ثم قال تعالى : { يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين } .
اعلم أنه تعالى افتتح السورة بقوله { يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } وذلك لأنه حصل بين الرب وبين العبد عهد الربوبية وعهد العبودية ، فقوله { أوفوا بالعقود } طلب تعالى من عباده أن يفوا بعهد العبودية ، فكأنه قيل : إلهنا العهد نوعان : عهد الربوبية منك ، وعهد العبودية منا ، فأنت أولى بأن تقدم الوفاء بعهد الربوبية والإحسان . فقال تعالى : نعم أنا أوفي أولا بعهد الربوبية والكرم ، ومعلوم أن منافع الدنيا محصورة في نوعين : لذات المطعم ، ولذات المنكح ، فاستقصى سبحانه في بيان ما يحل ويحرم من المطاعم والمناكح ، ولما كانت الحاجة إلى المطعوم فوق الحاجة إلى المنكوح ، لا جرم قدم بيان المطعوم على المنكوح ، وعند تمام هذا البيان كأنه يقول : قد وفيت بعهد الربوبية فيما يطلب في الدنيا من المنافع واللذات ، فاشتغل أنت في الدنيا بالوفاء بعهد العبودية ولما كان أعظم الطاعات بعد الإيمان الصلاة ، وكانت الصلاة لا يمكن إقامتها إلا بالطهارة ، لا جرم بدأ تعالى بذكر شرائط الوضوء فقال { يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق } وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن المراد بقوله { إذا قمتم إلى الصلاة } ليس نفس القيام ، ويدل عليه وجهان : الأول : أنه لو كان المراد ذلك لزم تأخير الوضوء عن الصلاة ، وأنه باطل بالإجماع . الثاني : أنهم أجمعوا على أنه لو غسل الأعضاء قبل الصلاة قاعدا أو مضطجعا لكان قد خرج عن العهدة ، بل المراد منه : إذا شمرتم للقيام إلى الصلاة وأردتم ذلك ، وهذا وإن كان مجازا إلا أنه مشهور متعارف ، ويدل عليه وجهان : الأول : أن الإرادة الجازمة سبب لحصول الفعل ، وإطلاق اسم السبب على المسبب مجاز مشهور . الثاني : قوله تعالى : { الرجال قوامون على النساء } وليس المراد منه القيام الذي هو الانتصاب ، يقال : فلان قائم بذلك الأمر ، قال تعالى : { قائما بالقسط } وليس المراد منه البتة الانتصاب ، بل المراد كونه مريدا لذلك الفعل متهيئا له مستعدا لإدخاله في الوجود ، فكذا هاهنا قوله { إذا قمتم إلى الصلاة } معناه إذا أردتم أداء الصلاة والاشتغال بإقامتها .
المسألة الثانية : قال قوم : الأمر بالوضوء تبع للأمر بالصلاة ، وليس ذلك تكليفا مستقلا بنفسه ، واحتجوا بأن قوله { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا } جملة شرطية ، الشرط فيها القيام إلى الصلاة ، والجزاء الأمر بالغسل ، والمعلق على الشيء بحرف الشرط عدم عند عدم الشرط ، فهذا يقتضي أن الأمر بالوضوء تبع للأمر بالصلاة . وقال آخرون : المقصود من الوضوء الطهارة ، والطهارة مقصودة بذاتها بدليل القرآن والخبر ، أما القرآن فقوله تعالى في آخر الآية { ولكن يريد ليطهركم } وأما الحديث فقوله عليه الصلاة والسلام : «بني الدين على النظافة » وقال : «أمتي غر محجلون من آثار الوضوء يوم القيامة » ولأن الأخبار الكثيرة واردة في كون الوضوء سببا لغفران الذنوب والله أعلم .
المسألة الثالثة : قال داود : يجب الوضوء لكل صلاة ، وقال أكثر الفقهاء : لا يجب . احتج داود بهذه الآية من وجهين : لأول : أن ظاهر لفظ الآية يدل على ذلك ، فإن قوله { إذا قمتم إلى الصلاة } إما أن يكون المراد منه قياما واحدا وصلاة واحدة ، فيكون المراد منه الخصوص ، أو يكون المراد منه العموم ، والأول باطل لوجوه : الأول : أن على هذا التقدير تصير الآية مجملة لأن تعيين تلك المرة غير مذكور في الآية ، وحمل الآية على الإجمال إخراج لها عن الفائدة ، وذلك خلاف الأصل ، وثانيها : أنه يصح إدخال الاستثناء عليه ، ومن شأنه إخراج ما لولاه لدخل ، وذلك يوجب العموم ، وثالثها : أن الأمة مجمعة على أن الأمر بالوضوء غير مقصور في هذه الآية على مرة واحدة ولا على شخص واحد ، وإذا بطل هذا وجب حمله على العموم عند كل قيام إلى الصلاة ، إذ لو لم تحمل هذه الآية على هذا المحمل لزم احتياج هذه الآية في دلالتها على ما هو مراد لله تعالى إلى سائر الدلائل ، فتصير هذه الآية وحدها مجملة ، وقد بينا أنه خلاف الأصل ، فثبت بما ذكرنا أن ظاهر هذه الآية يدل على وجوب الوضوء عند كل قيام إلى الصلاة .
الوجه الثاني : أنا نستفيد هذا العموم من إيماء اللفظ ، وذلك لأن الصلاة اشتغال بخدمة المعبود ، والاشتغال بالخدمة يجب أن يكون مقرونا بأقصى ما يقدر العبد عليه من التعظيم ، ومن وجوه التعظيم كونه آتيا بالخدمة حال كونه في غاية النظافة ، ولا شك أن تجديد الوضوء عند كل قيام إلى الصلاة مبالغة في النظافة ، ومعلوم أن ذكر الحكم عقيب الوصف يدل على كون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف المناسب ، وذلك يقتضي عموم الحكم لعمومه ، فيلزم وجوب الوضوء عند كل قيام إلى الصلاة . ثم قال داود : ولا يجوز أن يقال ورد في القراءة الشاذة : إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون ، أو يقال : إنا نترك ظاهر هذه الآية لورود خبر الواحد على خلافه ، قال : أما القراءة الشاذة فمردودة قطعا ، لأنا إن جوزنا ثبوت قرآن غير منقول بالتواتر لزم الطعن في كل القرآن ، وهو أن يقال : إن القرآن كان أكثر مما هو الآن بكثير إلا أنه لم ينقل ، وأيضا فلأن معرفة أحوال الوضوء من أعظم ما عم به البلوى ، ومن أشد الأمور التي يحتاج كل أحد إلى معرفتها ، فلو كان ذلك قرآنا لامتنع بقاؤه في حيز الشذوذ ، وأما التمسك بخبر الواحد فقال : هذا يقتضي نسخ القرآن بالخبر ، وذلك لا يجوز . قال الفقهاء : إن كلمة { إذا } لا تفيد العموم بدليل أنه لو قال لامرأته : إذا دخلت الدار فأنت طالق فدخلت مرة طلقت ، ثم لو دخلت ثانيا لم تطلق ثانيا ، وذلك يدل على أن كلمة { إذا } لا تفيد العموم ، وأيضا أن السيد إذ قال لعبده : إذا دخلت السوق فادخل على فلان وقل له كذا وكذا ، فهذا لا يفيد الأمر بالفعل إلا مرة واحدة .
واعلم أن مذهب داود في مسألة الطلاق غير معلوم : فلعله يلتزم العموم ، وأيضا فله أن يقول : إنا قد دللنا على أن كلمة { إذا } في هذه الآية تفيد العموم لأن التكاليف الواردة في القرآن مبناها على التكرير ، وليس الأمر كذلك في الصور التي ذكرتم ، فإن القرائن الظاهرة دلت على أنه ليس مبني الأمر فيها على التكرير ، وأما الفقهاء فإنهم استدلوا على صحة قولهم بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة إلا يوم الفتح فإنه صلى الصلوات كلها بوضوء واحد . قال عمر رضي الله عنه : فقلت له في ذلك فقال : عمدا فعلت ذلك يا عمر .
أجاب داود بأنا ذكرنا أن خبر الواحد لا ينسخ القرآن ، وأيضا فهذا الخبر يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان مواظبا على تجديد الوضوء لكل صلاة ، وهذا يقتضي وجوب ذلك علينا لقوله تعالى : { فاتبعوه } بقي أن يقال : قد جاء في هذا الخبر أنه ترك ذلك يوم الفتح ، فنقول : لما وقع التعارض فالترجيح معنا من وجوه : الأول : هب أن التجديد لكل صلاة ليس بواجب لكنه مندوب ، والظاهر أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يزيد في يوم الفتح في الطاعات ولا ينقص منها ، لأن ذلك اليوم هو يوم إتمام النعمة عليه ، وزيادة النعمة من الله تناسب زيادة الطاعات لا نقصانها . والثاني : أن الاحتياط لا شك أنه من جانبنا فيكون راجحا لقوله عليه الصلاة والسلام : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » الثالث : أن ظاهر القرآن أولى من خبر الواحد . والرابع : أن دلالة القرآن على قولنا لفظية ، ودلالة الخبر الذي رويتم على قولكم فعلية ، والدلالة القولية أقوى من الدلالة الفعلية ، لأن الدلالة القولية غنية عن الفعلية ولا ينعكس ، فهذا ما في هذه المسألة والله أعلم .
والأقوى في إثبات المذهب المشهور أن يقال : لو وجب الوضوء لكل صلاة لكان الموجب للوضوء هو القيام إلى الصلاة ولم يكن لغيره تأثير في إيجاب الوضوء ، لكن ذلك باطل لأنه تعالى قال في آخر هذه الآية { أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا } أوجب التيمم على المتغوط والمجامع إذا لم يجد الماء ، وذلك يدل على كون كل واحد منهما سببا لوجوب الطهارة عند وجود الماء ، وذلك يقتضي أن يكون وجوب الوضوء قد يكون بسبب آخر سوى القيام إلى الصلاة ، وذلك يدل على ما قلناه .
المسألة الرابعة : اختلفوا في أن هذه الآية هل تدل على كون الوضوء شرطا لصحة الصلاة ؟ والأصح أنها تدل عليه من وجهين : الأول : أنه تعالى علق فعل الصلاة على الطهور بالماء ، ثم بين أنه متى عدم لا تصح إلا بالتيمم ، ولو لم يكن شرطا لما صح ذلك . الثاني : أنه تعالى إنما أمر بالصلاة مع الوضوء ، فالآتي بالصلاة بدون الوضوء تارك للمأمور به ، وتارك المأمور به يستحق العقاب ، ولا معنى للبقاء في عهدة التكليف إلا ذلك ، فإذا ثبت هذا ظهر كون الوضوء شرطا لصحة الصلاة بمقتضى هذه الآية .
المسألة الخامسة : قال الشافعي رحمه الله : النية شرط لصحة الوضوء والغسل . وقال أبو حنيفة رحمه الله : ليس كذلك .
واعلم أن كل واحد منهما يستدل لذلك بظاهر هذه الآية .
أما الشافعي رحمه الله فإنه قال : الوضوء مأمور به ، وكل مأمور به فإنه يجب أن يكون منويا ، فالوضوء يجب أن يكون منويا ، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون شرطا لأنه لا قائل بالفرق ، وإنما قلنا : إن الوضوء مأمور به لقوله { اغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين } ولا شك أن قوله { فاغسلوا } { وامسحوا } أمر ، وإنما قلنا : إن كل مأمور به أن يكون منويا لقوله تعالى : { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين } واللام في قوله { ليعبدوا } ظاهر للتعليل ، لكن تعليل أحكام الله تعالى محال ، فوجب حمله على الباء لما عرف من جواز إقامة حروف الجر بعضها مقام بعض ، فيصير التقدير : وما أمروا إلا بأن يعبدوا الله مخلصين له الدين ، والإخلاص عبارة عن النية الخالصة ، ومتى كانت النية الخالصة معتبرة كان أصل النية معتبرا . وقد حققنا الكلام في هذا الدليل في تفسير قوله تعالى : { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين } فليرجع إليه في طلب زيادة الإتقان ، فثبت بما ذكرنا أن كل وضوء مأمور به ، وثبت أن كل مأمور به يجب أن يكون منويا ، فلزم القطع بأن كل وضوء يجب أن يكون منويا أقصى ما في الباب أن قولنا : كل مأمور به يجب أن يكون منويا مخصوص في بعض الصور ، لكنا إنما أثبتنا هده المقدمة بعموم النص ، والعام حجة في غير محل التخصيص .
وأما أبو حنيفة رحمه الله فإنه احتج بهذه الآية على أن النية ليست شرطا لصحة الوضوء ، فقال : إنه تعالى أوجب غسل الأعضاء الأربعة في هذه الآية ولم يوجب النية فيها ، فإيجاب النية زيادة على النص ، والزيادة على النص نسخ ، ونسخ القرآن بخبر الواحد وبالقياس لا يجوز .
وجوابنا : أنا بينا أنه إنما أوجبنا النية في الوضوء بدلالة القرآن .
المسألة السادسة : قال الشافعي رحمه الله : الترتيب شرط لصحة الوضوء ، وقال مالك وأبو حنيفة رحمهما الله : ليس كذلك ، احتج الشافعي رحمه الله بهذه الآية على قوله من وجوه : الأول : أن قوله { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } يقتضي وجوب الابتداء بغسل الوجه لأن الفاء للتعقيب ، وإذا وجب الترتيب في هذا العضو وجب في غيره لأنه لا قائل بالفرق .
فإن قالوا : فاء التعقيب إنما دخلت في جملة هذه الأعمال فجرى الكلام مجرى أن يقال : إذا قمتم إلى الصلاة فأتوا بمجموع هذه الأفعال .
قلنا : فاء التعقيب إنما دخلت على الوجه لأن هذه الفاء ملتصقة بذكر الوجه ، ثم إن هذه الفاء بواسطة دخولها على الوجه دخلت على سائر الأعمال ، وعلى هذا دخول الفاء في غسل الوجه أصل ، ودخولها على مجموع هذه الأفعال تبع لدخولها على غسل الوجه ، ولا منافاة بين إيجاب تقديم غسل الوجه وبين إيجاب مجموع هذه الأفعال ، فنحن اعتبرنا دلالة هذه الفاء في الأصل والتبع ، وأنتم ألغيتموها في الأصل واعتبرتموها في التبع ، فكان قولنا أولى .
والوجه الثاني : أن نقول : وقعت البداءة في الذكر بالوجه ، فوجب أن تقع البداءة به في العمل لقوله { فاستقم كما أمرت } ولقوله عليه الصلاة والسلام : «ابدؤا بما بدأ الله به » وهذا الخبر وإن ورد في قصة الصفا والمروة إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، أقصى ما في الباب أنه مخصوص في بعض الصور لكن العام حجة في غير محل التخصيص ، والثالث : أنه تعالى ذكر هذه الأعضاء لا على وفق الترتيب المعتبر في الحس ، ولا على وفق الترتيب المعتبر في الشرع ، وذلك يدل على أن الترتيب واجب . بيان المقدمة الأولى أن الترتيب المعتبر في الحس أن يبدأ من الرأس نازلا إلى القدم ، أو من القدم صاعدا إلى الرأس ، والترتيب المذكور في الآية ليس كذلك ، وأما الترتيب المعتبر في الشرع فهو أن يجمع بين الأعضاء المغسولة ، ويفرد الممسوحة عنها ، والآية ليست كذلك ، فإنه تعالى أدرج الممسوح في أثناء المغسولات ، إذ ثبت هذا فنقول : هذا يدل على أن الترتيب واجب ، والدليل عليه أن إهمال الترتيب في الكلام مستقبح ، فوجب تنزيه كلام الله تعالى عنه ، ترك العمل به فيما إذا صار ذلك محتملا للتنبيه على أن ذلك الترتيب واجب ، فيبقى في غير هذه الصورة على وفق الأصل . الرابع : أن إيجاب الوضوء غير معقول المعنى ، وذلك يقتضي وجوب الإتيان به على الوجه الذي ورد في النص ، بيان المقام الأول من وجوه : أحدها : أن الحدث يخرج من موضع والغسل يجب من موضع آخر وهو خلاف المعقول ، وثانيها : أن أعضاء المحدث طاهرة لقوله تعالى : { إنما المشركون نجس } وكلمة إنما للحصر ، وقوله عليه الصلاة والسلام : «المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا » وتطهير الطاهر محال ، وثالثها : أن الشرع أقام التيمم مقام الوضوء ، ولا شك أنه ضد النظافة والوضاءة ، ورابعها : أن الشرع أقام المسح على الخفين مقام الغسل ، ومعلوم أنه لا يفيد البته في نفس العضو نظافه ، وخامسها : أن الماء الكدر العفن يفيد الطهارة ، وماء الورد لا يفيدها ، فثبت بهذا أن الوضوء غير معقول المعنى ، وإذ ثبت هذا وجب الاعتماد فيه على مورد النص ، لاحتمال أن يكون الترتيب المذكور معتبرا إما لمحض التعبد أو لحكم خفية لا نعرفها ، فلهذا السبب أوجبنا رعاية الترتيب المعتبر المذكور في أركان الصلاة ، بل هاهنا أولى ، لأنه تعالى لما ذكر أركان الصلاة في كتابه مرتبة وذكر أعضاء الوضوء في هذه الآية مرتبة فلما وجب الترتيب هناك فهاهنا أولى .
واحتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية على قوله فقال : الواو لا توجب الترتيب ، فكانت الآية خالية عن إيجاب الترتيب ، فلو قلنا بوجوب الترتيب كان ذلك زيادة على النص ، وهو نسخ وهو غير جائز .
وجوابنا : أنا بينا دلالة الآية على وجوب الترتيب من جهات أخر غير التمسك بأن الواو توجب الترتيب والله أعلم .
المسألة السابعة : موالاة أفعال الوضوء ليست شرطا لصحته في القول الجديد للشافعي رحمه الله ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله ، وقال مالك رحمه الله : إنه شرط لنا أنه تعالى أوجب هذه الأعمال ، ولا شك أن إيجابها قدر مشترك بين إيجابها على سبيل الموالاة وإيجابها على سبيل التراخي ثم إنه تعالى حكم في آخر هذه الآية بأن هذا القدر يفيد حصول الطهارة ، وهو قوله { ولكن يريد ليطهركم } فثبت أن الوضوء بدون الموالاة يفيد حصول الطهارة ، فوجب أن نقول بجواز الصلاة بها لقوله عليه الصلاة والسلام : «مفتاح الصلاة الطهارة » .
المسألة الثامنة : قال أبو حنيفة رحمه الله : الخارج من غير السبيلين ينقض الوضوء ، وقال الشافعي رحمه الله لا ينقض ، احتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية فقال : ظاهرها يقتضي الإتيان بالوضوء لكل صلاة على ما بينا ذلك فيما تقدم ، ترك العمل به عندما لم يخرج الخارج النجس من البدن فيبقى معمولا به عند خروج الخارج النجس ، والشافعي رحمه الله عول على ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وصلى ولم يزد على غسل أثر محاجمه .
المسألة التاسعة : قال مالك رحمه الله : لا وضوء في الخارج من السبيلين إذا كان غير معتاد وسلم في دم الإستحاضة ، وقال ربيعة : لا وضوء أيضا في دم الإستحضانة ، لنا التمسك بعموم الآية .
المسألة العاشرة : قال أبو حنيفة رحمه الله : القهقهة في الصلاة المشتملة على الركوع والسجود تنقض الوضوء ، وقال الباقون : لا تنقض ، ولأبي حنيفة رحمه الله التمسك بعموم الآية على ما قررناه .
المسألة الحادية عشرة : قال الشافعي رحمه الله : لمس المرأة ينقض الوضوء ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : لا ينقضه ، للشافعي أن يتمسك بعموم الآية ، وهذا العموم متأكد بظاهر قوله تعالى : { أو لامستم النساء } وحجة الخصم خبر واحد ، أو قياس ، فلا يصير معارضا له .
المسألة الثانية عشرة : مس الفرج ينقض الوضوء عند الشافعي رحمه الله ، وقال أبو حنيفة رحمه الله لا ينقضه ، للشافعي رحمه الله أن يتمسك بعموم الآية ، وهذا العموم متأكد بقوله عليه الصلاة والسلام : «من مس ذكره فليتوضأ » والخبر الذي يتمسك به الخصم على خلاف عموم الآية فكان الترجيح معنا .
المسألة الثالثة عشرة : لو كان على بدنه أو وجهه نجاسة فغسلها ونوى الطهارة عن الحدث بذلك الغسل هل يصح وضوؤه ؟ ما رأيت هذه المسألة موضوعة في كتب أصحابنا . والذي أقوله : إنه يكفي لأنه أمر بالغسل في قوله { فاغسلوا } وقد أتى به فيخرج عن العهدة لأنه عند احتياجه إلى التبرد والتنظف لو نوى فإنه يصح وضوؤه ، كذا هاهنا . وأيضا قال عليه الصلاة والسلام : «لكل امرئ ما نوى » وهذا الإنسان نوى فيجب أن يحصل له المنوي والله أعلم .
المسألة الرابعة عشر : لو وقف تحت ميزاب حتى سال عليه الماء ونوى رفع الحدث هل يصح وضوؤه أم لا ؟ يمكن أن يقال : لا يصح ، لأنه أمر بالغسل ، والغسل عمل وهو لم يأت بالعمل ، ويمكن أن يقال : يصح لأن الغسل عبارة عن الفعل المفضي إلى الإنغسال ، والوقوف تحت الميزاب يفضي إلى الإنغسال فكان ذلك الوقوف غسلا .
