْ فِيكُم مَّا قَٰتَلُوٓاْ إِلَّا قَلِيلٗا} (20)

9

فأما يوم الأحزاب فيمضي النص في تصويرهم صورة مضحكة زرية :

( يحسبون الأحزاب لم يذهبوا ) . .

فهم ما يزالون يرتعشون ، ويتخاذلون ، ويخذلون ! ويأبون أن يصدقوا أن الأحزاب قد ذهبت ، وأنه قد ذهب الخوف ، وجاء الأمان !

( وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم ) . .

يا للسخرية ! ويا للتصوير الزري ! ويا للصورة المضحكة ! وإن يأت الأحزاب يود هؤلاء الجبناء لو أنهم لم يكونوا من أهل المدينة يوما من الأيام . ويتمنون أن لو كانوا من أعراب البادية ، لا يشاركون أهل المدينة في حياة ولا في مصير . ولا يعلمون - حتى - ما يجري عند أهلها . إنما هم يجهلونه ، ويسألون عنه سؤال الغريب عن الغريب ! مبالغة في البعد والانفصال ، والنجاة من الأهوال !

يتمنون هذه الأمنيات المضحكة ، مع أنهم قاعدون ، بعيدون عن المعركة ، لا يتعرضون لها مباشرة ؛ إنما هو الخوف من بعيد ! والفزع والهلع من بعيد ! ( ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا ) . .

وبهذا الخط ينتهي رسم الصورة . صورة ذلك النموذج الذي كان عائشا في الجماعة الإسلامية الناشئة في المدينة ؛ والذي ما يزال يتكرر في كل جيل وكل قبيل . بنفس الملامح ، وذات السمات . . ينتهي رسم الصورة وقد تركت في النفوس الاحتقار لهذا النموذج ، والسخرية منه ، والابتعاد عنه ، وهو انه على الله وعلى الناس .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يَحۡسَبُونَ ٱلۡأَحۡزَابَ لَمۡ يَذۡهَبُواْۖ وَإِن يَأۡتِ ٱلۡأَحۡزَابُ يَوَدُّواْ لَوۡ أَنَّهُم بَادُونَ فِي ٱلۡأَعۡرَابِ يَسۡـَٔلُونَ عَنۡ أَنۢبَآئِكُمۡۖ وَلَوۡ كَانُواْ فِيكُم مَّا قَٰتَلُوٓاْ إِلَّا قَلِيلٗا} (20)

{ يَحْسَبُونَ الاحزاب لَمْ يَذْهَبُواْ } أي هم من الجزع والدهشة لمزيد جبنهم وخوفهم بحيث هزم الله تعالى الأحزاب فرحلوا وهم يظنون أنه لم يرحلوا ، وقيل : المراد هؤلاء لجبنهم يحسبون الأحزاب لم ينهزموا وقد انهزموا فانصرفوا عن الخندق راجعين إلى المدينة لذلك ، وهذا إن صحت فيه رواية فذاك وإلا فالظاهر أنه مأخوذ من قوله تعالى : { والقائلين لإخوانهم هَلُمَّ إِلَيْنَا } [ الأحزاب : 18 ] لدلالته ظاهراً على أنهم خارجون عن معسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم يحثون إخوانهم على اللحاق بهم ، وكون المراد هلموا إلى رأينا أو إلى مكاننا الذي هو في طرف لا يصل إليه السهم خلاف الظاهر ، وكذا من قوله سبحانه : { وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ } على ما هو الظاهر أيضاً إذ يبعد حمله على اتحاد المكان ولو في الخندق { وَإِن يَأْتِ الاحزاب } كرة ثانية { يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ في الاعراب } تمنوا أنهم خارجون إلى البد وحاصلون مع الأعراب وهم أهل العمود ، وقرأ عبد الله . وابن عباس . وابن يعمر . وطلحة { بدي } جمع باد كغاز وغزى وليس بقياس في معتل اللام وقيام فعلة كقاض وقضاة ؛ وفي رواية أخرى عن ابن عباس { بدوا } فعلاً ماضياً ، وفي رواية صاحب الإقليد { بدي } بوزن عدي { وَهُمْ يُسْئَلُونَ } أي كل قادم من جانب المدينة { عَنْ أَنبَائِكُمْ } عما جرى عليكم من الأحزاب يتعرفون أحوالكم بالاستخبار لا بالمشاهدة فرقاً وجبناً ، واختيار البداوة ليكونوا سالمين من القتال ، والجملة في موضع الحال من فاعل بادون ، وحكى ابن عطية أن أبا عمرو . وعاصماً . والأعمش { قرؤا } يسلون بغير همز نحو قوله تعالى : { الامور سَلْ بَنِى إسرائيل } [ البقرة : 211 ] ولم يعرف ذلك عن أبي عمرو وعاصم ، ولعل ذلك في شاذهما ونقلها «صاحب اللوامح » عن الحسن . والأعمش ، وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما . وقتادة . والجحدري . والحسن . ويعقوب بخلاف عنهما { يساءلون } بتشديد السين والمد وأصله يتساءلون فأدغمت التاء في السين أي يسأل بعضهم بعضاً أي قول بعضهم لبعض : ماذا سمعت وماذا بغلك ؟ أو يتساءلون الإعراب أي يسألونهم كما تقول : رأيت الهلال وتراءيته وأبصرت زيداً وتباصرته { أَنبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ } أي في هذه الكرة المفروضة بقوله تعالى : { وَإِن يَأْتِ الاحزاب أَوْ لَّوْ كَانُواْ فيكُمْ } في الكرة الأولى السابقة ولم يرجعوا إلى داخل المدينة وكانت محاربة بالسيوف ومبارزة الصفوف { مَّا قَاتَلُواْ إِلاَّ قَلِيلاً } رياء وسمعة وخوفاً من التعبير قال مقاتل والجياني والبعلبكي : هو قليل من حيث هو رياء ولو كان الله تعالى كان كثيراً .