المسألة الخامسة عشرة : إذا غسل هذه الأعضاء ثم بعد ذلك تقشرت الجلدة عنها فلا شك أن ما ظهر تحت الجلدة غير مغسول ، إنما المغسول هو تلك الجلدة وقد تقلصت وسقطت .
المسألة السادسة عشرة : الغسل عبارة عن إمرار الماء على العضو ، فلو رطب هذه الأعضاء ، ولكن ما سال الماء عليها لم يكف ، لأن الله تعالى أمر بإمرار الماء على العضو ، وفي غسل الجنابة احتمال أن يكفي ذلك ، والفرق أن المأمور به في الوضوء الغسل ، وذلك لا يحصل إلا عند إمرار الماء ، وفي الجناية المأمور به الطهر ، وهو قوله { ولكن يريد ليطهركم } وذلك حاصل بمجرد الترطيب .
المسألة السابعة عشرة : لو أخذ الثلج وأمره على وجهه ، فإن كان الهواء حارا يذيب الثلج ويسيل جاز ، وإن كان بخلافه لم يجز خلافا لمالك والأوزاعي . لنا أن قوله { فاغسلوا } يقتضي كونه مأمورا بالغسل ، وهذا لا يسمى غسلا ، فوجب أن لا يجزي .
المسألة الثامنة عشرة : التثليث في أعمال الوضوء سنة لا واجب ، إنما الواجب هو المرة الواحدة ، والدليل عليه أنه تعالى أمر بالغسل فقال { فاغسلوا وجوهكم وأيديكم } وماهية الغسل تدخل في الوجود بالمرة الواحدة ، ثم إنه تعالى رتب على هذا القدر حصول الطهارة فقال { ولكن يريد ليطهركم } فثبت أن المرة الواحدة كافية في صحة الوضوء ثم تأكد هذا بما روي أنه صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة ثم قال : «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به » .
المسألة التاسعة عشرة : السواك سنة ، وقال داود : واجب ولكن تركه لا يقدح في الصلاة . لنا أن السواك غير مذكور في الآية ، ثم حكم بحصول الطهارة بقوله { ولكن يريد ليطهركم } وإذا حصلت الطهارة حصل جواز الصلاة لقوله عليه الصلاة والسلام : «مفتاح الصلاة الطهارة » .
المسألة العشرون : التسمية في أول الوضوء سنة ، وقال أحمد وإسحاق : واجبة ، وإن تركها عامدا بطلت الطهارة ، لنا أن التسمية غير مذكورة في الآية ، ثم حكم بحصول الطهارة وقد سبق تقرير هذه الدلالة ، ثم تأكد هذا بما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : «من توضأ فذكر اسم الله عليه كان طهورا لجميع بدنه ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه كان طهورا لأعضاء وضوئه » .
المسألة الحادية والعشرون : قال بعض الفقهاء : تقديم غسل اليدين على الوضوء واجب ، وعندنا أنه سنة وليس بواجب ، والاستدلال بالآية كما قررناه في السواك وفي التسمية .
المسألة الثانية والعشرون : حد الوجه من مبدأ سطح الجبهة إلى منتهى الذقن طولا ، ومن الأذن إلى الأذن عرضا ، ولفظ الوجه مأخوذ من المواجهة فيجب غسل كل ذلك .
المسألة الثالثة والعشرون : قال ابن عباس رضي الله عنهما : يجب إيصال الماء إلى داخل العين ، وقال الباقون لا يجب ، حجة ابن عباس أنه وجب غسل كل الوجه لقوله { فاغسلوا وجوهكم } والعين جزء من الوجه ، فوجب أن يجب غسله . حجة الفقهاء أنه تعالى قال في آخر الآية { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج } ولا شك أن في إدخال لماء في العين حرجا والله أعلم .
المسألة الرابعة والعشرون : المضمضة والاستنشاق لا يجبان في الوضوء والغسل عند الشافعي رحمه الله ، وعند أحمد وإسحاق رحمهما الله واجبان فيهما ، وعند أبي حنيفة رحمه الله واجب في الغسل ، غير واجب في الوضوء . لنا أنه تعالى أوجب غسل الوجه ، والوجه هو الذي يكون مواجها وداخل الأنف والفم غير مواجه فلا يكون من الوجه .
إذ ثبت هذا فنقول : إيصال الماء إلى الأعضاء الأربعة يفيد الطهارة لقوله { ولكن يريد ليطهركم } والطهارة تفيد جواز الصلاة كما بيناه .
المسألة الخامسة والعشرون : غسل البياض الذي بين العذار والأذن واجب عند أبي حنيفة ومحمد والشافعي رحمهم الله ، وقال أبو يوسف رحمه الله لا يجب . لنا أنه من الوجه ، والوجه يجب غسله بالآية ، ولأنا أجمعنا على أنه يجب غسله قبل نبات الشعر ، فحيلولة الشعر بينه وبين الوجه لا تسقط كالجبهة لما وجب غسلها قبل نبات شعر الحاجب وجب أيضا بعده .
المسألة السادسة والعشرون : قال الشافعي رحمه الله : يجب إيصال الماء إلى ما تحت اللحية الخفيفة ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : لا يجب . لنا أن قوله تعالى : { فاغسلوا وجوهكم } يوجب غسل الوجه ، والوجه اسم للجلدة الممتدة من الجبهة إلى الذقن ، ترك العمل به عند كثافة اللحية عملا بقوله { وما جعل عليكم في الدين من حرج } وعند خفة اللحية لم يحصل هذا الحرج ، فكانت الآية دالة على وجوب غسله .
المسألة السابعة والعشرون : هل يجب إمرار الماء على ما نزل من اللحية عن حد الوجه وعلى الخارج منها إلى الأذنين عرضا ؟ للشافعي رحمه الله فيه قولان : أحدهما : أنه يجب . والثاني : أنه لا يجب ، وهو قول مالك وأبي حنيفة والمزني . حجة الشافعي رحمه الله أنا توافقنا على أن في اللحية الكثيفة لا يجب إيصال الماء إلى منابت الشعور وهي الجلد ، وإنما أسقطنا هذا التكليف لأنا أقمنا ظاهر اللحية مقام جلدة الوجه في كونه وجها ، وإذا كان ظاهر اللحية يسمى وجها والوجه يجب غسله بالتمام بدليل قوله { فاغسلوا وجوهكم } لزم بحكم هذا الدليل إيصال الماء إلى ظاهر جميع اللحية .
المسألة الثامنة والعشرون : لو نبت للمرأة لحية يجب إيصال الماء إلى جلدة الوجه وإن كانت تلك اللحية كثيفة ، وذلك لأن ظاهر الآية يدل على وجوب غسل الوجه ، والوجه عبارة عن الجلدة الممتدة من مبدأ الجبهة إلى منتهى الذقن ، تركنا العمل به في حق الرجال دفعا للحرج ، ولحية المرأة نادرة فتبقى على الأصل .
واعلم أنه يجب إيصال الماء إلى ما تحت الشعر الكثيف في خمسة مواضع : العنفقة ، والحاجبان ، والشاربان ، والعذاران ، وأهداب العين ، لأن قوله { فاغسلوا وجوهكم } يدل على وجوب غسل كل جلد الوجه ، ترك العمل به في اللحية الكثيفة دفعا للحرج ، وهذه الشعور خفيفة فلا حرج في إيصال الماء إلى الجلدة ، فوجب أن تبقى على الأصل .
المسألة التاسعة والعشرون : قال الشعبي : ما أقبل من الأذن معدود من الوجه فيجب غسله مع الوجه ، وما أدبر منه فهو معدود من الرأس فيمسح ، وعندنا الأذن ليست البتة من الوجه إذ الوجه ما به المواجهة ، والأذن ليست كذلك .
المسألة الثلاثون : قال الجمهور : غسل اليدين إلى المرفقين واجب معهما ، وقال مالك وزفر رحمهما الله : لا يجب غسل المرفقين ، وهذا الخلاف حاصل أيضا في قوله { وأرجلكم إلى الكعبين } حجة زفر أن كلمة { إلى } لانتهاء الغاية ، وما يجعل غاية للحكم يكون خارجا عنه كما في قوله { ثم أتموا الصيام إلى اليل } فوجب أن لا يجب غسل المرفقين .
والجواب من وجهين : الأول : أن حد الشيء قد يكون منفصلا عن المحدود بمقطع محسوس ، وهاهنا يكون الحد خارجا عن المحدود ، وهو كقوله { ثم أتموا الصيام إلى اليل } فإن النهار منفصل عن الليل انفصالا محسوسا لأن انفصال النور عن الظلمة محسوس ، وقد لا يكون كذلك كقولك : بعتك هذا الثوب من هذا الطرف إلى ذلك الطرف ، فإن طرف الثوب غير منفصل عن الثوب بمقطع محسوس .
إذا عرفت هذا فنقول : لا شك أن امتياز المرفق عن الساعد ليس له مفصل معين ، وإذا كان كذلك فليس إيجاب الغسل إلى جزء أولى من إيجابه إلى جزء آخر ، فوجب القول بإيجاب غسل كل المرفق .
الوجه الثاني من الجواب : سلمنا أن المرفق لا يجب غسله ، لكن المرفق اسم لما جاوز طرف العظم ، فإنه هو المكان الذي يرتفق به أي يتكأ عليه ، ولا نزاع في أن ما وراء طرف العظم لا يجب غسله ، وهذا الجواب اختيار الزجاج والله أعلم .
المسألة الحادية والثلاثون : الرجل إن كان أقطع ، فإن كان أقطع مما دون المرفق وجب عليه غسل ما بقي من المرفق لأن قوله { فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق } يقتضي وجوب غسل اليدين إلى المرفقين ، فإذا سقط بعضه بالقطع وجب غسل الباقي بحكم الآية ، وأما إن كان أقطع مما فوق المرفقين لم يجب شيء لأن محل هذا التكليف لم يبق أصلا ، وأما إذا كان أقطع من المرفق قال الشافعي رحمه الله : يجب إمساس الماء لطرف العظم ، وذلك لأن غسل المرفق لما كان واجبا والمرفق عبارة عن ملتقى العظمين ، فإذا وجب إمساس الماء لملتقى العظمين وجب إمساس الماء لطرف العظم الثاني لا محالة .
المسألة الثانية والثلاثون : تقديم اليمنى على اليسرى مندوب وليس بواجب ، وقال أحمد : هو واجب . لنا أنه تعالى ذكر الأيدي والأرجل ولم يذكر فيه تقديم اليمنى على اليسرى ، وذلك يدل على أن الواجب هو غسل اليدين بأي صفة كان والله أعلم .
المسألة الثالثة والثلاثون : السنة أن يصب الماء على الكف بحيث يسيل الماء من الكف إلى المرفق ، فإن صب الماء على المرفق حتى سال الماء إلى الكف ، فقال بعضهم : هذا لا يجوز لأنه تعالى قال : { وأيديكم إلى المرافق } فجعل المرافق غاية الغسل ، فجعله مبدأ الغسل خلاف الآية فوجب أن لا يجوز . وقال جمهور الفقهاء : أنه لا يخل بصحة الوضوء إلا أنه يكون تركا للسنة .
المسألة الرابعة والثلاثون : لو نبت من المرفق ساعدان وكفان وجب غسل الكل لعموم قوله { وأيديكم إلى المرافق } كما أنه لو نبت على الكف أصبع زائدة فإنه يجب غسلها بحكم هذه الآية .
المسألة الخامسة والثلاثون : قوله تعالى : { إلى المرافق } يقتضي تحديد الأمر لا تحديد المأمور به ، يعني أن قوله { فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق } أمر بغسل اليدين إلى المرفقين ، فإيجاب الغسل محدود بهذا الحد ، فبقي الواجب هو هذا القدر فقط ، أما نفس الغسل فغير محدود بهذا الحد لأنه ثبت بالأخبار أن تطويل الغرة سنة مؤكدة .
المسألة السادسة والثلاثون : قال الشافعي رحمه الله : الواجب في مسح الرأس أقل شيء يسمى مسحا للرأس ، وقال مالك : يجب مسح الكل ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : الواجب مسح ربع الرأس . حجة الشافعي أنه لو قال : مسحت المنديل ، فهذا لا يصدق إلا عند مسحه بالكلية أما لو قال : مسحت يدي بالمنديل فهذا يكفي في صدقه مسح اليدين بجزء من أجزاء ذلك المنديل .
إذا ثبت هذا فنقول : قوله { وامسحوا برؤوسكم } يكفي في العمل به مسح اليد بجزء من أجزاء الرأس ، ثم ذلك الجزء غير مقدر في الآية ، فإن أوجبنا تقديره بمقدار معين لم يمكن تعيين ذلك المقدار إلا بدليل مغاير لهذه الآية ، فيلزم صيرورة الآية مجملة وهو خلاف الأصل ، وإن قلنا : أنه يكفي فيه إيقاع المسح على أي جزء كان من أجزاء الرأس كانت الآية مبينة مفيدة ، ومعلوم أن حمل الآية على محمل تبقى الآية معه مفيدة أولى من حملها على محمل تبقى الآية معه مجملة ، فكان المصير إلى ما قلناه أولى . وهذا استنباط حسن من الآية .
المسألة السابعة والثلاثون : لا يجوز الاكتفاء بالمسح على العمامة ، وقال الأوزاعي والثوري وأحمد : يجوز . لنا أن الآية دالة على أنه يجب المسح على الرأس ، ومسح العمامة ليس مسحا للرأس واحتجوا بما روي أنه عليه الصلاة والسلام مسح على العمامة .
جوابنا : لعله مسح قدر الفرض على الرأس والبقية على العمامة .
المسألة الثامنة والثلاثون : اختلف الناس في مسح الرجلين وفي غسلهما ، فنقل القفال في تفسيره عن ابن عباس وأنس بن مالك وعكرمة والشعبي وأبي جعفر محمد بن علي الباقر : أن الواجب فيهما المسح ، وهو مذهب الأمامية من الشيعة . وقال جمهور الفقهاء والمفسرين : فرضهما الغسل ، وقال داود الأصفهاني : يجب الجمع بينهما وهو قول الناصر للحق من أئمة الزيدية . وقال الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري : المكلف مخير بين المسح والغسل .
حجة من قال بوجوب المسح مبني على القراءتين المشهورتين في قوله { وأرجلكم } فقرأ ابن كثير وحمزة وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر عنه بالجر ، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص عنه بالنصب ، فنقول : أما القراءة بالجر فهي تقتضي كون الأرجل معطوفة على الرؤوس ، فكما وجب المسح في الرأس فكذلك في الأرجل .
فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : هذا كسر على الجوار كما في قوله : جحر ضب خرب ، وقوله
كبير أناس في بجاد مزمل *** . . .
قلنا : هذا باطل من وجوه : الأول : أن الكسر على الجوار معدود في اللحن الذي قد يتحمل لأجل الضرورة في الشعر ، وكلام الله يجب تنزيهه عنه . وثانيهما : أن الكسر إنما يصار إليه حيث يحصل الأمن من الالتباس كما في قوله : جحر ضب خرب ، فإن من المعلوم بالضرورة أن الخرب لا يكون نعتا للضب بل للجحر ، وفي هذه الآية الأمن من الالتباس غير حاصل .
وثالثها : أن الكسر بالجوار إنما يكون بدون حرف العطف ، وأما مع حرف العطف فلم تتكلم به العرب ، وأما القراءة بالنصب فقالوا أيضا : إنها توجب المسح ، وذلك لأن قوله { وامسحوا برؤوسكم } فرؤوسكم في محل النصب ولكنها مجرورة بالباء ، فإذا عطفت الأرجل على الرؤوس جاز في الأرجل النصب عطفا على محل الرؤوس ، والجر عطفا على الظاهر ، وهذا مذهب مشهور للنحاة .
إذا ثبت هذا فنقول : ظهر أنه يجوز أن يكون عامل النصب في قوله { وأرجلكم } هو قوله { وامسحوا } ويجوز أن يكون هو قوله { فاغسلوا } لكن العاملان إذا اجتمعا على معمول واحد كان إعمال الأقرب أولى ، فوجب أن يكون عامل النصب في قوله { وأرجلكم } هو قوله { وامسحوا } فثبت أن قراءة { وأرجلكم } بنصب اللام توجب المسح أيضا ، فهذا وجه الاستدلال بهذه الآية على وجوب المسح ، ثم قالوا : ولا يجوز دفع ذلك بالأخبار لأنها بأسرها من باب الآحاد ، ونسخ القرآن بخير الواحد لا يجوز .
واعلم أنه لا يمكن الجواب عن هذا إلا من وجهين : الأول : أن الأخبار الكثيرة وردت بإيجاب الغسل ، والغسل مشتمل على المسح ولا ينعكس ، فكان الغسل أقرب إلى الاحتياط فوجب المصير إليه ، وعلى هذا الوجه يجب القطع بأن غسل الرجل يقوم مقام مسحها ، والثاني : أن فرض الرجلين محدود إلى الكعبين ، والتحديد إنما جاء في الغسل لا في المسح ، والقوم أجابوا عنه بوجهين : الأول : أن الكعب عبارة عن العظم الذي تحت مفصل القدم ، وعلى هذا التقدير فيجب المسح على ظهر القدمين ، والثاني : أنهم سلموا أن الكعبين عبارة عن العظمين الناتئين من جانبي الساق ، إلا أنهم التزموا أنه يجب أن يمسح ظهور القدمين إلى هذين الموضعين ، وحينئذ لا يبقى هذا السؤال .
المسألة التاسعة والثلاثون : مذهب جمهور الفقهاء أن الكعبين عبارة عن العظمين الناتئين من جانبي الساق ، وقالت الأمامية وكل من ذهب إلى وجوب المسح : أن الكعب عبارة عن عظم مستدير مثل كعب البقر والغنم موضوع تحت عظم الساق حيث يكون مفصل الساق والقدم ، وهو قول محمد بن الحسن رحمه الله . وكان الأصمعي يختار هذا القول ويقول : الطرفان الناتئان يسميان المنجمين . هكذا رواه القفال في تفسيره .
حجة الجمهور وجوه : الأول : أنه لو كان الكعب ما ذكره الامامية لكان الحاصل في كل رجل كعبا واحدا ، فكان ينبغي أن يقال : وأرجلكم إلى الكعاب ، كما أنه لما كان الحاصل في كل يد مرفقا واحدا لا جرم قال { وأيديكم إلى المرافق } والثاني : أن العظم المستدير الموضوع في المفصل شيء خفي لا يعرفه إلا المشرحون ، والعظمان الناتئان في طرفي الساق محسوسان معلومان لكل أحد ، ومناط التكاليف العامة يجب أن يكون أمرا ظاهرا ، لا أمرا خفيا . الثالث : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «ألصقوا الكعب بالكعاب » ولا شك أن المراد ما ذكرناه . الرابع : أن الكعب مأخوذ من الشرف والارتفاع ، ومنه جارية كاعب إذا نتأ ثدياها ، ومنه الكعب لكل ما له ارتفاع .
حجة الأمامية : أن اسم الكعب واقع على العظم المخصوص الموجود في أرجل جميع الحيوانات ، فوجب أن يكون في حق الإنسان كذلك ، وأيضا المفصل يسمى كعبا ، ومنه كعوب الرمح لمفاصله ، وفي وسط القدم مفصل ، فوجب أن يكون الكعب هو هو .
والجواب : أن مناط التكاليف الظاهرة يجب أن يكون شيئا ظاهرا ، والذي ذكرناه أظهر ، فوجب أن يكون الكعب هو هو .
المسألة الأربعون : أثبت جمهور الفقهاء جواز المسح على الخفين . وأطبقت الشيعة والخوارج على إنكاره ، واحتجوا بأن ظاهر قوله تعالى : { وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين } يقتضي إما غسل الرجلين أو مسحهما ، والمسح على الخفين ليس مسحا للرجلين ولا غسلا لهما ، فوجب أن لا يجوز بحكم نص هذه الآية ، ثم قالوا : أن القائلين بجواز المسح على الخفين إنما يعولون على الخبر ، لكن الرجوع إلى القرآن أولى من الرجوع إلى هذا الخبر ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن نسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز ، والثاني : أن هذه الآية في سورة المائدة ، وأجمع المفسرون على أن هذه السورة لا منسوخ فيها البتة إلا قوله تعالى : { يأيها الذين ءامنوا لا تحلوا شعائر الله } فإن بعضهم قال : هذه الآية منسوخة ، وإذا كان كذلك امتنع القول بأن وجوب غسل الرجلين منسوخ ، والثالث : أن خبر المسح على الخفين بتقدير أنه كان متقدما على نزول الآية كان خبر الواحد منسوخا بالقرآن ، ولو كان بالعكس كان خبر الواحد ناسخا للقرآن ، ولا شك أن الأول أولى لوجوه : الأول : أن ترجيح القرآن المتواتر على خبر الواحد أولى من العكس ، وثانيها : أن العمل بالآية أقرب إلى الاحتياط ، وثالثها : أنه قد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : «إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فاقبلوه وإلا فردوه » وذلك يقتضي تقديم القرآن على الخبر ، ورابعها : أن قصة معاذ تقتضي تقديم القرآن على الخبر .
الوجه الرابع : في بيان ضعف هذا الخبر : أن العلماء اختلفوا فيه ، فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : لأن تقطع قدماي أحب إلي من أن أمسح على الخفين ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : لأن أمسح على جلد حمار أحب إلي من أن أمسح على الخفين ، وأما مالك فإحدى الروايتين عنه أنه أنكر جواز المسح على الخفين ، ولا نزاع أنه كان في علم الحديث كالشمس الطالعة ، فلولا أنه عرف فيه ضعفا وإلا لما قال ذلك ، والرواية الثانية عن مالك أنه ما أباح المسح على الخفين للمقيم ، وأباحه للمسافر مهما شاء من غير تقدير فيه .
وأما الشافعي وأبو حنيفة وأكثر الفقهاء فإنهم جوزوه للمسافر ثلاثة أيام بلياليها من وقت الحدث بعد اللبس . وقال الحسن البصري : ابتداؤه من وقت لبس الخفين ، وقال الأوزاعي وأحمد : يعتبر وقت المسح بعد الحدث : قالوا : فهذا الاختلاف الشديد بين الفقهاء يدل على أن الخبر ما بلغ مبلغ الظهور والشهرة ، وإذا كان كذلك وجب القول بأن هذه الأقوال لما تعارضت تساقطت ، وعند ذلك يجب الرجوع إلى ظاهر كتاب الله تعالى . الخامس : أن الحاجة إلى معرفة جواز المسح على الخفين حاجة عامة في حق كل المكلفين ، فلو كان ذلك مشروعا لعرفه الكل ، ولبلغ مبلغ التواتر ، ولما لم يكن الأمر كذلك ظهر ضعفه ، فهذا جملة كلام من أنكر المسح على الخفين .
وأما الفقهاء فقالوا : ظهر عن بعض الصحابة القول به ولم يظهر من الباقين إنكار ، فكان ذلك إجماعا من الصحابة ، فهذا أقوى ما يقال فيه . وقال الحسن البصري : حدثني سبعون من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم أنه مسح على الخفين ، وأما إنكار ابن عباس رضي الله عنهما فروي أن عكرمة روى ذلك عنه ، فلما سئل ابن عباس عنه فقال : كذب علي . وقال عطاء : كان ابن عمر يخالف الناس في المسح على الخفين لكنه لم يمت حتى وافقهم ، وأما عائشة رضي الله عنها فروي أن شريح بن هانيء قال : سألتها عن مسح الخفين فقالت : اذهب إلى علي فاسأله فإنه كان مع الرسول صلى الله عليه وسلم في أسفاره ، قال : فسألته فقال امسح ، وهذا يدل على أن عائشة تركت ذلك الإنكار .
المسألة الحادية والأربعون : رجل مقطوع اليدين والرجلين سقط عنه هذان الفرضان وبقي عليه غسل الوجه ومسح الرأس . فإن لم يكن معه من يوضئه أو ييممه يسقط عنه ذلك أيضا ، لأن قوله تعالى : { وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين } مشروط بالقدرة عليه لا محالة ، فإذا فاتت القدرة سقط التكليف ، فهذا جملة ما يتعلق من المسائل بآية الوضوء .
قوله تعالى : { وإن كنتم جنبا فاطهروا } قال الزجاج : معناه فتطهروا ، إلا أن التاء تدغم في الطاء لأنهما من مكان واحد ، فإذا أدغمت التاء في الطاء سكن أول الكلمة فزيد فيها ألف الوصل ليبتدأ بها . فقيل : اطهروا .
واعلم أنه تعالى لما ذكر كيفية الطهارة الصغرى ذكر بعدها كيفية الطهارة الكبرى ، وهي الغسل من الجناية وفيه مسائل :
المسألة الأولى : لحصول الجناية سببان : الأول : نزول المني ، قال عليه الصلاة والسلام : «إنما الماء من الماء » والثاني : التقاء الختانين ، وقال زيد بن ثابت ومعاذ وأبو سعيد الخدري : لا يجب الغسل إلا عند نزول الماء . لنا قوله عليه الصلاة والسلام : «إذا التقى الختانان وجب الغسل » .
واعلم أن ختان الرجل هو الموضع الذي يقطع منه جلدة القلفة ، وأما ختان المرأة فاعلم أن شفريها محيطان بثلاثة أشياء : ثقبة في أسفل الفرج وهو مدخل الذكر ومخرج الحيض والولد ، وثقبة أخرى فوق هذه مثل إحليل الذكر وهي مخرج البول لا غير ، والثالث فوق ثقبة البول موضع ختانها ، وهناك جلدة رقيقة قائمة مثل عرف الديك ، وقطع هذه الجلدة هو ختانها ، فإذا غابت الحشفة حاذى ختانها ختانه .
المسألة الثانية : قوله { فاطهروا } أمر على الإطلاق بحيث لم يكن مخصوصا بعضو معين دون عضو ، فكان ذلك أمرا بتحصيل الطهارة في كل البدن على الإطلاق ، ولأن الطهارة لما كانت مخصوصة ببعض الأعضاء لا جرم ذكر الله تعالى تلك الأعضاء على التعيين ، فهاهنا لما لم يذكر شيئا من الأعضاء على التعيين علم أن هذا الأمر أمر بطهارة كل البدن .
واعلم أن هذا التطهير هو الاغتسال كما قال في موضع آخر { ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا } .
المسألة الثالثة : الدلك غير واجب في الغسل ، وقال مالك رحمه الله : واجب . لنا أن قوله { فاطهروا } أمر بتطهير البدن ، وتطهير البدن لا يعتبر فيه الدلك بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الاغتسال من الجناية قال : «أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات خفيفات من الماء فإذا أنا قد طهرت » أثبت حصول الطهارة بدون الدلك ، فدل على أن التطهير لا يتوقف على الدلك .
المسألة الربعة : لا يجوز للجنب مس المصحف . وقال داود : يجوز . لنا قوله { فاطهروا } فدل على أنه ليس بطاهر ، وإلا لكان ذلك أمرا بتطهير الطاهر وإنه غير جائز ، وإذا لم يكن طاهرا لم يجز له مس المصحف لقوله تعالى : { لا يمسه إلا المطهرون } . المسألة الخامسة : لا يجب تقديم الوضوء على الغسل ، وقال أبو ثور وداود : يجب . لنا أن قوله { فاطهروا } أمر بالتطهير ، والتطهير حاصل بمجرد الاغتسال ، ولا يتوقف على الوضوء بدليل قوله عليه الصلاة والسلام : «أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات فإذا أنا قد طهرت » .
المسألة السادسة : قال الشافعي رحمه الله : المضمضة والاستنشاق غير واجبين في الغسل ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : هما واجبان .
حجة الشافعي قوله عليه الصلاة والسلام : «أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات فإذا أنا قد طهرت » .
وحجة أبي حنيفة الآية والخبر . أما الآية فقوله تعالى : { فاطهروا } وهذا أمر بأن يطهروا أنفسهم ، وتطهير النفس لا يحصل إلا بتطهير جميع أجزاء النفس ، ترك العمل به في الأجزاء الباطنة التي يتعذر تطهيرها ، وداخل الفم والأنف يمكن تطهيرهما ، فوجب بقاؤهما تحت النص ، وأما الخبر فقوله عليه الصلاة والسلام : «بلوا الشعر وانقوا البشرة فإن تحت كل شعرة جنابة » فإن تحت كل شعرة جنابة فقوله «بلوا الشعر » يدخل فيه الأنف لأن في داخله شعرا ، وقوله «وانقوا البشرة » يدخل فيه جلدة داخل الفم .
المسألة الرابعة : شعر الرأس إن كان مفتولا لا مشدودا بعضه ببعض نظر ، فإن كان ذلك يمنع من وصول الماء إلى جلدة الرأس وجب نقضه ، وقال مالك لا يجب ، وإن كان لا يمنع لم يجب وقال النخعي : يجب . لنا أن قوله : { فاطهروا } عبارة عن إيصال الماء إلى جميع أجزاء البدن ، فإن كان شد بعض الشعور بالبعض مانعا منه وجب إزالة ذلك الشد ليزول ذلك المانع ، فإن لم يكن مانعا منه لم يجب إزالته ، لأن ما هو المقصود قد حصل فلا حاجة إليه .
المسألة الثامنة : قال الأكثرون : لا ترتيب في الغسل ، وقال إسحاق : تجب البداءة بأعلى البدن لنا أن قوله { فاطهروا } أمر بالتطهير المطلق ، وذلك حاصل بإيصال الماء إلى كل البدن ، فإذا حصل التطهير وجب أن يكون كافيا في الخروج عن العهدة .
قوله تعالى : { وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : يجوز للمريض أن يتيمم لقوله تعالى : { وإن كنتم مرضى أو على سفر } ولا يجوز أن يقال : إنه شرط فيه عدم الماء ، لأن عدم الماء يبيح التيمم ، فلا معنى لضمه إلى المرض ، وإنما يرجع قوله { فلم تجدوا ماء } إلى المسافر .
المسألة الثانية : المرض على ثلاثة أقسام : أحدها : أن يخاف الضرر والتلف ، فهاهنا يجوز التيمم بالاتفاق . الثاني : أن لا يخاف الضرر ولا التلف ، فهاهنا قال الشافعي : لا يجوز التيمم ، وقال مالك وداود يجوز ، وحجتهما أن قوله { وإن كنتم مرضى } يتناول جميع أنواع المرض . الثالث : أن يخاف الزيادة في العلة وبطء المرض ، فهاهنا يجوز له التيمم على أصح قولي الشافعي رحمه الله . وبه قال مالك وأبو حنيفة رحمهما الله ، والدليل عليه عموم قوله { وإن كنتم مرضى } الرابع : أن يخاف بقاء شين على شيء من أعضائه ، قال في الجديد : لا يتيمم ، قال في القديم يتيمم ، وهو الأصح لأنه هو المطابق للآية .
المسألة الثالثة : إن كان المرض المانع من استعمال الماء حاصلا في بعض جسده دون بعض ، فقال الشافعي رحمه الله : إنه يغسل ما لا ضرر عليه ثم يتيمم ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : إن كان أكثر البدن صحيحا غسل الصحيح دون التيمم ، وإن كان أكثره جريحا يكفيه التيمم . حجة الشافعي رحمه الله الأخذ بالاحتياط ، وحجة أبي حنيفة رحمه الله أن الله تعالى جعل المرض أحد أسباب جواز التيمم ، والمرض إذا كان حالا في بعض أعضائه فهو مريض فكان داخلا تحت الآية .
المسألة الرابعة : لو ألصق على موضع التيمم لصوقا يمنع وصول الماء إلى البشرة ولا يخاف من نزع ذلك اللصوق التلف ، قال الشافعي رحمه الله : يلزمه نزع اللصوق عند التيمم حتى يصل التراب إليه ، وقال الأكثرون : لا يجب . حجة الشافعي رعاية الاحتياط ، وحجة الجمهور أن مدار الأمر في التيمم على التخفيف وإزالة الحرج على ما قال تعالى : { وما جعل عليكم في الدين من حرج } فإيجاب نزع اللصوق حرج ، فوجب أن لا يجب .
المسألة الخامسة : يجوز التيمم في السفر القصير ، وقال بعض المتأخرين من أصحابنا : لا يجوز . لنا أن قوله تعالى : { أو على سفر } مطلق وليس فيه تفصيل أن السفر هل هو طويل أو قصير ، ولقائل أن يقول : أنا إذا قلنا السفر الطويل والقصير سببان للرخصة لكون لفظ السفر مطلقا وجب أن نقول : المرض الخفيف والشديد سببان للرخصة لكون لفظ المرض مطلقا ، ويدل أيضا على أن السفر القصير يبيح التيمم ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه انصرف من قومه فبلغ موضعا مشرفا على المدينة فدخل وقت العصر فطلب الماء للوضوء فلم يجد فجعل يتيمم ، فقال له مولاه : أتتيمم وهاهي تنظر إليك جدران المدينة ! فقال : أو أعيش حتى أبلغها ، وتيمم وصلى ، ودخل المدينة والشمس حية بيضاء وما أعاد الصلاة .
المسألة السادسة : المسافر إذا كان معه ماء ويخاف العطش جاز له أن يتيمم لقوله تعالى في آخر الآية { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج } ولأن فرض الوضوء سقط عنه إذا أضر بماله ، بدليل أنه إذا لم يجد الماء إلا بثمن كثير لم يجب عليه الوضوء ، فإذا أضر بنفسه كان أولى .
المسألة السابعة : إذا كان معه ماء وكان حيوان آخر عطشانا مشرفا على الهلاك يجوز له التيمم لأن ذلك الماء واجب الصرف إلى ذلك الحيوان ، لأن حق الحيوان مقدم على الصلاة ، ألا ترى أنه يجوز له قطع الصلاة عند إشراف صبي أو أعمى على غرق أو حرق ، فإذا كان كذلك كان ذلك الماء كالمعدوم ، فدخل حينئذ تحت قوله { فلم تجدوا ماء فتيمموا } .
المسألة الثامنة : إذ لم يكن معه ماء ولكن كان مع غيره ماء ، ولا يمكنه أن يشتري إلا بالغبن الفاحش جاز التيمم له : لأن قوله { وما جعل عليكم في الدين من حرج } رفع عنه تحمل الغبن الفاحش ، وحينئذ يكون كالفاقد للماء فيدخل تحت قوله { فلم تجدوا ماء فتيمموا } وكذا القول إذا كان يباع الماء بثمن المثل لكنه لا يجد ذلك الثمن ، أو كان معه ذلك الثمن لكنه يحتاج إليه حاجة ضرورية ، فأما إذا كان واجدا لثمن المثل ولم يكن به إليه حاجة ضرورية فهنا يجب شراء الماء .
المسألة التاسعة : إذا وهب منه ذلك الماء هل يجوز له التيمم ، قال أصحابنا : يجوز له التيمم ولا يجب عليه قبول ذلك الماء ، لأن المنة في قبول الهبة شاقة ، وأنا أتعجب منهم فإنهم لما جعلوا هذا القدر من الحرج سببا لجواز التيمم فلم لم يجدوا خوف زيادة الألم في المرض سببا لجواز التيمم .
المسألة العاشرة : إذا أعير منه الدلو والرشاء ، فهاهنا الأكثرون قالوا : لا يجوز له التيمم ، لأن المنة في هذه الإعارة قليلة ، وكان هذا الإنسان واجدا للماء من غير حرج فلم يجز له التيمم لأن قوله تعالى : { فلم تجدوا ماء فتيمموا } دليل على أنه يشترط لجواز التيمم عدم وجدان الماء .
المسألة الحادية عشرة : قوله { أو جاء أحد منكم من الغائط } كناية عن قضاء الحاجة ، وأكثر العلماء ألحقوا به كل ما يخرج من السبيلين سواء كان معتادا أو نادرا لدلالة الأحاديث عليه .
المسألة الثانية عشرة : قال الشافعي رحمه الله : الاستنجاء واجب إما بالماء وإما بالأحجار وقال أبو حنيفة رحمه الله : غير واجب .
حجة الشافعي قوله : فليستنج بثلاثة أحجار ، وحجة أبي حنيفة أنه تعالى قال : { أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا } أوجب عند المجيء من الغائط الوضوء أو التيمم ولم يوجب غسل موضع الحدث ، وذلك يدل على أنه غير واجب .
المسألة الثالثة عشرة : لمس المرأة ينقض الوضوء عند الشافعي رحمه الله ، ولا ينقض عند أبي حنيفة رحمه الله .
المسألة الرابعة عشرة : ظاهر قوله { أو لامستم النساء } يدل على انتقاض وضوء اللامس ، أما انتقاض وضوء الملموس فغير مأخوذ من الآية ، بل إنما أخذ من الخبر ، أو من القياس الجلي .
قوله تعالى : { فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا } وفيه مسائل ، وهي محصورة في نوعين : أحدهما : الكلام في أن الماء المطهر ما هو ؟ والثاني : الكلام في أن التيمم كيف هو ؟
المسألة الأولى : الوضوء بالماء المسخن جاز ولا يكره ، وقال مجاهد : يكره . لنا وجهان : الأول : قوله تعالى : { فاغسلوا وجوهكم } والغسل عبارة عن إمرار الماء على العضو وقد أتى به فيخرج عن العهدة . الثاني : أنه قال : { فلم تجدوا ماء فتيمموا } علق جواز التيمم بفقدان الماء ، وهاهنا لم يحصل فقدان الماء ، فوجب أن لا يجوز التيمم .
المسألة الثانية : قال أصحابنا : الماء إذا قصد تشميسه في الإناء كره الوضوء به ، وقال أبو حنيفة وأحمد رحمهما الله : لا يكره . حجة أصحابنا ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «من اغتسل بماء مشمس فأصابه وضح فلا يلومن إلا نفسه » ومن أصحابنا من قال : لا يكره ذلك من جهة الشرع ، بل من جهة الطب . وحجة أبي حنيفة رحمه الله أنه أمر بالغسل في قوله { فاغسلوا وجوهكم } وهذا غسل فيكون كافيا ، الثاني أنه واجد للماء فلم يجز له التيمم .
المسألة الثالثة : لا يكره الوضوء بما فضل عن وضوء المشرك ، وكذا لا يكره الوضوء بالماء الذي يكون في أواني المشركين . وقال أحمد وإسحاق لا يجوز . لنا أنه أمر بالغسل وقد أتى به ولأنه واجد للماء فلا يتيمم . وروى أنه عليه الصلاة والسلام توضأ من مزادة مشركة ، وتوضأ عمر رضي الله عنه من ماء في جرة نصرانية .
المسألة الرابعة : يجوز الوضوء بماء البحر . وقال عبد الله بن عمرو بن العاص لا يجوز . لنا أنه أمر بالغسل وقد أتى به ، ولأن شرط جواز التيمم عدم الماء ، ومن وجد ماء البحر فقد وجد الماء .
المسألة الخامسة : قال الشافعي رحمه الله : لا يجوز الوضوء بنبيذ التمر . وقال أبو حنيفة رحمه الله : يجوز ذلك في السفر . حجة الشافعي قوله { فلم تجدوا ماء فتيمموا } أوجب الشارع عند عدم الماء التيمم ، وعند الخصم يجوز له الترك للتيمم بل يجب ، وذلك بأن يتوضأ بنبيذ التمر ، فكان ذلك على خلاف الآية ، فإن تمسكوا بقصة الجن قلنا : قيل إن ذلك كان ماء نبذت فيه تميرات لإزالة الملوحة ، وأيضا فقصة الجن كانت بمكة وسورة المائدة آخر ما نزل من القرآن ، فجعل هذا ناسخا لذلك أولى .
المسألة السادسة : ذهب الأوزاعي والأصم إلى أنه يجوز الوضوء والغسل بجميع المائعات الطاهرة . وقال الأكثرون : لا يجوز . لنا أن عند عدم الماء أوجب الله التيمم ، وتجويز الوضوء بسائر المائعات يبطل ذلك . احتجوا بأن قوله تعالى : { فاغسلوا وجوهكم } أمر بمطلق الغسل ، وإمرار المائع على العضو يسمى غسلا كقول الشاعر :
فيا حسنها إذ يغسل الدمع كحلها *** . . .
وإذا كان الغسل اسما للقدر المشترك بين ما يحصل بالماء وبين ما يحصل بسائر المائعات كان قوله { فاغسلوا } إذنا في الوضوء بكل المائعات .
قلنا : هذا مطلق ، والدليل الذي ذكرناه مقيد ، وحمل المطلق على المقيد هو الواجب .
المسألة السابعة : قال الشافعي رحمه الله : الماء المتغير بالزعفران تغيرا فاحشا لا يجوز الوضوء به . وقال أبو حنيفة رحمه يجوز ، حجة الشافعي أن مثل هذا الماء لا يسمى ماء على الإطلاق فواجده غير واجد الماء ، فوجب أن يجب عليه التيمم ، وحجة أبي حنيفة رحمه الله أن واجده واجد للماء لأن الماء المتغير بالزعفران ماء موصوف بصفة معينة ، فكان أصل الماء موجودا لا محالة ، فواجده يكون واجدا للماء ، فوجب أن لا يجوز التيمم لقوله تعالى { فلم تجدوا ماء فتيمموا } علق جواز التيمم بعدم الماء .
المسألة الثامنة : الماء الذي تغير وتعفن بطول المكث طاهر طهور بدليل قوله تعالى : { فلم تجدوا ماء فتيمموا } علق جواز التيمم على عدم الماء وهذا الماء المتعفن ماء ، فوجب أن لا يجوز التيمم عند وجوده .
المسألة التاسعة : قال مالك وداود : الماء المستعمل في الوضوء يبقى طاهرا طهورا ، وهو قول قديم للشافعي رحمه الله ، والقول الجديد للشافعي أنه لم يبق طهورا ولكنه طاهر ، وهو قول م حمد بن الحسن . وقال أبو حنيفة رحمه الله في أكثر الروايات أنه نجس . حجة مالك أن جواز التيمم معلق على عدم وجدان الماء ، وهو قوله { فلم تجدوا ماء فتيمموا } وواجد الماء المستعمل واجد للماء ، فوجب أن لا يجوز التيمم ، وإذا لم يجز التيمم جاز له التوضؤ ، لأنه لا قائل بالفرق . وأيضا قال تعالى : { وأنزلنا من السماء ماء طهورا } والطهور هو الذي يتكرر منه هذا الفعل كالضحوك والقتول والأكول والشروب ، والتكرار إنما يحصل إذا كان المستعمل في الطهارة يجوز استعماله فيها مرة أخرى .
المسألة العاشرة : قال مالك : الماء إذا وقعت فيه نجاسة ولم يتغير الماء بتلك النجاسة بقي طاهرا طهورا سواء كان قليلا أو كثيرا ، وهو قول أكثر الصحابة والتابعين . وقال الشافعي رحمه الله : إن كان أقل من القلتين ينجس . وقال أبو حنيفة : إن كان أقل من عشرة في عشرة ينجس . حجة مالك أن الله جعل في هذه الآية عدم الماء شرطا لجواز التيمم ، وواجد هذا الماء الذي فيه النزاع واجد للماء ، فوجب أن لا يجوز له التيمم . أقصى ما في الباب أن يقال : هذا المعنى موجود عند صيرورة الماء القليل متغيرا ، إلا أنا نقول : العام حجة في غير محل التخصيص ، وأيضا قوله تعالى : { فاغسلوا وجوهكم } أمر بمطلق الغسل ، ترك العمل به في سائر المائعات وفي الماء القليل الذي تغير بالنجاسة ، فيبقى حجة في الباقي . وقال مالك رحمه الله : ثم تأيد التمسك بهذه الآية بقوله عليه الصلاة والسلام : «خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه أو لونه » ولا يعارض هذا بقوله عليه الصلاة والسلام : «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا » لأن القرآن أولى من خبر الواحد ، والمنطوق أولى من المفهوم .
المسألة الحادية عشرة : يجوز الوضوء بفضل ماء الجنب . وقال أحمد وإسحاق : لا يجوز بفضل ماء المرأة إذا خلت به ، وهو قول الحسن وسعيد بن المسيب . لنا قوله تعالى : { فلم تجدوا ماء فتيمموا } وواجد هذا الماء فلم يجز له التيمم ، وإذا لم يجز له ذلك جاز له الوضوء لأنه لا قائل بالفرق .
المسألة الثانية عشرة : أسآر السباع طاهرة مطهرة ، وكذا سؤر الحمار . وقال أبو حنيفة رحمه الله : نجسة . لنا أن واجد هذا السؤر واجد للماء فلم يجز له التيمم ، ولأن قوله { فاغسلوا } يتناول جميع أنواع الماء على ما تقدم تقرير هذين الوجهين .
المسألة الثالثة عشرة : الماء إذا بلغ قلتين ووقعت فيه نجاسة مغيرة بقي طاهرا طهورا عند الشافعي رحمه الله . وقال أبو حنيفة رحمه الله ينجس . لنا أنه واجد للماء فلم يجز له التيمم ، ولأنه أمر بالغسل وقد أتى به فخرج عن العهدة .
المسألة الرابعة عشرة : الماء الذي تفتت الأوراق فيه ، للناس فيه تفاصيل ، لكن هذه الآية دالة على كونه طاهرا مطهرا ما لم يزل عنه اسم الماء المطلق ، وبالجملة فهذه الآية دالة على أنه كلما بقي اسم الماء المطلق كان طاهرا طهورا .
النوع الثاني : من المسائل المستخرجة من هذه الآية من مسائل التيمم .
المسألة الأولى : قال الشافعي وأبو حنيفة والأكثرون رحمهم الله : لابد في التيمم من النية ، وقال زفر رحمه الله لا يجب . لنا قوله تعالى : { فتيمموا } والتيمم عبارة عن القصد ، فدل على أنه لابد من النية .
المسألة الثانية : قال الشافعي وأبو حنيفة : يجب تيمم اليدين إلى المرفقين ، وعن علي وابن عباس إلى الرسغين ، وعن مالك إلى الكوعين ، وعن الزهري إلى الآباط .
لنا : اليد اسم لهذا العضو إلى الإبط فقوله { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم } يقتضي المسح إلى الإبطين ، تركنا العمل بهذا النص في العضدين لأنا نعلم أن التيمم بدل عن الوضوء . ومبناه على التخفيف بدليل أن الواجب تطهير أعضاء أربعة في الوضوء ، وفي التيمم الواجب تطهير عضوين وتأكد هذا المعنى بقوله تعالى في آية التيمم { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج } فإذا كان العضدان غير معتبرين في الوضوء فبأن لا يكونا معتبرين في التيمم أولى ، وإذا خرج العضدان عن ظاهر النص بهذا الدليل بقي اليدان إلى المرفقين فيه ، فالحاصل أنه تعالى إنما ترك تقييد التيمم في اليدين بالمرفقين لأنه بدل عن الوضوء ، فتقييده بهما في الوضوء يغني عن ذكر هذا التقييد في التيمم .
المسألة الثالثة : يجب استيعاب العضوين في التيمم . ونقل الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه إذا يمم الأكثر جاز .
لنا قوله : { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه } والوجه واليد اسم لجملة هذين العضوين ، وذلك لا يحصل إلا بالاستيعاب ، ولقائل أن يقول : قد ذكرتم في قوله تعالى : { وامسحوا برؤوسكم } أن الباء تفيد التبعيض فكذا هاهنا .
المسألة الرابعة : قال الشافعي رحمه الله : إذا وضع يده على الأرض فما لم يعلق بيده شيء من الغبار لم يجزه ، وهو قول أبي يوسف رحمه لله . وقال أبو حنيفة ومالك رحمهما الله يجزئه .
لنا قوله تعالى : { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه } وكلمة { منه } تدل على التمسح بشيء من ذلك التراب كما أن من قال : فلان يمسح من الدهن أفاد هذا المعنى ، وقد بالغنا في تقرير هذا في تفسير آية التيمم من سورة النساء والله أعلم .
المسألة الخامسة : قال الشافعي رحمه الله : لا يجوز التيمم إلا بالتراب الخالص ، وهو قول أبي يوسف رحمه الله . وقال أبو حنيفة رحمه الله : يجوز بالتراب وبالرمل وبالخزف المدقوق والجص والنورة والزرنيخ .
لنا ما روي أن ابن عباس قال : الصعيد هو التراب ، وأيضا التيمم طهارة غير معقولة المعنى ، فوجب الاقتصار فيه على مورد النص ، والنص المفصل إنما ورد في التراب . قال عليه الصلاة والسلام : «التراب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج » وقال «جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا » والله أعلم .
المسألة السادسة : لو وقف على مهب الرياح فسفت الرياح التراب عليه فأمر يده عليه أو لم يمر ظاهر مذهب الشافعي رحمه الله أنه لا يكفي . وقال بعض المحققين يكفي ، لأنه لما وصل الغبار إلى أعضائه ثم أمر الغبار على تلك الأعضاء فقد قصد إلى استعمال الصعيد الطيب في أعضائه فكان كافيا .
المسألة السابعة : المذهب أنه إذا يممه غيره صح ، وقيل لا يصح لأن قوله { فتيمموا } أمر له بالفعل ولم يوجد .
المسألة الثامنة : قال الشافعي رحمه الله : لا يجوز التيمم إلا بعد دخول وقت الصلاة . وقال أبو حنيفة رحمه الله يجوز .
لنا قوله تعالى : { إذا قمتم إلى الصلاة } إلى قوله { فلم تجدوا ماء فتيمموا } والقيام إلى الصلاة إنما يكون بعد دخول وقتها .
المسألة التاسعة : إذا ضرب رجله حتى ارتفع عنه غبار قال أبو حنيفة رحمه الله : يجوز له أن يتيمم ، وقال أبو يوسف رحمه الله لا يجوز . حجة أبي يوسف قوله تعالى : { فتيمموا صعيدا طيبا } والغبار المنفصل عن التراب لا يقال إنه صعيد طيب ، فوجب أن لا يجزى .
المسألة العاشرة : لا يجوز التيمم بتراب نجس لقوله تعالى : { فتيمموا صعيدا طيبا } والنجس لا يكون طيبا .
المسألة الحادية عشرة : قال الشافعي رحمه الله : المسافر إذا لم يجد الماء بقربه لم يجز له التيمم إلا بعد الطلب عن اليمين واليسار ، وإن كان هناك واد هبط إليه ، وإن كان جبل صعده . وقال أبو حنيفة رحمه الله : إذا غلب على ظنه عدم الماء لم يجب طلبه .
لنا قوله تعالى : { فلم تجدوا ماء فتيمموا } جعل عدم وجدان الماء شرطا لجواز التيمم ، وعدم الوجدان مشروط بتقديم الطلب ، فدل هذا على أنه لابد من تقديم الطلب .
المسألة الثانية عشرة : لا يصح الطلب إلا بعد دخول وقت الصلاة ، فإن طلب قبله يلزمه الطلب ثانيا بعد دخول الوقت ، إلا أن يحصل عنده يقين أن الأمر بقي كما كان ولم يتغير .
لنا قوله تعالى : { إذا قمتم إلى الصلاة } إلى قوله { فلم تجدوا ماء فتيمموا } فقوله { إذا قمتم إلى الصلاة } عبارة عن دخول الوقت ، فوجب أن يكون قوله { فلم تجدوا } عبارة عن عدم الوجدان بعد دخول الوقت ، وعدم الوجدان بعد دخول الوقت مشروط بحصول الطلب بعد دخول الوقت ، فعلمنا أنه لابد من الطلب بعد دخول الوقت .
المسألة الثالثة عشرة : لا خلاف في جواز التيمم بدلا عن الوضوء . وأما التيمم بدلا عن الغسل في حق الجنب فعن علي وابن عباس جوازه ، وهو قول أكثر الفقهاء . وعن عمر وابن مسعود أنه لا يجوز .
لنا أن قوله : إما أن يكون مختصا بالجماع أو يدخل فيه الجماع ، فوجب جواز التيمم بدلا عن الغسل لقوله { أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا } .
المسألة الرابعة عشرة : قال الشافعي رحمه الله : لا يجمع بالتيمم بين فرضين وإن لم يحدث كما في الوضوء . وقال أحمد : يجمع بين الفوائت ولا يجمع بين صلاتي وقتين .
حجة الشافعي : قوله تعالى : { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا } إلى قوله { وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا } .
وجه الاستدلال به أن ظاهره يقتضي الأمر بكل وضوء عند كل صلاة إن وجد الماء ، وبالتيمم إن فقد الماء ، ترك العمل به في الوضوء لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيبقى في التيمم على مقتضى ظاهر الآية .
المسألة الخامسة عشرة : قال الشافعي رحمه الله : إذا لم يجد الماء في أول الوقت ويتوقع وجدانه في آخر الوقت جاز له التيمم في أول الوقت . وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى : بل يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت .
حجة الشافعي : قوله { إذا قمتم إلى الصلاة } إلى قوله { فلم تجدوا ماء } وقوله { إذا قمتم إلى الصلاة } ليس المراد منه القيام إلى الصلاة ، بل المراد دخول وقت الصلاة . وهذا يدل على أن عند دخول الوقت إذا لم يجد الماء جاز له التيمم .
المسألة السادسة عشرة : إذا وجد الماء بعد التيمم وقبل الشروع في الصلاة بطل تيممه . وقال أبو موسى الأشعري والشعبي : لا يبطل .
لنا قوله تعالى : { يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلاة } إلى قوله { فلم تجدوا ماء فتيمموا } شرط عدم وجدان الماء بجواز الشروع في الصلاة بالتيمم ، ومن وجد الماء بعد التيمم وقبل الشروع في الصلاة فقد فاته هذا الشرط فوجب أن لا يجوز له الشروع في الصلاة بذلك التيمم .
المسألة السابعة عشرة : لو فرغ من الصلاة ثم وجد الماء لا يلزمه إعادة الصلاة . قال طاوس : يلزمه .
لنا قوله تعالى : { يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلاة } إلى قوله { فلم تجدوا ماء فتيمموا } جوز له الشروع في الصلاة بالتيمم ، عند عدم وجدان الماء ، وقد حصل ذلك ، فوجب أن يكون سببا لخروجه عن عهدة التكليف ، لأن الإتيان بالمأمور به سبب للأجزاء .
المسألة الثامنة عشرة : لو وجد الماء في أثناء الصلاة لا يلزمه الخروج منها ، وبه قال مالك وأحمد خلافا لأبي حنيفة والثوري ، وهو اختيار المزني وابن شريح .
لنا أن عدم وجدان الماء يقتضي جواز الشروع في الصلاة بحكم التيمم على ما دلت الآية عليه ، فقد انتقدت عليه صلاته صحيحة ، فإذا وجد الماء في أثناء الصلاة فنقول : ما لم يبطل صلاته لا يصير قادرا على استعمال الماء ، وما لم يصر قادرا على استعمال الماء لا تبطل صلاته ، فيتوقف كل واحد منهما على الآخر ، فيكون دورا وهو باطل . والله أعلم .
المسألة التاسعة عشرة : لو نسي الماء في رحله وتيمم وصلى ثم علم وجود الماء لزمه الإعادة على أحد قولي الشافعي رحمه الله ، وهو قول أحمد وأبي يوسف ، والقول الثاني أنه لا يلزمه ، وهو قول مالك وأبي حنيفة . حجة القول الثاني أنه عاجز عن الماء لأن عدم الماء كما أنه سبب للعجز عن استعمال الماء ، فكذلك النسيان سبب للعجز ، فثبت أنه عند النسيان عاجز فيه ، فيدخل تحت قوله { فلم تجدوا ماء فتيمموا } وحجة القول الأول أنه غير معذور في ذلك النسيان .
المسألة العشرون : إذا ضل رحله في الرحال ففيه الخلاف المذكور ، والأولى أن لا تجب الإعادة .
المسألة الحادية والعشرون : إذا نسي كون الماء في رحله ولكنه استقصى في الطلب فلم يجده وتيمم وصلى ثم وجده ، فالأكثرون على أنه تجب الإعادة لأن العذر ضعيف . وقال قوم : لا تجب الإعادة ، لأنه لما استقصى في الطلب صار عاجزا عن استعمال الماء فدخل تحت قوله { فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا } .
المسألة الثانية والعشرون : لو صلى بالتيمم ثم وجد ماء في بئر بجنبه يمكن استعمال ذلك الماء ، فإن كان قد علمه أولا ثم نسيه فهو كما لو نسي الماء في رحله ، وإن لم يكن عالما بها قط ، فإن كان عليها علامة ظاهرة لزمه الإعادة ، وإن لم يكن عليها علامة فلا إعادة لأنه عاجز عن استعمال الماء ، فدخل تحت قوله { فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا } فهذا جملة الكلام في المسائل الفقهية المستنبطة من هذه الآية ، وهي مائة مسألة ، وقد كتبناها في موضع ما كان معنا شيء من الكتب الفقهية المعتبرة ، وكان القلب مشوشا بسبب استيلاء الكفار على بلاد المسلمين . فنسأل الله تعالى أن يكفينا شرهم ، وأن يجعل كدنا في استنباط أحكام الله من نص الله سببا لرجحان الحسنات على السيئات أنه أعز مأمول وأكرم مسؤول .
قوله تعالى : { ما يريد ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون } وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : دلت الآية على أنه تعالى مريد ، وهذا متفق عليه بين الأئمة ، إلا أنهم اختلفوا في تفسير كونه مريدا ، فقال الحسن النجار : أنه مريد بمعنى أنه غير مغلوب ولا مكره ، وعلى هذا التقدير فكونه تعالى { مريدا } صفة سلبية ، ومنهم من قال : إنه صفة ثبوتية ، ثم اختلفوا فقال بعضهم : معنى كونه مريدا لأفعال نفسه أنه دعاه الداعي إلى إيجادها ، ومعنى كونه مريدا لأفعال غيره أنه دعاه الداعي إلى الأمر بها ، وهو قول الجاحظ وأبي قاسم الكعبي وأبي الحسين البصري من المعتزلة . وقال الباقون : كونه مريدا صفة زائدة على العلم ، وهو الذي سميناه بالداعي ، ثم منهم من قال : إنه مريد لذاته ، وهذه هي الرواية الثانية عن الحسن النجار . وقال آخرون : إنه مريد بإرادة ، ثم قال أصحابنا : مريد بإرادة قديمة . قالت المعتزلة البصرية : مريد بإرادة محدثة لا في محله وقالت الكرامية : مريد بإرادة محدثة قائمة بذاته ، والله أعلم .
المسألة الثانية : قالت المعتزلة : دلت الآية على أن تكليف ما لا يطاق لا يوجد لأنه تعالى أخبر أنه ما جعل عليكم في الدين من حرج ، ومعلوم أن تكليف ما لا يطاق أشد أنواع الحرج . قال أصحابنا : لما كان خلاف المعلوم محال الوقوع فقد لزمكم ما ألزمتموه علينا .
المسألة الثالثة : اعلم أن هذه الآية أصل كبير معتبر في الشرع ، وهو أن الأصل في المضار أن لا تكون مشروعة ، ويدل عليه هذه الآية فإنه تعالى قال : { ما جعل عليكم في الدين من حرج } ويدل عليه أيضا قوله تعالى : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } ويدل عليه من الأحاديث قوله عليه السلام : «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام » ويدل عليه أيضا أن دفع الضرر مستحسن في العقول فوجب أن يكون الأمر كذلك في الشرع لقوله عليه السلام : «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن » وأما بيان أن الأصل في المنافع الإباحة فوجوه : أحدها : قوله تعالى : { خلق لكم ما في الأرض جميعا } وثانيها : قوله «أحل لكم الطيبات » وقد بينا أن المراد من الطيبات المستلذات والأشياء التي ينتفع بها ، وإذا ثبت هذان الأصلان فعند هذا قال نفاة القياس : لا حاجة البتة أصلا إلى القياس في الشرع ؛ لأن كل حادثة تقع فحكمها المفصل إن كان مذكورا في الكتاب والسنة فذاك هو المراد وإن لم يكن كذلك ، فإن كان من باب المضار حرمناه بالدلائل الدالة على أن الأصل في المضار الحرمة ، وإن كان من باب المنافع أبحناه بالدلائل الدالة على إباحة المنافع ، وليس لأحد أن يقدح في هذين الأصلين بشيء من الأقيسة لأن القياس المعارض لهذين الأصلين يكون قياسا واقعا في مقابلة النص ، وأنه مردود ، فكان باطلا .
المسألة الرابعة : قوله { ولكن يريد ليطهركم } اختلفوا في تفسير هذا التطهير ، فقال جمهور أهل النظر من أصحاب أبي حنيفة رحمه الله : إن عند خروج الحدث تنجس الأعضاء نجاسة حكمية ، فالمقصود من هذا التطهير إزالة تلك النجاسة الحكمية ، وهذا الكلام عندنا بعيد جدا ، ويدل عليه وجوه : الأول : قوله تعالى : { إنما المشركون نجس } وكلمة { إنما } للحصر ، وهذا يدل على أن المؤمن لا تنجس أعضاؤه البتة . الثاني : قوله عليه السلام : «المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا » فهذا الحديث مع تلك الآية كالنص الدال على بطلان ما قالوه . الثالث : أجمعت الأمة على أن بدن المحدث لو كان رطبا فأصابه ثوب لم يتنجس ، ولو حمله إنسان وصلى لم تفسد صلاته ، وذلك يدل على أنه لا نجاسة في أعضاء المحدث . الرابع : أن الحدث لو كان يوجب نجاسة الأعضاء الأربعة ثم كان تطهير الأعضاء الأربعة يوجب طهارة كل الأعضاء لوجب أن لا يختلف ذلك باختلاف الشرائع ، ومعلوم أنه ليس الأمر كذلك . الخامس : أن خروج النجاسة من موضع كيف يوجب تنجس موضع آخر ! السادس : أن قوله { ولكن يريد ليطهركم } مذكور عقيب التيمم ، ومن المعلوم بالضرورة أن التيمم زيادة في التقذير وإزالة الوضاءة والنظافة ، وأنه لا يزيل شيئا من النجاسات أصلا ، السابع : أن المسح على الخفين قائم مقام غسل الرجلين ، ومعلوم أن هذا المسح لا يزيل شيئا البتة عن الرجلين ، الثامن : أن الذي يراد زواله إن كان من جملة الأجسام فالحس يشهد ببطلان ذلك ، وإن كان من جملة الإعراض فهو محال ، لأن انتقال الأعراض محال ، فثبت بهذه الوجوه أن الذي يقوله هؤلاء الفقهاء بعيد .
الوجه الثاني : في تفسير هذا التطهير أن يكون المراد منه طهارة القلب عن صفة التمرد عن طاعة الله تعالى ، وذلك لأن الكفر والمعاصي نجاسة للأرواح ، فإن النجاسة إنما كانت نجاسة لأنها شيء يراد نفيه وإزالته وتبعيده ، والكفر المعاصي كذلك ، فكانت نجاسات روحانية ، وكما أن إزالة النجاسات الجسمانية تسمى طهارة فكذلك إزالة هذه العقائد الفاسدة والأخلاق الباطلة تسمى طهارة ، ولهذا التأويل قال الله تعالى : { إنما المشركون نجس } فجعل رأيهم نجاسة ، وقال { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا } فجعل براءتهم عن المعاصي طهارة لهم . وقال في حق عيسى عليه السلام : { إني متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا } فجعل خلاصه عن طعنهم وعن تصرفهم فيه تطهيرا له .
وإذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى لما أمر العبد بإيصال الماء إلى هذه الأعضاء المخصوصة وكانت هذه الأعضاء طاهرة لم يعرف العبد في هذا التكليف فائدة معقولة ، فلما انقاد لهذا التكليف كان ذلك الانقياد لمحض إظهار العبودية والانقياد للربوبية ، فكان هذا الانقياد قد أزال عن قلبه آثار التمرد فكان ذلك طهارة ، فهذا هو الوجه الصحيح في تسمية هذه الأعمال طهارة ، وتأكد هذا بالأخبار الكثيرة الواردة في أن المؤمن إذا غسل وجهه خرت خطاياه من وجهه ، وكذا القول في يديه ورأسه ورجائه .
واعلم أن هذه القاعدة التي قررناها أصل معتبر في مذهب الشافعي رحمه الله ، وعليه يخرج كثير من المسائل الخلافية في أبواب الطهارة ، والله أعلم .
أما قوله { وليتم نعمته عليكم } ففيه وجهان : الأول : أن الكلام متعلق بما ذكر من أول السورة إلى هنا ، وذلك لأنه تعالى أنعم في أول السورة بإباحة الطيبات من المطاعم والمناكح ، ثم إنه تعالى ذكر بعده كيفية فرض الوضوء فكأنه قال : إنما ذكرت ذلك لتتم النعمة المذكورة أولا وهي نعمة الدنيا ، والنعمة المذكورة ثانيا وهي نعمة الدين . الثاني : أن المراد : وليتم نعمته عليكم أي بالترخص في التيمم والتخفيف في حال السفر والمرض ، فاستدلوا بذلك على أنه تعالى يخفف عنكم يوم القيامة بأن يعفو عن ذنوبكم ويتجاوز عن سيئاتكم .
ثم قال تعالى : { لعلكم تشكرون } والكلام في " لعل " مذكور في أول سورة البقرة في قوله تعالى : { لعلكم تتقون } ، والله أعلم .
وفي ظل الحديث عن الطيبات من الطعام والطيبات من النساء يجيء ذكر الصلاة ، وأحكام الطهارة للصلاة .
( يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ، وامسحوا برؤوسكم ، وأرجلكم إلى الكعبين . وإن كنتم جنبا فاطهروا . وإن كنتم مرضى ، أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط ، أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء ، فتيمموا صعيدا طيبا ، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه . ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ، ولكن يريد ليطهركم ، وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون ) . .
إن الحديث عن الصلاة والطهارة إلى جانب الحديث عن الطيبات من الطعام والطيبات من النساء . وإن ذكر حكم الطهارة إلى جانب أحكام الصيد والإحرام والتعامل مع الذين صدوا المسلمين عن المسجد الحرام . . إن هذا لا يجيء اتفاقا ومصادفة لمجرد السرد ، ولا يجيء كذلك بعيدا عن جو السياق وأهدافه . . إنما هو يجيء في موضعه من السياق ، ولحكمته في نظم القرآن . .
إنها - أولا - لفتة إلى لون آخر من الطيبات . . طيبات الروح الخالصة . . إلى جانب طيبات الطعام والنساء . . لون يجد فيه قلب المؤمن ما لا يجده في سائر المتاع أنه متاع اللقاء مع الله ، في جو من الطهر والخشوع والنقاء . . فلما فرغ من الحديث عن متاع الطعام والزواج ارتقى إلى متاع الطهارة والصلاة ؛ استكمالا لألوان المتاع الطيبة في حياة الإنسان . . والتي بها يتكامل وجود " الإنسان " .
ثم اللفتة الثانية . . إن إحكام الطهارة والصلاة ؛ كأحكام الطعام والنكاح ؛ كأحكام الصيد في الحل والحرمة ؛ كأحكام التعامل مع الناس في السلم والحرب . . . كبقية الأحكام التالية في السورة . . . كلها عبادة لله . وكلها دين الله . فلا انفصام في هذا الدين بين ما اصطلح أخيرا - في الفقة - على تسميته " بأحكام العبادات " ، وما اصطلح على تسميته " بأحكام المعاملات " . .
هذه التفرقة - التي اصطنعها " الفقة " حسب مقتضيات " التصنيف " و " التبويب " - لا وجود لها في أصل المنهج الرباني ، ولا في أصل الشريعة الإسلامية . . إن هذا المنهج يتألف من هذه وتلك على السواء . وحكم هذه كحكم تلك في أنها تؤلف دين الله وشريعته ومنهجه ؛ وليست هذه بأولى من تلك في الطاعة والاتباع . لا ، بل إن أحد الشطرين لا يقوم بغير الآخر . والدين لا يستقيم إلا بتحققهما في حياة الجماعة المسلمة على السواء .
كلها " عقود " من التي أمر الله المؤمنين في شأنها بالوفاء . وكلها " عبادات " يؤديها المسلم بنية القربى إلى الله . وكلها " إسلام " وإقرار من المسلم بعبوديته لله .
ليس هنالك " عبادات " وحدها و " معاملات " وحدها . . إلا في " التصنيف الفقهي " . . وكلتا العبادات والمعاملات بمعناها هذا الاصطلاحي . . كلها " عبادات " و " فرائض " و " عقود " مع الله . والإخلال بشيء منها إخلال بعقد الإيمان مع الله !
وهذه هي اللفتة التي يشير إليها النسق القرآني ؛ وهو يوالي عرض هذه الأحكام المتنوعة في السياق .
( يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة . . . ) . .
إن الصلاة لقاء مع الله ، ووقوف بين يديه - سبحانه - ودعاء مرفوع إليه ، ونجوى وإسرار . فلا بد لهذا الموقف من استعداد . لا بد من تطهر جسدي يصاحبه تهيؤ روحي . ومن هنا كان الوضوء - فيما نحسب والعلم لله - وهذه هي فرائضه المنصوص عليها في هذه الآية :
غسل الوجه . غسل الأيدي إلى المرافق . ومسح الرأس وغسل الرجلين إلى الكعبين . . وحول هذه الفرائض خلافات فقهية يسيره . . أهمها هل هذه الفرائض على الترتيب الذي ذكرت به ؟ أم هي تجزى ء على غير ترتيب ؟ قولان . .
هذا في الحدث الأصغر . . أما الجنابة - سواء بالمباشرة أو الاحتلام - فتوجب الاغتسال . .
ولما فرغ من بيان فرائض الوضوء ، والغسل ، أخذ في بيان حكم التيمم . وذلك في الحالات الآتية : حالة عدم وجود الماء للمحدث على الإطلاق . .
وحالة المريض المحدث حدثا أصغر يقتضي الوضوء ، أو حدثا أكبر يقتضي الغسل والماء يؤذيه . .
وحالة المسافر المحدث حدثا أصغر أو أكبر . .
وقد عبر عن الحدث الأصغر بقوله : ( أو جاء أحد منكم من الغائط ) . . والغائط مكان منخفض كانوا يقضون حاجتهم فيه . . والمجيء من الغائط كناية عن قضاء الحاجة تبولا أو تبرزا .
وعبر عن الحدث الأكبر بقوله : ( أو لامستم النساء ) . . لأن هذا التعبير الرقيق يكفي في الكناية عن المباشرة . .
ففي هذه الحالات لا يقرب المحدث - حدثا أصغر أو أكبر - الصلاة ، حتى يتيمم . . فيقصد صعيدا طيبا . . أي شيئا من جنس الأرض طاهرا - يعبر عن الطهارة بالطيبة - ولو كان ترابا على ظهر الدابة ، أو الحائط . فيضرب بكفيه ، ثم ينفضهما ، ثم يمسح بهما وجهه ، ثم يمسح بهما يديه إلى المرفقين . . ضربة للوجة واليدين . أو ضربتين . . قولان . .
وهناك خلافات فقهية حول المقصود بقوله تعالى : ( أو لامستم النساء ) . . أهو مجرد الملامسة ؟ أم هي المباشرة ؟ وهل كل ملامسة بشهوة ولذة أم بغير شهوة ولذة ؟ خلاف . .
كذلك هل المرض بإطلاقه يجيز التيمم ؟ أم المرض الذي يؤذيه الماء ؟ خلاف . .
ثم . . هل برودة الماء من غير مرض ؛ وخوف المرض والأذى يجيز التيمم . . الأرجح نعم . . وفي ختام الآية يجيء هذا التعقيب :
( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج . ولكن يريد ليطهركم ، وليتم نعمته عليكم ، لعلكم تشكرون ) . . والتطهير حالة واجبة للقاء الله - كما أسلفنا - وهو يتم في الوضوء والغسل جسما وروحا . فأما في التيمم فيتم الشطر الأخير منه ؛ ويجزى ء في التطهر عند عدم وجود الماء ، أو عندما يكون هناك ضرر في استعمال الماء . ذلك أن الله - سبحانه - لا يريد أن يعنت الناس ، ويحملهم على الحرج والمشقة بالتكاليف . إنما يريد أن يطهرهم ، وأن ينعم عليهم بهذه الطهارة ؛ وأن يقودهم إلى الشكر على النعمة ، ليضاعفها لهم ويزيدهم منها . .
فهو الرفق والفضل والواقعية في هذا المنهج اليسير القويم .
وتقودنا حكمة الوضوء والغسل والتيمم التي كشف النص عنها هنا :
( ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون ) . .
تقودنا إلى تلك الوحدة التي يحققها الإسلام في الشعائر والشرائع على السواء . فليس الوضوء والغسل مجرد تنظيف للجسد ، ليقول متفلسفة هذه الأيام : إننا لسنا في حاجة إلى هذه الإجراءات ، كما كان العرب البدائيون ! لأننا نستحم وننظف أعضاءنا بحكم الحضارة ! إنما هي محاولة مزدوجة لتوحيد نظافة الجسم وطهارة الروح في عمل واحد ؛ وفي عبادة واحدة يتوجه بها المؤمن إلى ربه . وجانب التطهر الروحي أقوى . لأنه عند تعذر استخدام الماء ، يستعاض بالتيمم ، الذي لا يحقق إلا هذا الشطر الأقوى . . وذلك كله فضلا على أن هذا الدين منهج عام ليواجه جميع الحالات ، وجميع البيئات ، وجميع الأطور ، بنظام واحد ثابت ، فتتحقق حكمته في جميع الحالات والبيئات والأطور ؛ في صورة من الصور ، بمعنى من المعاني ؛ ولا تبطل هذه الحكمة أو تتخلف في أية حال .
فلنحاول أن نتفهم أسرار هذه العقيدة قبل أن نفتي فيها بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ، ولنحاول أن نكون أكثر أدبا مع الله ؛ فيما نعلم وفيما لا نعلم على السواء .
كذلك يقودنا الحديث عن التيمم للصلاة عند تعذر الطهارة بالوضوء أو الغسل أو ضررها إلى لفتة أخرى عن الصلاة ذاتها ، عن حرص المنهج الإسلامي على إقامة الصلاة ؛ وإزالة كل عائق يمنع منها . . فهذا الحكم بالإضافة إلى الأحكام الأخرى كالصلاة عند الخوف والصلاة في حالة المرض من قعود أو من استلقاء حسب الإمكان . . كل هذه الأحكام تكشف عن الحرص البالغ على إقامة الصلاة ؛ وتبين إلى أي حد يعتمد المنهج على هذه العبادة لتحقيق أغراضه التربوية في النفس البشرية . إذا يجعل من لقاء الله والوقوف بين يديه وسيلة عميقة الأثر ، لا يفرط فيها في أدق الظروف وأحرجها ؛ ولا يجعل عقبة من العقبات تحول بين المسلم وبين هذا الوقوف وهذا اللقاء . . لقاء العبد بربه . . وعدم انقطاعه عنه لسبب من الأسباب . . إنها نداوة القلب ، واسترواح الظل ، وبشاشة اللقاء . .
{ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ } شروع في بيان الشرائع المتعلقة بدينهم بعد بيان ما يتعلق بدنياهم ، ووجه التقديم والتأخير ظاهر { إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة } أي إذا أردتم القيام إليها والاشتغال بها ، فعبر عن إرادة الفعل بالفعل المسبب عنها مجازاً ، وفائدته الإيجاز والتنبيه على أن من أراد العبادة ينبغي أن يبادر إليها بحيث لا ينفك الفعل عن الإرادة ، وقيل : يجوز أن يكون المراد إذا قصدتم الصلاة ، فعبر عن أحد لازمي الشيء بلازمه الآخر . وظاهر الآية يوجب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة وإن لم يكن محدثاً نظراً إلى عموم { الذين كَفَرُواْ } من غير اختصاص بالمحدثين ، وإن لم يكن في الكلام دلالة على تكرار الفعل ، وإنما ذلك من خارج على الصحيح ، لكن الإجماع على خلاف ذلك ، وقد أخرج مسلم وغيره «أنه صلى الله عليه وسلم صلى الخمس بوضوء واحد يوم الفتح فقال عمر رضي الله تعالى عنه : صنعت شيئاً لم تكن تصنعه ، فقال عليه الصلاة والسلام : عمداً فعلته يا عمر » يعني بياناً للجواز ، فاستحسن الجمهور كون الآية مقيدة ، والمعنى : إذا قمتم إلى الصلاة محدثين بقرينة دلالة الحال ، ولأنه اشترط الحدث في البدل وهو التيمم فلو لم يكن له مدخل في الوضوء مع المدخلية في التيمم لم يكن البدل بدلاً ، وقوله تعالى : { فَلَمْ تَجِدُواْ ماءاً } صريح في البدلية ، وبعض المتأخرين أن في الكلام شرطاً مقدراً أي : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا الخ إن كنتم محدثين لأنه يلائمه كل الملاءمة عطف { الكعبين وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فاطهروا } عليه ، وقيل : الأمر للندب ، ويعلم الوجوب للمحدث من السنة ؛ واستبعد لإجماعهم على أن وجوب الوضوء مستفاد من هذه الآية مع الاحتياج إلى التخصيص بغير المحدثين من غير دليل ، وأبعد منه أنه ندب بالنسبة إلى البعض ، ووجوب بالنسبة إلى آخرين ، وقيل : هو للوجوب ، وكان الوضوء واجباً على كل قائم أول الأمر ثم نسخ ، فقد أخرج أحمد وأبو داود وابن جرير وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي والحاكم( {[264]} ) عن عبد الله بن حنظلة الغسيل «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء لكل صلاة طاهراً كان أو غير طاهر فلما شق ذلك عليه صلى الله عليه وسلم أمر بالسواك عند كل صلاة ووضع عنه الوضوء إلا من حدث » ولا يعارض ذلك خبر أن المائدة آخر القرآن نزولاً الخ لأنه ليس في القوة مثله حتى قال العراقي : لم أجده مرفوعاً ، نعم الاستدلال على الوجوب على كل الأمة أولاً ، ثم نسخ الوجوب عنهم آخراً بما يدل على الوجوب عليه عليه الصلاة والسلام أولاً ؛ ونسخه عنه آخراً لا يخلو عن شيء كما لا يخفى .
وأخرج مالك والشافعي وغيرهما عن زيد بن أسلم أن تفسير الآية إذا قمتم من المضاجع يعني النوم إلى الصلاة والأمر عليه ظاهر ، ويحكى عن داود أنه أوجب الوضوء لكل صلاة لأن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده كانوا يتوضؤون كذلك ، وكان علي كرم الله تعالى وجهه يتوضأ كذلك ويقرأ هذه الآية ، وفيه أن حديث عمر رضي الله تعالى عنه يأبى استمرار النبي عليه الصلاة والسلام على ما ذكر ، والخبر عن علي كرم الله تعالى وجهه لم يثبت ، وفعل الخلفاء لا يدل على أكثر من الندب والاستحباب ، وقد ورد «من توضأ على طهر كتب الله تعالى له عشر حسنات » .
{ فاغسلوا وُجُوهَكُمْ } أي أسيلوا عليها الماء ، وحد الإسالة أن يتقاطر الماء ولو قطرة عندهما ، وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى لا يشترط التقاطر ، وأما الدلك فليس من حقيقة الغسل خلافاً لمالك فلا يتوقف حقيقته عليه ، قيل : ومرجعهم فيه قول العرب : غسل المطر الأرض ، وليس في ذلك إلا الإسالة ، ومنع بأن وقعه من علو خصوصاً مع الشدة والتكرر دلك أيّ دلك ، وهم لا يقولونه إلا إذا نظفت الأرض ، وهو إنما يكون بدلك ، وبأنه غير مناسب للمعنى المعقول من شرعية الغسل ، وهو تحسين هيئة الأعضاء الظاهرة للقيام بين يدي الرب سبحانه وتعالى الذي لا يتم بالنسبة إلى سائر المتوضئين إلا بالدلك . وحكي عنه أن الدلك ليس واجباً لذاته ، وإنما هو واجب لتحقق وصول الماء فلو تحقق لم يجب كما قاله ابن ( أمير ) الحاج في «شرح المنية » ومن الغريب أنه قال باشتراط الدلك في الغسل ولم يشترط السيلان فيما لو أمرَّ المتوضىء الثلج على العضو فإنه قال : يكفي ذلك وإن لم يذب الثلج ويسيل ، ووافقه عليه الأوزاعي مع أن ذلك لا يسمى غسلاً أصلاً ويبعد قيامه مقامه .
وحد الوجه عندنا طولاً من مبدأ سطح الجبهة إلى أسفل اللحيين ، وعرضاً ما بين شحمتي الأذن لأن المواجهة تقع بهذه الجملة وهو مشتق منها ، واشتقاق الثلاثي من المزيد إذا كان المزيد أشهر في المعنى الذي يشتركان فيه شائع ، وقال العلامة أكمل الدين : إن ما ذكروا من منع اشتقاق الثلاثي من المزيد إنما هو في الاشتقاق الصغير ، وأما في الاشتقاق الكبير وهو أن يكون بين كلمتين تناسب في اللفظ والمعنى فهو جائز ، ويعطى ظاهر التحديد وجوب إدخال البياض المعترض بين العذار والأذن بعد نباته ، وهو قولهما خلافاً لأبي يوسف ، ويعطى أيضاً وجوب الإسالة على شعر اللحية ، وقد اختلفت الروايات فيه عن الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه وغيره ، فعنه يجب مسح ربعها ، وعنه مسح ما يلاقي البشرة وعنه لا يتعلق به شيء ، وهو رواية عن أبي يوسف ، وعن أبي يوسف يجب استيعابها ، وعن محمد أنه يجب غسل الكل ، قيل : وهو الأصح وفي «الفتاوى الظهيرية » ، وعليه الفتوى لأنه قام مقام البشرة فتحول الفرض إليه كالحاجب .
وقال في «البدائع » عن ابن شجاع : إنهم رجعوا عما سوى هذا . وكل هذا في الكثة ، أما الخفيفة التي ترى بشرتها فيجب إيصال الماء إلى ما تحتها ولو أمرّ الماء على شعر الذقن ثم حلقه لا يجب غسل الذقن ، وفي البقال : لو قص الشارب لا يجب تخليله ، وإن طال وجب تخليله ، وإيصال الماء إلى الشفتين وكأن وجهه أن قطعه مسنون فلا يعتبر قيامه في سقوط ما تحته بخلاف اللحية فإن إعفاءها هو المسنون ، وعد شيخ الإسلام المرغيناني في «التجنيس » إيصال الماء إلى منابت شعر الحاجبين والشارب من الآداب من غير تفصيل ، وأما الشفة فقيل : تبع للفم ، وقال أبو جعفر : ما انكتم عند انضمامه تبع له وما ظهر فللوجه ، وروي هذا التحديد عن ابن عباس ، وابن عمر والحسن وقتادة والزهري رضوان الله تعالى عليهم أجمعين وغيرهم ، وقيل : الوجه كل ما دون منابت الشعر من الرأس إلى منقطع الذقن طولاً ، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً ما ظهر من ذلك لعين الناظر ، وما بطن كداخل الأنف والفم ، وكذا ما أقبل من الأذنين ، وروي عن أنس بن مالك وأم سلمة وعمار ومجاهد وابن جبير وجماعة فأوجبوا غسل ذلك كله ولم أر لهم نصاً في باطن العين ، والظاهر عدم وجوب غسله عندهم لمزيد الحرج وتوقع الضرر ، ولهذا صرح البعض بعدم سنية الغسل أيضاً ، بل قال بعضهم : يكره ، نعم يخطر في الذهن رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان يوجب غسل باطن العين في الغسل ويفعله ، وأنه كان سبباً في كف بصره رضي الله تعالى عنه .
{ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق } جمع مرفق بكسر ففتح أفصح من عكسه ، وهو موصل الذراع في العضد ، ولعل وجه تسميته بذلك أنه يرتفق به أي يتكأ عليه من اليد ، وجمهور الفقهاء على دخولها . وحكي عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه قال : لا أعلم خلافاً في أن المرافق يجب غسلها ، ولذلك قيل { إلى } بمعنى مع كما في قوله تعالى : { وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ } [ هود : 52 ] و { مَنْ أَنصَارِى إِلَى الله } [ آل عمران : 52 ] ، وقيل : هي إنما تفيد معنى الغاية ، ومن الأصول المقررة أن ما بعد الغاية إن دخل في المسمى لولا ذكرها دخل وإلا فلا ، ولا شك أن المرافق داخلة في المسمى فتدخل ، وما أورد على هذا الأصل من أنه لو حلف لا يكلم فلاناً إلى غد لا يدخل مع أنه يدخل لو تركت الغاية غير قادح فيه لأن الكلام هنا في مقتضى اللغة ، والأيمان تبنى على العرف ، وجاز أن يخالف العرف اللغة .
وذكر بعض المحققين أن { إلى } جاءت وما بعدها داخل في الحكم فيما قبلها ، وجاءت وما بعدها غير داخل ، فمنهم من حكم بالاشتراك ، ومنهم من حكم بظهور الدخول ، ومنهم من حكم بظهور انتفاء الدخول وعليه النحويون ، ودخول المرافق ثابت بالسنة ، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه أدار الماء عليها . ونقل أصحابنا حكاية عدم دخولها عن زفر ، واستدل بتعارض الأشباه وبأن في الدخول في المسمى اشتباهاً أيضاً فلا تدخل بالشك ، وحديث الإدارة لا يستلزم الافتراض لجواز كونه على وجه السنة كالزيادة في مسح الرأس إلى أن يستوعبه ، وأجيب بأنه لا تعارض مع غلبة الاستعمال في الأصل المقرر ، وأيضاً على ما قال يثبت الإجمال في دخولها فيكون اقتصاره صلى الله عليه وسلم على المرفق وقع بياناً للمراد من اليد ، فيتعين دخول ما أدخله واغسل يدك للأكل من إطلاق اسم الكل على البعض اعتماداً على القرينة .
وقال العلامة ابن حجر : دل على دخولها الإتباع والإجماع ، بل والآية أيضاً بجعل { إلى } غاية للترك المقدر بناءاً على أن اليد حقيقة إلى المنكب كما هو الأشهر لغة ، وكأنه عنى بالإجماع إجماع أهل الصدر الأول وإلا فلا شك في وجود المخالف بعد ، وعدوا داود وكذا الإمام مالك رضي الله تعالى عنه من ذلك ولي في عد الأخير تردد ، فقد نقل ابن هبيرة إجماع الأئمة الأربعة على فرضية غسل اليدين مع المرفقين ، قيل : ويترتب على هذا الخلاف أن فاقد اليد من المرفق يجب عليه إمرار الماء على طرف العظم عند القائل بالدخول ، ولا يجب عند المخالف لأن محل التكليف لم يبق أصلاً كما لو فقد اليد مما فوق المرفق ، نعم يندب له غسل ما بقي من العضد محافظة على التحجيل .
هذا واستيعاب غسل المأمور به من الأيدي فرض كما هو الظاهر من الآية ، فلو لزق بأصل ظفره طين يابس أو نحوه ، أو بقي قدر رأس إبرة من موضع الغسل لم يجز ولا يجب نزع الخاتم وتحريكه إذا كان واسعاً ، والمختار في الضيق الوجوب ، وفي «الجامع الأصغر » إن كان وافر الأظفار وفيها درن أو طين أو عجين جاز في القروي والمدني على الصحيح المفتى به كما قال الدبوسي وقيل : يجب إيصال الماء إلى ما تحتها إلا الدرن لتولده منه . وقال الصفار : يجب الإيصال مطلقاً إن طال الظفر ، واستحسنه ابن الهمام لأن الغسل وإن كان مقصوراً على الظواهر لكن إذا طال الظفر يصير بمنزلة عروض الحائل كقطرة شمعة ، وفي «النوازل » يجب في المصري لا القروي لأن دسومة أظفار المصري مانعة من وصول الماء بخلاف القروي ، ولو طالت أظفاره حتى خرجت عن رؤوس الأصابع وجب غسلها قولاً واحداً ، ولو خلق له يدان على المنكب فالتامة هي الأصلية يجب غسلها ، والأخرى زائدة فما حاذى منها محل الفرض وجب غسله وما لا فلا ، ومن الغريب أن بعضاً من الناس أوجب البداية في غسل الأيدي من المرافق ، فلو غسل من رؤوس الأصابع لم يصح وضوؤه .
وقد حكى ذلك الطبرسي في «مجمع البيان » ، والظاهر أن هذا البعض من الشيعة ، ولا أجد لهم في ذلك متمسكاً .
{ وامسحوا } ، قيل : الباء زائدة لتعدي الفعل بنفسه ؛ وقيل : للتبعيض ، وقد نقل ابن مالك عن أبي علي في «التذكرة » أنها تجىء لذلك ، وأنشد :
شربن بماء البحر ثم ترفعت *** متى لجج خضر لهن نئيج
وقيل : إن العرف نقلها إلى التبعيض في المتعدي ، والمفروض في المسح عندنا مقدار الناصية ، وهو ربع الرأس من أي جانب كان فوق الأذنين لما روى مسلم عن المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته ؛ والكتاب مجمل في حق الكمية فالتحق بياناً له ، والشافعي رضي الله تعالى عنه يمنع ذلك ، ويقول : هو مطلق لا مجمل فإنه لم يقصد إلى كمية مخصوصة أجمل فيها ، بل إلى الإطلاق فيسقط عنده بأدنى ما يطلق عليه مسح الرأس ، على أن في حديث المغيرة روايتان : على ناصيته . وبناصيته ، والأولى لا تقتضي استيعاب الناصية لجواز كون ذكرها لدفع توهم أنه مسح على الفود ، أو القذال ، فلا يدل على مطلوبكم ولو دل مثل هذا على الاستيعاب لدل مسحَ على الخفين عليه أيضاً ، ولا قائل به هناك عندنا وعندكم ، وإذا رجعنا إلى الثانية كان محل النزاع في الباء كالآية ، ويعود التبعيض ، ومن هنا قال بعضهم : الأولى أن يستدل برواية أبي داود عن أنس رضي الله تعالى عنه : «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وعليه عمامة قطرية فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه » وسكت عليه أبو داود فهو حجة ، وظاهره استيعاب تمام المقدم ، وتمام مقدم الرأس هو الربع المسمى بالناصية ، ومثله ما رواه البيهقي عن عطاء «أنه صلى الله عليه وسلم توضأ فحسر العمامة ومسح مقدم رأسه ، أو قال : ناصيته » فإنه حجة وإن كان مرسلاً عندنا ، وكيف وقد اعتضد بالمتصل ؟ بقي شيء وهو أن ثبوت الفعل كذلك لا يستلزم نفي جواز الأقل فلا بدّ من ضم الملازمة القائلة لو جاز الأقل لفعله مرة تعليماً للجواز ، وقد يمنع بأن الجواز إذا كان مستفاداً من غير الفعل لم يحتج إليه فيه ، وهنا كذلك نظراً إلى الآية فإن الباء فيها للتبعيض وهو يفيد جواز الأقل فيرجع البحث إلى دلالة الآية ، فيقال حينئذٍ : إن الباء للإلصاق وهو المعنى المجمع عليه لها بخلاف التبعيض ، فإن الكثير من محققي أئمة العربية ينفون كونه معنى مستقلاً للباء بخلاف ما إذا كان في ضمن الإلصاق كما فيما نحن فيه ، فإن إلصاق الآلة بالرأس الذي هو المطلوب لا يستوعب الرأس ، فإذا ألصق فلم يستوعب خرج عن العهدة بذلك البعض ، وحينئذٍ فتعين الربع لأن اليد إنما تستوعب قدره غالباً فلزم .
وفي بعض الروايات إن المفروض مقدار ثلاث أصابع ، وصححها بعض المشايخ نظراً إلى أن الواجب إلصاق اليد والأصابع أصلها ، ولذا يلزم كمال دية اليد بقطعها والثلاث أكثرها ، وللأكثر حكم الكل ، ولا يخفى ما فيه ، وإن قيل : إنه ظاهر الرواية .
وذهب الإمام مالك رضي الله تعالى عنه والإمام أحمد في أظهر الروايات عنه إلى أنه يجب استيعاب الرأس بالمسح ، والإمامية إلى ما ذهب إليه الشافعي رضي الله تعالى عنه ، ولو أصاب المطر قدر الفرض سقط عندنا ، ولا يشترط إصابته باليد لأن الآلة لم تقصد إلا للإيصال إلى المحل فحيث وصل استغنى عن استعمالها ، ولو مسح ببل في يده لم يأخذه من عضو آخر جاز ، وإن أخذه لا يجوز ، ولو مسح بإصبع واحدة مدها قدر الفرض ، وكذا بإصبعين على ما قيل لا يجوز خلافاً لزفر ، وعللوه بأن البلة صارت مستعملة وهو على إشكاله بأن الماء لا يصير مستعملاً قبل الانفصال ليستلزم عدم جواز مد الثلاث على القول بأنه لا يجزىء أقل من الربع ، والمشهور في ذلك الجواز ، واختار شمس الأئمة أن المنع في مد الأصبع والاثنتين غير معلل باستعمال البلة بدليل أنه لو مسح بإصبعين في التيمم لا يجوز مع عدم شيء يصير مستعملاً خصوصاً إذا تيمم على الحجر الصلد ، بل الوجه عنده أنا مأمورون بالمسح باليد والإصبعان منها لا تسميان يداً بخلاف الثلاث لأنها أكثر ما هو الأصل فيها ، وهو حسن كما قال ابن الهمام لكنه يقتضي تعين الإصابة باليد وهو منتف بمسألة المطر ، وقد يدفع بأن المراد تعينها أو ما يقول مقامها من الآلات عند قصد الإسقاط بالفعل اختياراً غير أن لازمه كون تلك الآلة التي هي غير اليد مثلاً قدر ثلاث أصابع من اليد حتى لو كان عوداً مثلاً لا يبلغ ذلك القدر قلنا : بعدم جواز مده ، وقد يقال : عدم الجواز بالإصبع بناءاً على أن البلة تتلاشى وتفرغ قبل بلوغ قدر الفرض بخلاف الإصبعين ، فإن الماء يتحمل بين الإصبعين المضمومتين فضل زيادة تحتمل الامتداد إلى قدر الفرض وهذا مشاهد أو مظنون ، فوجب إثبات الحكم باعتباره ، فعلى اعتبار صحة الاكتفاء بقدر ثلاث أصابع يجوز مد الإصبعين لأن ما بينهما من الماء يمتد قدر إصبع ثالثة ، وعلى اعتبار توقف الإجزاء على الربع لا يجوز لأنّ ما بينهما لا يغلب على الظنّ إيعابه الربع إلا أن هذا يعكر عليه عدم جواز التيمم بإصبعين فلو أدخل رأسه إناء ماء ناوياً للمسح جاز ، والماء طهور عند أبي يوسف لأنه لا يعطى له حكم الاستعمال إلا بعد الانفصال والذي لاقى الرأس من أجزائه لصق به فطهره ، وغيره لم يلاقه فلا يستعمل .
واتفقت الأئمة على أن المسح على العمامة غير مجزىء إلا أحمد فإنه أجاز ذلك بشرط أن يكون من العمامة شيء تحت الحنك رواية واحدة ، وهل يشترط أن يكون قد لبسها على طهارة ؟ فيه روايتان ، واختلفت الرواية عنه أيضاً في مسح المرأة على قناعها المستدير تحت حلقها ، فروي عنه جواز المسح كعمامة الرجل ذات الحنك وروي عنه المنع ، ونقل عن الأوزاعي والثوري جواز المسح على العمامة ، ولم أر حكاية الاشتراط ولا عدمه عنهما ، وقد ذكرنا دليل الجواز في كتاب الأجوبة العراقية عن الأسئلة الإيرانية » .
{ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين } وهما العظمان الناتئان من الجانبين عند مفصل الساق والقدم ، ومنه الكاعب وهي الجارية التي تبدو ثديها للنهود وروى هشام عن محمد أن الكعب هو المفصل الذي في وسط القدم عند معترك الشراك لأن الكعب اسم للمفصل ، ومنه كعوب الرمح والذي في وسط القدم مفصل دون ما على الساق ، وهذا صحيح في المحرم إذا لم يجد نعلين فإنه يقطع خفيه أسفل من الكعبين ، ولعل ذلك مراد محمد ، فأما في الطهارة فلا شك أنه ما ذكرنا ، وفي الأرجل ثلاث قراآت : واحدة شاذة واثنتان متواترتان ؛ أما الشاذة فالرفع وهي قراءة الحسن وأما المتواترتان فالنصب ، وهي قراءة نافع وابن عامر وحفص والكسائي ويعقوب والجر وهي قراءة ابن كثير وحمزة وأبي عمرو وعاصم ، وفي رواية أبي بكر عنه ، ومن هنا اختلف الناس في غسل الرجلين ومسحهما ، قال الإمام الرازي : «فنقل القفال في «تفسيره » عن ابن عباس وأنس بن مالك وعكرمة والشعبي وأبي جعفر محمد بن علي الباقر رضي الله تعالى عنهم أن الواجب فيها المسح وهو مذهب الإمامية ( من الشيعة ) ، وقال جمهور الفقهاء والمفسرين : فرضهما الغسل ، وقال داود : يجب الجمع بينهما ، وهو قول الناصر للحق من الزيدية ، وقال الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري : المكلف مخير بين المسح والغسل . وحجة القائلين بالمسح قراءة الجر فإنها تقتضي كون الأرجل معطوفة على الرؤوس فكما وجب المسح فيها وجب فيها والقول إنه جرّ بالجوار كما في قولهم : هذا جحر ضب خرب ، وقوله :
( كان ثبيراً في عرانين وبله ) *** كبير أناس في بجاد مزمل
باطل من وجوه : أولها : أن الكسر على الجوار معدود في اللحن الذي قد يتحمل لأجل الضرورة في الشعر ، وكلام الله تعالى يجب تنزيهه عنه ، وثانيها : أن الكسر إنما يصار إليه حيث حصل الأمن من الالتباس كما فيما استشهدوا به ، وفي الآية الأمن من الالتباس غير حاصل ، وثالثها : أن ( الجر ) بالجوار إنما يكون بدون حرف العطف ، وأما مع حرف العطف فلم تتكلم به العرب ، وردوا قراءة النصب إلى قراءة الجر فقالوا : إنها تقتضي المسح أيضاً لأن العطف حينئذ على محل الرؤوس لقربه فيتشاركان في الحكم ؛ وهذا مذهب مشهور للنحاة ، ثم قالوا ( ولا يجوز دفع ) ذلك بالأخبار لأنها بأسرها من باب الآحاد ، ونسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز ، ثم قال الإمام : واعلم أنه لا يمكن الجواب عن هذا إلا من وجهين : الأول : أن الأخبار الكثيرة وردت بإيجاب الغسل ، والغسل مشتمل على المسح ولا ينعكس ، فكان الغسل أقرب إلى الاحتياط ، فوجب المصير إليه ، وعلى هذا الوجه يجب القطع بأن غسل الأرجل يقوم مقام مسحها ، والثاني : أن فرض الأرجل محدود إلى الكعبين ، والتحديد إنما جاء في الغسل لا في المسح ، والقوم أجابوا عنه من وجهين : الأول : أن الكعب عبارة عن العظم الذي تحت مفصل القدم ، وعلى هذا التقدير يجب المسح على ظهر القدمين ، والثاني : أنهم سلموا أن الكعبين عبارة عن العظمين الناتئين من جانبي الساق ، إلا أنهم التزموا أنه يجب أن يمسح ظهور القدمين إلى هذين الموضعين وحينئذ لا يبقى هذا السؤال » انتهى .
ولايخفى أن بحث الغسل والمسح مما كثر فيه الخصام ، وطالما زلت فيه أقدام ، وما ذكره الإمام رحمه الله تعالى يدل على أنه راجل في هذا الميدان ، وضالع لا يطيق العروج إلى شاوي ضليع تحقيق تبتهج به الخواطر والأذهان ، فلنبسط الكلام في تحقيق ذلك رغماً لأنوف الشيعة السالكين من السبل كل سبيل حالك ، فنقول وبالله تعالى التوفيق ، وبيده أزمة التحقيق : إن القراءتين متواترتان بإجماع الفريقين بل بإطباق أهل الإسلام كلهم ، ومن القواعد الأصولية عند الطائفتين أن القراءتين المتواترتين إذا تعارضتا في آية واحدة فلهما حكم آيتين ، فلا بدّ لنا أن نسعى ونجتهد في تطبيقهما أولاً مهما أمكن لأن الأصل في الدلائل الإعمال دون الإهمال كما تقرر عند أهل الأصول ؛ ثم نطلب بعد ذلك الترجيح بينهما ، ثم إذا لم يتيسر لنا الترجيح بينهما نتركهما ونتوجه إلى الدلائل الأخر من السنة ، وقد ذكر الأصوليون أن الآيات إذا تعارضت بحيث لا يمكن التوفيق ، ثم الترجيح بينهما يرجع إلى السنة فإنها لما لم يمكن لنا العمل بها صارت معدومة في حقنا من حيث العمل وإن تعارضت السنة كذلك نرجع إلى أقوال الصحابة وأهل البيت ، أو نرجع إلى القياس عند القائلين بأن قياس المجتهد يعمل به عند التعارض ، فلما تأملنا في هاتين القراءتين في الآية وجدنا التطبيق بينهما بقواعدنا من وجهين : الأول : أن يحمل المسح على الغسل كما صرح به أبو زيد الأنصاري وغيره من أهل اللغة ، فيقال للرجل إذا توضأ : تمسح ويقال : مسح الله تعالى ما بك أي أزال عنك المرض ، ومسح الأرض المطر إذا غسلها فإذا عطفت الأرجل على الرؤوس في قراءة الجر لا يتعين كونها ممسوحة بالمعنى الذي يدعيه الشيعة .
واعترض ذلك من وجوه : أولها : أن فائدة اللفظين في اللغة والشرع مختلفة ، وقد فرق الله تعالى بين الأعضاء المغسولة والممسوحة ، فكيف يكون معنى الغسل والمسح واحدا ؟ وثانيها : أن الأرجل إذا كانت معطوفة على الرؤوس وكان الفرض في الرؤوس المسح الذي ليس بغسل بلا خلاف وجب أن يكون حكم الأرجل كذلك ، وإلا لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز ، وثالثها : أنه لو كان المسح بمعنى الغسل يسقط الاستدلال على الغسل بخبر «أنه صلى الله عليه وسلم غسل رجليه » لأنه على هذا يمكن أن يكون مسحها فسمي المسح غسلاً . ورابعها : أن استشهاد أبي زيد بقولهم : تمسحت للصلاة لا يجدي نفعاً لاحتمال أنهم لما أرادوا أن يخبروا عن الطهور بلفظ موجز ، ولم يجز أن يقولوا : تغسلت للصلاة لأن ذلك يوهم الغسل ، قالوا بدله : تمسحت لأن المغسول من الأعضاء ممسوح أيضاً ، فتجوزوا بذلك تعويلاً على فهم المراد ، وذلك لا يقتضي أن يكونوا جعلوا المسح من أسماء الغسل ، وأجيب عن الأول : بأنا لا ننكر اختلاف فائدة اللفظين لغة وشرعاً ولا تفرقة الله تعالى بين المغسول والممسوح من الأعضاء ، لكنا ندعي أن حمل المسح على الغسل في بعض المواضع جائز وليس في اللغة والشرع ما يأباه ، على أنه قد ورد ذلك في كلامهم ، وعن الثاني : بأنا نقدر لفظ امسحوا قبل أرجلكم أيضاً وإذا تعدد اللفظ فلا بأس بأن يتعدى المعنى ولا محذور فيه ، فقد نقل شارح «زبدة الأصول » من الإمامية أن هذا القسم من الجمع بين الحقيقة والمجاز جائز بحيث يكون ذلك اللفظ في المعطوف عليه بالمعنى الحقيقي وفي المعطوف بالمعنى المجازي ، وقالوا في آية { لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ } [ النساء : 43 ] : إن الصلاة في المعطوف عليه بالمعنى الحقيقي الشرعي وهو الأركان المخصوصة وفي المعطوف بالمعنى المجازي وهو المسجد فإنه محل الصلاة ، وادعى ذلك الشارح أن هذا نوع من الاستخدام ، وبذلك فسر الآية جمع من مفسري الإمامية وفقهائهم ، وعليه فيكون هذا العطف من عطف الجمل في التحقيق ، ويكون المسح المتعلق بالرؤوس بالمعنى الحقيقي ، والمسح المتعلق بالأرجل بالمعنى المجازي ، على أن من أصول الإمامية كالشافعية جواز الجمع بين الحقيقة والمجاز ، وكذا استعمال المشترك في معنييه ، ويحتمل هنا إضمار الجار تبعاً للفعل فتدبر ؛ ولا يشكل أن في الآية حينئذ إبهاماً ؛ ويبعد وقوع ذلك في التنزيل لأنا نقول : إن الآية نزلت بعد ما فرض الوضوء وعلمه عليه الصلاة والسلام روح القدس إياه في ابتداء البعثة بسنين فلا بأس أن يستعمل فيها هذا القسم من الإبهام ، فإن المخاطبين كانوا عارفين بكيفية الوضوء ولم تتوقف معرفتهم بها على الاستنباط من الآية ، ولم تنزل الآية لتعليمهم بل سوقها لإبدال التيمم من الوضوء والغسل في الظاهر ، وذكر الوضوء فوق التيمم للتمهيد ؛ والغالب فيما يذكر لذلك عدم البيان المشبع ، وعن الثالث : بأن حمل المسح على الغسل لداع لا يستلزم حمل الغسل على المسح بغير داع ، فكيف يسقط الاستدلال ؟ا سبحان الله تعالى هذا هو العجب العجاب .
وعن الرابع : بأنا لا نسلم أن العدول عن تغسلت لإيهامه الغسل فإن تمسحت يوهم ذلك أيضاً بناءاً على ما قاله من أن المغسول من الأعضاء ممسوح أيضاً سلمنا ذلك لكنا لم نقتصر في الاستشهاد على ذلك ، ويكفي مسح الأرض المطر في الفرض .
والوجه الثاني : أن يبقى المسح على الظاهر ، وتجعل الأرجل على تلك القراءة معطوفة على المغسولات كما في قراءة النصب ، والجر للمجاورة ، واعترض أيضاً من وجوه ، الأول والثاني والثالث : ما ذكره الإمام من عدّ الجر بالجوار لحناً وأنه إنما يصار إليه عند أمن الالتباس ولا أمن فيما نحن فيه ، وكونه إنما يكون بدون حرف العطف ، والرابع : أن في العطف على المغسولات سواء كان المعطوف منصوب اللفظ أو مجروره الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجملة أجنبية ليست اعتراضية وهو غير جائز عند النحاة ، على أن الكلام حينئذ من قبيل ضربت زيداً ، وأكرمت خالداً وبكراً بجعل بكر عطفاً على زيد ، أو إرادة أنه مضروب لا مكرم ، وهو مستهجن جداً تنفر عنه الطباع ولا تقبله الأسماع ، فكيف يجنح إليه أو يحمل كلام الله تعالى عليه ؟ا وأجيب عن الأول : بأن إمام النحاة الأخفش وأبا البقاء وسائر مهرة العربية وأئمتها جوزوا جرّ الجوار ، وقالوا بوقوعه في الفصيح كما ستسمعه إن شاء الله تعالى ، ولم ينكره إلا الزجاج وإنكاره مع ثبوته في كلامهم يدل على قصور تتبعه ، ومن هنا قالوا : المثبت مقدم على النافي ، وعن الثاني : بأنا لا نسلم أنه إنما يصار إليه عند أمن الالتباس ولا نقل في ذلك عن النحاة في الكتب المعتمدة ، نعم قال بعضهم : شرط حسنه عدم الالتباس مع تضمن نكتة وهو هنا كذلك لأن الغاية دلت على أن هذا المجرور ليس بممسوح إذ المسح لم يوجد مغياً في كلامهم ، ولذا لم يغي في آية التيمم ، وإنما يغيا الغسل ، ولذا غيي في الآية حين احتيج إليه فلا يرد أنه لم يغي غسل الوجه لظهور الأمر فيه ، ولا قول المرتضى : إنه لا مانع من تغييه ، والنكتة فيه الإشارة إلى تخفيف الغسل حتى كأنه مسح ، وعن الثالث : بأنهم صرحوا بوقوعه في النعت كما سبق من الأمثلة ، وقوله تعالى : { عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ } [ هود : 84 ] بجر { مُحِيطٌ } مع أنه نعت للعذاب ، وفي التوكيد كقوله :
ألا بلغ ذوي الزوجات ( كلهم ) *** أن ليس وصل إذا انحلت عرى الذنب
بجر كلهم على ما حكاه الفراء ، وفي العطف كقوله تعالى :
{ وَحُورٌ عِينٌ * كأمثال اللؤلؤ المكنون } [ الواقعة : 22 ، 23 ] على قراءة حمزة والكسائي . وفي رواية المفضل عن عاصم فإنه مجرور بجوار أكواب وأباريق ومعطوف على { ولدان مُّخَلَّدُونَ } [ الواقعة : 17 ] ، وقول النابغة :
لم يبق إلا أسير غير منفلت *** ( وموثق ) في حبال القد مجنوب
بجر موثق مع أن العطف على أسير ، وقد عقد النحاة لذلك باباً على حدة لكثرته ولما فيه من المشاكلة ؛ وقد كثر في الفصيح حتى تعدوا عن اعتباره في الإعراب إلى التثنية والتأنيث وغير ذلك ، وكلام ابن الحاجب في هذا المقام لا يعبأ به ، وعن الرابع : بأن لزوم الفصل بالجملة إنما يخل إذا لم تكن جملة { وامسحوا } متعلقة بجملة المغسولات فإن كان معناها . وامسحوا الأيدي بعد الغسل برؤوسكم فلا إخلال كما هو مذهب كثير من أهل السنة من جواز المسح ببقية ماء الغسل ، واليد المبلولة من المغسولات ، ومع ذلك لم يذهب أحد من أئمة العربية إلى امتناع الفصل بين الجملتين المتعاطفتين ، أو معطوف ومعطوف عليه ، بل صرح الأئمة بالجواز ، بل نقل أبو البقاء إجماع النحويين على ذلك ، نعم توسط الأجنبي في كلام البلغاء يكون لنكتة وهي هنا ما أشرنا إليه ، أو الإيماء إلى الترتيب ، وكون الآية من قبيل ما ذكر من المثال في حيز المنع ، وربما تكون كذلك لو كان النظم وامسحوا رؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين والواقع ليس كذلك .
وقد ذكر بعض أهل السنة أيضاً وجهاً آخر في التطبيق ، وهو أن قراءة الجر محمولة على حالة التخفف ، وقراءة النصب على حال دونه ، واعترض بأن الماسح على الخف ليس ماسحاً على الرجل حقيقة ولا حكماً ، لأن الخف اعتبر مانعاً سراية الحدث إلى القدم فهي طاهرة ، وما حل بالخف أزيل بالمسح فهو على الخف حقيقة وحكماً ، وأيضاً المسح على الخف لا يجب إلى الكعبين اتفاقاً ، وأجيب بأنه يجوز أن يكون لبيان المحل الذي يجزىء عليه المسح لأنه لا يجزىء على ساقه ، نعم هذا الوجه لا يخلو عن بعد ، والقلب لا يميل إليه ، وإن ادعى الجلال السيوطي أنه أحسن ما قيل في الآية ، وللإمامية في تطبيق القراءتين وجهان أيضاً لكن الفرق بينهما وبين ما سبق من الوجهين اللذين عند أهل السنة أن قراءة النصب التي هي ظاهرة في الغسل عند أهل السنة ، وقراءة الجر تعاد إليها ، وعند الإمامية بالعكس ، الوجه الأول : أن تعطف الأرجل في قراءة النصب على محل { وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ } فيكون حكم الرؤوس والأرجل كليهما مسحاً ، الوجه الثاني : أن الواو فيه بمعنى مع من قبيل استوى الماء والخشبة ، وفي كلا الوجهين بحث لأهل السنة من وجوه : الأول : أن العطف على المحل خلاف الظاهر بإجماع الفريقين ، والظاهر العطف على المغسولات والعدول عن الظاهر إلى خلافه بلا دليل لا يجوز وإن استدلوا بقراءة الجر ، قلنا : إنها لا تصلح دليلاً لما علمت ، والثاني إنه لو عطف { وَأَرْجُلَكُمْ } على محل { بِرُؤُوسِكُمْ } جاز أن نفهم منه معنى الغسل ، إذ من القواعد المقررة في العلوم العربية أنه إذا اجتمع فعلان متغايران في المعنى ويكون لكل منهما متعلق جاز حذف أحدهما وعطف متعلق المحذوف على متعلق المذكور كأنه متعلقه ، ومن ذلك قوله :
يا ليت بعلك قد غدا *** متقلداً سيفاً ورمحا
فإن المراد وحاملاً رمحاً ، ومنه قوله :
إذا ما الغانيات برزن يوما *** وزججن الحواجب والعيونا
فإنه أراد وكحلن العيونا ، وقوله :
تراه كان مولاه يجدع أنفه *** وعينيه إن مولاه كان له وفر
أي يفقىء عينيه إلى ما لا يحصى كثرة ، والثالث : أن جعل الواو بمعنى مع بدون قرينة مما لا يكاد يجوز ، ولا قرينة ههنا على أنه يلزمه كما قيل : فعل المسحين معاً بالزمان ، ولا قائل به بالاتفاق ، بقي لو قال قائل : لا أقنع بهذا المقدار في الاستدلال على غسل الأرجل بهذه الآية ما لم ينضم إليها من خارج ما يقوي تطبيق أهل السنة فإن كلامهم وكلام الإمامية في ذلك عسى أن يكون فرسا رهان ، قيل له : إن سنة خير الورى صلى الله عليه وسلم وآثار الأئمة رضي الله تعالى عنهم شاهدة على ما يدعيه أهل السنة وهي من طريقهم أكثر من أن تحصى ، وأما من طريق القوم ، فقد روى العياشي عن علي عن أبي حمزة قال : «سألت أبا هريرة عن القدمين فقال : تغسلان غسلاً » وروى محمد بن النعمان عن أبي بصير عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه قال : " إذا نسيت مسح رأسك حتى غسلت رجليك فامسح رأسك ثم اغسل رجليك " وهذا الحديث رواه أيضاً الكلبي وأبو جعفر الطوسي بأسانيد صحيحة بحيث لا يمكن تضعيفها ولا الحمل على التقية لأن المخاطب بذلك شيعي خاص ، وروى محمد بن الحسن الصفار عن زيد بن علي عن أبيه عن جده أمير المؤمنين كرم الله تعالى وجهه أنه قال : «جلست أتوضأ فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما غسلت قدمي قال : " يا علي خلل بين الأصابع " ونقل الشريف الرضي عن أمير المؤمنين كرم الله تعالى وجهه في «نهج البلاغة » حكاية وضوئه صلى الله عليه وسلم وذكر فيه غسل الرجلين ، وهذا يدل على أن مفهوم الآية كما قال أهل السنة ، ولم يدع أحد منهم النسخ ليتكلف لإثباته كما ظنه من لا وقوف له ، وما يزعمه الإمامية من نسبة المسح إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأنس بن مالك وغيرهما كذب مفترى عليهم ، فإن أحداً منهم ما روي عنه بطريق صحيح أنه جوز المسح ، إلا أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فإنه قال بطريق التعجب : «لا نجد في كتاب الله تعالى إلا المسح ولكنهم أبوا إلا الغسل » ومراده أن ظاهر الكتاب يوجب المسح على قراءة الجر التي كانت قراءته ، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يفعلوا إلا الغسل ، ففي كلامه هذا إشارة إلى قراءة الجر مؤلة متروكة الظاهر بعمل الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله تعالى عنهم ، ونسبة جواز المسح إلى أبي العالية وعكرمة والشعبي زور وبهتان أيضاً ، وكذلك نسبة الجمع بين الغسل والمسح ، أو التخيير بينهما إلى الحسن البصري عليه الرحمة ، ومثله نسبة التخيير إلى محمد بن جرير الطبري صاحب «التاريخ » الكبير «والتفسير » الشهير ، وقد نشر رواة الشيعة هذه الأكاذيب المختلفة ، ورواها بعض أهل السنة ممن لم يميز الصحيح والسقيم من الأخبار بلا تحقق ولا سند ، واتسع الخرق على الراقع ، ولعل محمد بن جرير القائل بالتخيير هو محمد بن جرير بن رستم الشيعي صاحب «الإيضاح للمترشد في الإمامة » لا أبو جعفر محمد بن جرير بن ( يزيد بن كثيرين ) غالب الطبري الشافعي الذي هو من أعلام أهل السنة ، والمذكور في تفسير هذا هو الغسل فقط لا المسح ولا الجمع ولا التخيير الذي نسبه الشيعة إليه ، ولا حجة لهم في دعوى المسح بما روي عن أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه «أنه مسح وجهه ويديه ، ومسح رأسه ورجليه ، وشرب فضل طهوره قائماً ، وقال : إن الناس يزعمون أن الشرب قائماً لا يجوز ، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع مثل ما صنعت » وهذا وضوء من لم يحدث لأن الكلام في وضوء المحدث لا في مجرد التنظيف بمسح الأطراف كما يدل عليه ما في الخبر من مسح المغسول اتفاقاً ، وأما ما روي عن عباد بن تميم عن عمه بروايات ضعيفة أنه صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على قدميه فهو كما قال الحفاظ : شاذ منكر لا يصلح للاحتجاج مع احتمال حمل القدمين على الخفين ولو مجازاً ؛ واحتمال اشتباه القدمين المتخففين بدون المتخففين من بعيد ، ومثل ذلك عند من اطلع على أحوال الرواة ما رواه الحسين بن سعيد الأهوازي عن فضالة عن حماد بن عثمان عن غالب بن هذيل قال : «سألت أبا جعفر رضي الله تعالى عنه عن المسح على الرجلين فقال : هو الذي نزل به جبريل عليه السلام » وما روي عن أحمد بن محمد قال : «سألت أبا الحسن موسى بن جعفر رضي الله تعالى عنه عن المسح على القدمين كيف هو ؟ فوضع بكفيه على الأصابع ثم مسحهما إلى الكعبين فقلت له : لو أن رجلاً قال بإصبعين من أصابعه هكذا إلى الكعبين أيجزىء ؟ قال : لا إلا بكفه كلها » إلى غير ذلك مما روته الإمامية في هذا الباب ، ومن وقف على أحوال رواتهم لم يعول على خبر من أخبارهم .
وقد ذكرنا نبذة من ذلك في كتابنا «النفحات القدسية في رد الإمامية » على أن لنا أن نقول : لو فرض أن حكم الله تعالى المسح على ما يزعمه الإمامية من الآية فالغسل يكفي عنه ولو كان هو الغسل لا يكفي عنه فبالغسل يلزم الخروج عن العهدة بيقين دون المسح ، وذلك لأن الغسل محصل لمقصود المسح من وصول البلل وزيادة ، وهذا مراد من عبر بأنه مسح وزيادة ، فلا يرد ما قيل : من أن الغسل والمسح متضادان لا يجتمعان في محل واحد كالسواد والبياض ، وأيضاً كان يلزم الشيعة الغسل لأنه الأنسب بالوجه المعقول من الوضوء وهو التنظيف للوقوف بين يدي رب الأرباب سبحانه وتعالى لأنه الأحوط أيضاً لكون سنده متفقاً عليه للفريقين كما سمعت دون المسح للاختلاف في سنده ، وقال بعض المحققين : قد يلزمهم بناءاً على قواعدهم أن يجوزوا الغسل والمسح ولا يقتصروا على المسح فقط ، وزعم الجلال السيوطي أنه لا إشكال في الآية بحسب القراءتين عند المخيرين إلا أنه يمكن أن يدعى لغيرهم أن ذلك كان مشروعاً أولاً ثم نسخ بتعيين الغسل ، وبقيت القراءتان ثابتتين في الرسم كما نسخ التخيير بين الصوم والفدية بتعيين الصوم وبقي رسم ذلك ثابتاً ، ولا يخفى أنه أوهن من بيت العنكبوت وإنه لأوهن البيوت . هذا وأما قراءة الرفع فلا تصلح في الاستدلال للفريقين إذ لكل أن يقدر ما شاء ، ومن هنا قال الزمخشري فيها : { أَنَّهَا * على } ، لكن ذكر الطيبي أنه لا شك أن تغيير الجملة من الفعلية إلى الإسمية وحذف خبرها يدل على إرادة ثبوتها وظهورها ، وأن مضمونها مسلم الحكم ثابت لا يلتبس ، وإنما يكون كذلك إذا جعلت القرينة ما علم من منطوق القراءتين ومفهومهما ، وشوهد وتعورف من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم ، وسمع منهم واشتهر فيما بينهم . وقد قال عطاء : والله ما علمت أن أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على القدمين ، وكل ذلك دافع لتفسيره هذه القراءة بقوله : { وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ } مغسولة أو ممسوحة على الترديد لا سيما العدول من الإنشائية إلى الإخبارية المشعر بأن القوم كأنهم سارعوا فيه وهو يخبر عنه انتهى ، فالأولى أن يقدر ما هو من جنس الغسل على وجه يبقى معه الإنشاء . وبمجموع ما ذكرنا يعلم ما في كلام الإمام الرازي قدس الله تعالى سره ، ونقله مما قدمناه ، فاعرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال ، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل .
ثم اعلم أنهم اختلفوا في أن الآية هل تقتضي وجوب النية أم لا ؟ فقال الحنفية : إن ظاهره لا يقتضي ذلك والقول بوجوبها يقتضي زيادة في النص ، والزيادة فيه تقتضي النسخ ، ونسخ القرآن بخبر الواحد غير واقع بل غير جائز عند الأكثرين ، وكذا بالقياس على المذهب المنصور للشافعي رضي الله تعالى عنه كما قاله المروزي فإذن لا يصح إثبات النية ، وقال بعض الشافعية : إن الآية تقتضي الإيجاب لأن معنى قوله تعالى : { إِذَا قُمْتُمْ } إذا أردتم القيام وأنتم محدثون ، والغسل وقع جزاءاً لذلك ، والجزاء مسبب عن الشرط فيفيد وجوب الغسل لأجل إرادة الصلاة ، وبذلك يثبت المطلوب ، وقال آخرون وعليه المعول عندهم وجه الاقتضاء أن الوضوء مأمور به فيها وهو ظاهر ، وكل مأمور به يجب أن يكون عبادة وإلا لما أمر به ، وكل عبادة لا تصح بدون النية لقوله تعالى : { وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ } [ البينة : 5 ] والإخلاص لا يحصل إلا بالنية ، وقد جعل حالاً للعابدين ، والأحوال شروط فتكون كل عبادة مشروطة بالنية ، وقاسوا أيضاً الوضوء على التيمم في كونهما طهارتين للصلاة ، وقد وجبت النية في المقيس عليه فكذا في المقيس .
ولنا القول بموجب العلة يعني سلمنا أن كل عبادة بنية ، والوضوء لا يقع عبادة بدونها لكن ليس كلامنا في ذلك بل في أنه إذا لم ينو حتى لم يقع عبادة سبباً للثواب فهل يقع الشرط المعتبر للصلاة حتى تصح به أو لا ؟ ليس في الآية ولا في الحديث المشهور الذي يوردونه في هذا المقام دلالة على نفيه ولا إثباته ، فقلنا : نعم لأن الشرط مقصود التحصيل لغيره لا لذاته ، فكيف حصل المقصود وصار كستر العورة ؟ا وباقي شروط الصلاة التي لا يفتقر اعتبارها إلى أن ينوى ، ومن ادعى أن الشرط وضوء هو عبادة فعليه البيان ، والقياس المذكور على التيمم فاسد ، فإن من المتفق عليه أن شرط القياس أن لا يكون شرعية حكم الأصل متأخرة عن حكم الفرع ، وإلا لثبت حكم الفرع بلا دليل وشرعية التيمم متأخرة عن الوضوء فلا يقاس الوضوء على التيمم في حكمه ، نعم إن قصد الاستدلال بآية التيمم بمعنى أنه لما شرع التيمم بشرط النية ظهر وجوبها في الوضوء وكان معنى القياس أنه لا فارق لم يرد ذلك .
وذكر بعض المحققين في الفرق بين الوضوء والتيمم وجهين ، الأول : أن التيمم ينبىء لغة عن القصد فلا يتحقق بدونه بخلاف الوضوء ، والثاني : أن التراب جعل طهوراً في حالة مخصوصة والماء طهور بنفسه كما يستفاد من قوله تعالى : { مَاء طَهُوراً } [ الفرقان : 48 ] وقوله سبحانه : { لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ } [ الأنفال : 11 ] فحينئذ يكون القياس فاسداً أيضاً . واعترض الوجه الأول : بأن النية المعتبرة ليست نية نفس الفعل بل أن ينوي المقصود به الطهارة والصلاة ولو صلاة الجنازة وسجدة التلاوة على ما بين في محله ، وإذا كان كذلك فإنما ينبىء عن قصد هو غير المعتبر نية فلا يكون النص بذلك موجباً للنية المعتبرة ، ومن هنا يعلم ما في استدلال بعد الشافعية بآية الوضوء على وجوب النية فيه السابق آنفاً ، وذلك لأن المفاد بالتركيب المقدر إنما هو وجوب الغسل لأجل إرادة الصلاة مع الحدث لا إيجاب أن يغسل لأجل الصلاة إذ عقد الجزاء الواقع طلباً بالشرط يفيد طلب مضمون الجزاء إذا تحقق مضمون الشرط ، وأن وجوبه اعتبر مسبباً عن ذلك ، فأين طلبه على وجه مخصوص هو فعله على قصد كونه لمضمون الشرط فتأمل ، فقد خفي هذا على بعض الأجلة حتى لم يكافئه بالجواب ، والوجه الثاني : بأنه إن أريد بالحالة المخصوصة حالة الصلاة فهو مبني على أن الإرادة مرادة في الجملة المعطوفة عليها جملة التيمم .
وأنت قد علمت الآن أن لا دلالة فيها على اشتراط النية ، وإن أريد حالة عدم القدرة على استعمال الماء فظاهر أن ذلك لا يقتضي إيجاب النية ولا نفيها ، واستفاد كون الماء طهوراً بنفسه مما ذكر بأن كون المقصود من إنزاله التطهير به ، وتسميته طهوراً لا يفيد اعتباره مطهراً بنفسه أي رافعاً للأمر الشرعي بلا نية ، وهو المطلوب بخلاف إزالته الخبث لأن ذلك محسوس أنه مقتضى طبعه ولا تلازم بين إزالته حساً صفة محسوسة وبين كونه يرتفع عند استعماله اعتبار شرعي ، والمفاد من { لّيُطَهّرَكُمْ } كون المقصود من إنزاله التطهير به ، وهذا يصدق مع اشتراط النية كما قال الشافعي رضي الله تعالى عنه وعدمه كما قلنا ولا دلالة للأعم على أخص بخصوصه كما هو المقرر فتدبر .
واختلفوا أيضاً في أنها هل تقتضي وجوب الترتيب أم لا ؟ فذهب الحنفية إلى الثاني لأن المذكور فيها الواو وهي لمطلق الجمع على الصحيح المعول عليه عندهم ، والشافعية إلى الأول لأن الفاء في اغسلوا للتعقيب فتفيد تعقيب القيام إلى الصلاة بغسل الوجه ، فيلزم الترتيب بين الوجه وغيره ، فيلزم في الكل لعدم القائل بالفصل . وأجيب بأنا لا نسلم إفادتها تعقيب القيام به بل جملة الأعضاء وتحقيقه أن المعقب طلب الغسل وله متعلقات وصل إلى أولها ذكراً بنفسه وإلى الباقي بواسطة الحرف المشترك فاشتركت كلها فيه من غير إفادة طلب تقديم تعليقه ببعضها على بعض في الوجود ؛ فصار مؤدى التركيب طلب إعقاب غسل جملة الأعضاء ، وهذا نظير قولك : ادخل السوق فاشتر لنا خبزاً ولحماً حيث كان المفاد أعقاب الدخول بشراء ما ذكر كيفما وقع . وزعم بعضهم أن إفادة النظم للترتيب لأنه لو لم يرد ذلك لأوجب تقديم الممسوح أو تأخيره عن المغسول ، ولأنهم يقدمون الأهم فالأهم ، وفيه نظر لأن قصارى ما يدل عليه النظم أولوية الترتيب ونحن لا ننكر ذلك ، وقال آخرون : الدليل على الترتيب فعله صلى الله عليه وسلم فقد توضأ عليه الصلاة والسلام مرتباً ، ثم قال :
«هذا وضوء لا يقبل الله تعالى الصلاة إلا به » وفيه أن الإشارة كانت لوضوء مرتب موالى فيه . فلو دلّ على فرضية الترتيب لدل على فرضية الموالاة ولا قائل بها عند الفريقين ، نعم أقوى دليل لهم قوله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع : «ابدأوا بما بدأ الله تعالى به » بناءاً على أن الأمر للوجوب ، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وأجيب عن ذلك بما أجيب إلا أن الاحتياط لا يخفى ، وهذا المقدار يكفي في الكلام على هذه الآية ، والزيادة على ذلك ببيان سنن الوضوء ونواقضه وما يتعلق به مما لا تفهمه الآية كما فعل بعض المفسرين فضول لا فضل ، وإظهار علم يلوح من خلاله الجهل .
{ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً } أي عند القيام إلى الصلاة { فاطهروا } أي فاغتسلوا على أتم وجه ، وقرىء { فاطهروا } أي فطهروا أبدانكم ، والمضمضة والاستنشاق هنا فرض كغسل سائر البدن لأنه سبحانه أضاف التطهير إلى مسمى الواو ، وهو جملة بدن كل مكلف ، فيدخل كل ما يمكن إليه إلا ما فيه حرج كداخل العينين فيسقط للحرج ولا حرج في داخل الفم والأنف فيشملهما نص الكتاب من غير معارض كما شملها قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود : «تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وأنقوا البشرة » وكونهما من الفطرة كما جاء في الخبر لا ينفي الوجوب لأنها الدين ، وهو أعم منه ، وتشعر الآية بأنه لا يجب الغسل على الجنب فوراً ما لم يرد فعل ما لا يجوز بدونه ؛ ويؤيد ذلك ما صح أنه صلى الله عليه وسلم خرج لصلاة الفجر ناسياً أنه جنب حتى إذا وقف تذكر فانصرف راجعاً فاغتسل وخرج ورأسه الشريف يقطر ماءاً .
{ وَإِنْ كُنتُم مرضى } مرضاً تخافون به الهلاك ، أو ازدياده باستعمال الماء .
{ أَوْ على سَفَرٍ } أي مستقرين عليه . { أَوْ جَاء أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن الغائط أَوْ لامستم النساء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيّباً فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مّنْهُ } من لابتداء الغاية ، وقيل : للتبعيض وهو متعلق بامسحوا وقرأ عبد الله فأموا صعيداً وقد تقدم تفسير الآية في سورة النساء ( 43 ) فليراجع ، ولعل التكرير ليتصل الكلام في بيان أنواع الطهارة ، ولئلا يتوهم النسخ على ما قيل بناءاً على أن هذه السورة من آخر ما نزل .
{ مَا يُرِيدُ الله } بما فرض عليكم من الوضوء إذا قمتم إلى الصلاة والغسل من الجنابة ، أو بالأمر بالتيمم { لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مّنْ حَرَجٍ } أي ضيق في الامتثال ، و الجعل يحتمل أن يكون بمعنى الخلق والإيجاد فيتعدى لواحد وهو { مِنْ حَرَجٍ } و { مِنْ } زائدة ، و { عَلَيْكُمْ } حينئذٍ متعلق بالجعل وجوز أن يتعلق بحرج وإن كان مصدراً متأخراً ، ويحتمل أن يكون بمعنى التصيير ، فيكون { عَلَيْكُمْ } هو المفعول الثاني { ولكن يُرِيدُ } أي بذلك { لّيُطَهّرَكُمْ } أي لينظفكم ، فالطهارة لغوية ، أو ليذهب عنكم دنس الذنوب ، فإن الوضوء يكفر الله تعالى به الخطايا ، فقد أخرج مالك ومسلم وابن جرير عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه :
" أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا توضأ العبد المسلم فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقياً من الذنوب " فالطهارة معنوية بمعنى تكفير الذنوب لا بمعنى إزالة النجاسة ، لأن الحدث ليس نجاسة بلا خلاف ، وإطلاق ذلك عليه باعتبار أنه نجاسة حكمية بمعنى كونه مانعاً من الصلاة لا بمعنى كونه بحيث يتنجس الطعام أو الشراب الرطب بملاقاة المحدث أو تفسد الصلاة بحمله ، وأما تنجس الماء فيما شاع عن الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه وروي رجوعه عنه فلانتقال المانعية والآثام إليه حكماً ، وقيل : المراد تطهير القلب عن دنس التمرد عن طاعة الله تعالى . وجوز أن يكون المراد ليطهركم بالتراب إذا أعوزكم التطهر بالماء ، والمراد بالتطهر رفع الحدث والمانع الحكمي ، وأما ما نقل عن بعض الشافعية كإمام الحرمين من أن القول بأن التراب مطهر قول ركيك ، فمراده به : منع الطهارة الحسية فلا يرد عليه أنه مخالف للحديث الصحيح " جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً " والإرادة صفة ذات ، وقد شاع تفسيرها ، ومفعولها في الموضعين محذوف كما أشير إليه ، واللام للعلة ، وإلى ذلك ذهب بعض المحققين ، وقيل : هي مزيدة والمعنى ما يريد الله أن يجعل عليكم من حرج حتى لا يرخص لكم في التيمم ولكن يريد أن يطهركم وضعف بأن ألا تقدر بعد المزيدة ، وتعقب بأن هذا مخالف لكلام النحاة ، فقد قال الرضي : الظاهر أن تقدر أن بعد اللام الزائدة التي بعد فعل الأمر والإرادة ، وكذا في «المغني » ( لابن هشام ) وغيره ، ووقوع هذه اللام بعد الأمر والإرادة في القرآن . وكلام العرب شائع مقيس ، وهو من مسائل «الكتاب » ( لسيبويه ) ( 1 ) قال فيه : سألته أي الخليل عن معنى أريد لأن يفعل فقال : إنما تريد أن تقول : أريد لهذا كما قال تعالى :
{ وَأُمِرْتُ لاِنْ أَكُونَ أَوَّلَ المسلمين } [ الزمر : 12 ] انتهى ، واختلف فيه النحاة فقال السيرافي : فيه وجهان : أحدهما : ما اختاره البصريون أن مفعوله مقدر أي أريد ما أريد لأن تفعل ، فاللام تعليلية غير زائدة ، الثاني : أنها زائدة لتأكيد المفعول ، وقال أبو علي في «التعليق » عن المبرد : إن الفعل دال على المصدر فهو مقدر أي أردت وإرادتي لكذا فحذف إرادتي واللام زائدة وهو تكلف بعيد ، والمذاهب ثلاثة : أقربها الأول ، وأسهلها الثاني وهو من بليغ الكلام القديم كقوله :
أريد ( لأنسي ) ذكرها فكأنما *** تمثل لي ليلى بكل سبيل
البلاغة فيه مما يعرفه الذوق السليم قاله الشهاب { وَلَّيْتُم } بشرعه ما هو مطهرة لأبدانكم { نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ } في الدين ، أو ليتم برخصة إنعامه عليكم بالعزائم { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } نعمته بطاعتكم إياه فيما أمركم به ونهاكم عنه .
ومن لطائف الآية الكريمة كما قال بعض المحققين أنها مشتملة على سبعة أمور كلها مثنى : طهارتان أصل وبدل ، والأصل إثنان : مستوعب وغير مستوعب ، وغير المستوعب باعتبار الفعل غسل ومسح ، وباعتبار المحل محدود وغير محدود ، وأن آلتهما مائع وجامد ، وموجبهما حدث أصغر وأكبر ، وأن المبيح للعدول إلى البدل مرض أو سفر ، وأن الموعود عليهما التطهير وإتمام النعمة ، وزاد البعض مثنيات أخر ، فإن غير المحدود وجه ورأس ، والمحدود يد ورجل ، والنهاية كعب ومرفق ، والشكر قولي وفعلي .
. ( هذا ومن باب الإشارة ) في الآيات { يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ } أمر بالتطهير لمن أراد الوقوف بين يدي الملك الكبير جل شأنه وعظم سلطانه ، وبدأ بالوجه لأنه سبحانه وتعالى نقشه بنقش خاتم صفاته ، وفي «الفتوحات » لا خلاف في أن غسل الوجه فرض وحكمة في الباطن المراقبة والحياء من الله تعالى مطلقاً ، ثم اختلف الحكم في الظاهر في أن تحديد غسل الوجه في الوضوء في ثلاثة مواضع : منها البياض الذي بين العذار والأذن ، والثاني : ما سدل من اللحية ، والثالث : تخليل اللحية ، فأما البياض المذكور فمن قائل : إنه من الوجه ، ومن قائل : إنه ليس من الوجه ، وأما ما انسدل من اللحية فمن قائل : بوجوب إمرار الماء عليه ، ومن قائل : بأنه لا يجب ، وكذلك تخليل اللحية ، فمن قائل : بوجوبه ، ومن قائل : بأنه لا يجب ، وحكم ذلك في الباطن أما غسل الوجه مطلقاً من غير نظر إلى تحديد الأمر في ذلك فإن فيه ما هو فرض ، وفيه ما هو ليس بفرض ، فأما الفرض فالحياء من الله تعالى أن يراك حيث نهاك ، أو يفقدك حيث أمرك ، وأما السنة منه فالحياء من الله تعالى أن تنظر إلى عورتك أو عورة امرأتك ، وإن كان ذلك قد أبيح لك ، ولكن استعمال الحياء فيها أفضل وأولى فما يتعين منه فهو فرض عليك ، وما لا يتعين ففعلته فهو سنة واستحباب ، فيراقب الإنسان أفعاله ظاهراً وباطناً ، ويراقب ربه في باطنه ، فإن وجه قلبه هو المعتبر ، ووجه الإنسان على الحقيقة ذاته يقال : وجه الشيء أي حقيقته وعينه وذاته ، فالحياء خير كله ، و الحياء من الإيمان ولا يأتي إلا بخير ، وأما البياض الذي بين العذار والأذن ، وهو الحد الفاصل بين الوجه والأذن فهو الحد بين ما كلف الإنسان من العمل في وجهه والعمل في سماعه ، فالعمل في ذلك إدخال الحدّ في المحدود ، فالأولى بالإنسان أن يصرف حياءه في سمعه كما صرفه في بصره ، فكما أن الحياء غض البصر كما قال تعالى : { قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أبصارهم } [ النور : 30 ] كذلك يلزم الحياء من الله تعالى أن لا يسمع ما لا يحل له من غيبة ؛ وسوء قول من متكلم بما لا ينبغي فإن ذلك البياض هو بين العذار والأذن وهو محل الشبهة وهو أن يقول : أصغيت إليه لأرد عليه ، وهذا معنى العذار فإنه من العذر أي الإنسان يعتذر إذا قيل له : لم أصغيت إلى هذا القول بأذنك ؟ فيقول : إني أردت أن أحقق سماع ما قال حتى أنهاه عنه ، فكنى عنه بالعذار فمن رأى وجوب ذلك عليه غسله ، ومن لم ير وجوب ذلك إن شاء غسل وإن شاء ترك ، وأما غسل ما استرسل من اللحية وتخليلها فهي الأمور العوارض ، فإن اللحية شيء يعرض في الوجه وليست من أصله ، فكل ما يعرض لك في وجه ذلك من المسائل فأنت فيها بحكم ذلك العارض ، فإن تعين عليك طهارة ذلك العارض فهو قول من يقول بوجوب غسله ، وإن لم يتعين عليك طهارته فطهرته استحباباً أو تركته لكونه ما تعين عليك فهو قول من لم يقل بوجوب الطهارة فيه ، وقد بين أن حكم الباطن يخالف الظاهر بأن فيه وجهاً إلى الفريضة ، ووجها إلى السنة والاستحباب ، فالفرض من ذلك لا بد من إتيانه ، وغير الفرض عمله أولى من تركه ، وذلك سار في جميع العبادات انتهى .
وقال بعض العارفين : هذا خطاب للمؤمنين بالإيمان العلمي إذا قاموا عن نوم الغفلة وقصدوا صلاة الحضور والمناجاة الحقيقية والتوجه إلى الحق أن يطهروا وجوه قواهم بماء العلم النافع الطاهر المطهر من علم الشرائع والأخلاق والمعاملات الذي يتعلق بإزالة الموانع عن لوث صفات النفس ، وأول هذا الأيدي في قوله تعالى : { وَأَيْدِيَكُمْ } بالقوى والقدر أي طهروا أيضاً قواكم وقدركم عن دنس تناول الشهوات والتصرفات في مواد الرجس { إِلَى المرافق } أي قدر الحقوق والمنافع ، وقال الشيخ الأكبر قدس سره : أجمع الناس على غسل اليدين والذراعين ، واختلفوا في إدخال المرافق في هذا الغسل ، فمن قائل : بوجوب إدخالهما ، ومن قائل : بعدم الوجوب ، لكن لم ينازع بالاستحباب ، وحكم الباطن في ذلك أن غسل اليدين والذراعين إشارة إلى غسلهما بالكرم والجود والسخاء والهباة والاعتصام والتوكل ، فإن هذا وشبهه من نعوت اليدين والمعاصم للمناسبة ، بقي غسل المرافق وهي رؤية الأسباب التي يرتفق العبد ويأنس بها لنفسه ، فمن رأى إدخال المرافق في نفسه رأى أن الأسباب إنما وضعها الله تعالى حكمة منه في خلقه فلا يرد أن تعطل حكمة الله تعالى لا على طريق الاعتماد عليها فإن ذلك يقدح في اعتماده على الله تعالى ، ومن رأى عدم إيجابها في الغسل رأى سكون النفس إلى الأسباب ، وأنه لا يخلص له مقام الاعتماد على الله تعالى مع وجود رؤية الأسباب ، وكل من يقول : بأنه لا يجب غسلها يقول : يستحب كذلك رؤية الأسباب مستحبة عند الجميع وإن اختلفت أحكامهم فيها ، فإن الله تعالى ربط الحكمة في وجودها : { وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ } قال بعض العارفين : أي بجهات أرواحكم عن قتام كدورة القلب وغبار تغيره بالتوج إلى العالم السفلي ومحبة الدنيا بنور الهدى ، فإن الروح لا يتكدر بالتعلق بل يحتجب نوره عن القلب فيسود القلب ويظلم ويكفى في انتشار نوره صقل الوجه العالي الذي يتوجه إليه ، فإن القلب ذو وجهين : أحدهما : إلى الروح والرأس هنا إشارة إليه ، والثاني : إلى النفس وقواها ، وأحرى بالرجل أن تكون إشارة إليه . وقال الشيخ الأكبر قدس الله سره بعد أن بين اختلاف العلماء في القدر الذي يجب مسحه : وأما حكم مسح الرأس في الباطن فأصله من الرياسة وهي العلو والارتفاع ، ولما كان أعلا ما في البدن في ظاهر العين وجميع البدن تحته سمي رأساً ، فإن الرئيس فوق المرؤوس وله جهة فوق ، وقد وصف الله تعالى نفسه بالفوقية على عباده بصفة القهر ، فقال سبحانه : { وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ } [ الأنعام : 18 ] فكان الرأس أقرب عضو في الجسد إلى الحق تعالى لمناسبة الفوقية ، ثم له الشرف الآخر في المعنى الذي به رأس على البدن كله ، وهو أنه محل جميع القوى كلها الحسية والمعنوية ، فلما كانت له هذه الرياسة من هذه الجهة سمي رأساً ، ثم إن العقل الذي جعله الله تعالى أشرف ما في الإنسان جعل محله اليافوخ وهو أعلى موضع في الرأس فجعله سبحانه مما يلي جانب الفوقية ، ولما كان محلا لجميع القوى الظاهرة والباطنة ولكل قوة حكم وسلطان وفخر يورثها ذلك عزة على غيرها ، وكان محل هذه القوى من الرأس مختلفة فعمت الرأس كله وجب مسح كله في هذه العبارة لهذه الرياسة السارية فيه كله من جهة هذه القوى بالتواضع والاقناع ، فيكون لكل قوة مسح مخصوص من مناسبة دعواها ، وهذا ملحظ من يرى وجوب مسح جميع الرأس ؛ ومن رأى تفاوت القوى بالرياسة فإن القوة المصورة مثلاً لها سلطان على القوة الخيالية فهي الرئيسة عليها ، وإن كانت للقوة الخيالية رياسة قال : الواجب عليه مسح بعض الرأس وهو المقسم بالأعلى ، ثم اختلفوا في هذا البعض ، فكل عارف قال بحسب ما أعطاه الله تعالى من الإدراك في مراتب هذه القوة فيمسح بحسب ما يرى ، ومعنى المسح هو التذلل وإزالة الكبرياء والشموح بالتواضع والعبودية لأن المتوضىء بصدد مناجاة ربه وطلب وصلته ، والعزيز الرئيس إذا دخل على من ولاه تلك العزة ينعزل عن عزته ورياسته بعز من دخل عليه فيقف بين يديه وقوف العبيد في محل الإذلال لا بصفة الإذلال فمن غلب على خاطره رياسة بعض القوى على غيرها وجب عليه مسح ذلك البعض من أجل الوصلة التي تطلب بهذه العبادة ولهذا لم يشرع مسح الرأس في التيمم لأن وضع التراب على الرأس من علامات الفراق ، فترى الفاقد حبيبه بالموت يضع التراب على رأسه ، وتفصيل رياسات القوى معلوم عند أهل هذا الشأن ، وأما التبعيض في اليد الممسوح بها ، واختلافهم في ذلك فاعمل فيه كما تعمل في الممسوح سواء ، فإن المزيل لهذه الرياسة أسباب مختلفة في القدرة على ذلك ، ومحل ذلك اليد ، فمن مزيل بصفة القهر ومن مزيل بسياسة وترغيب إلى آخر ما قال : { وَأَرْجُلَكُمْ } أشير بها إلى القوى الطبيعية البدنية المنهمكة في الشهوات والإفراط باللذات ، وغسلها بماء علم الأخلاق وعلم الرياضيات حتى ترجع إلى الصفاء الذي يستعد به القلب للحضور والمناجاة .
وفي «الفتوحات » اختلفوا في صفة طهارتها بعد الاتفاق على أنها من أعضاء الوضوء هل ذلك بالغسل أو بالمسح أو بالتخيير بينهما ؟ ومذهبنا التخيير ، والجمع أولى ، وما من قول إلا وبه قائل ، والمسح بظاهر الكتاب ، والغسل بالسنة ، ومحتمل الآية بالعدول عن الظاهر منها ، وأما حكم ذلك في الباطن فاعلم أن السعي إلى الجماعات وكثرة الخطا إلى المساجد والثبات يوم الزحف مما تطهر به الأقدام فلتكن طهارة رجليك بما ذكرناه وأمثاله ، ولا تتمثل بالنميمة بين الناس ولا تمش مرحاً واقصد في مشيك واغضض من صوتك ، ومن هذا ما هو فرض بمنزلة المرة الواحدة في غسل عضو الوضوء الرجل وغيره ، ومنه ما هو سنة وهو ما زاد على الفرض ، وهو مشيك فيما ندبك الشرع إليه وما أوجبه عليك ، فالواجب عليك نقل الأقدام إلى مصلاك ، والمندوب والمستحب والسنة وما شئت فقل من ذلك نقل الأقدام إلى المساجد من قرب وبعد ، فإن ذلك ليس بواجب فإن كان الواجب من ذلك عند بعض الناس مسجداً لا بعينه وجماعة لا بعينها فعلى هذا يكون غسل رجليك في الباطن من طريق المعنى ، واعلم أن الغسل يتضمن المسح فمن غسل فقد أدرج المسح فيه كاندراج نور الكواكب في نور الشمس ، ومن مسح لم يغسل إلا في مذهب من يرى ، وينقل عن العرب أن المسح لغة في الغسل فيكون من الألفاظ المترادفة ، والصحيح في المعنى في حكم الباطن أن يستعمل المسح فيما يقتضي الخصوص من الأعمال ، والغسل فيما يقتضي العموم ، ولهذا كان مذهبنا التخيير بحسب الوقت ، فإن الشخص قد يسعى لفضيلة خاصة في حاجة شخص بعينه فذلك بمنزلة المسح ، وقد يسعى للملك في حاجة تعم الرعية فيدخل ذلك الشخص في هذا العموم فذلك بمنزلة الغسل الذي اندرج فيه المسح انتهى .
{ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فاطهروا } الجنابة غربة العبد عن موطنه الذي يستحقه ، وليس إلا العبودية وتغريب صفة ربانية عن موطنها وكل ذلك يوجب التطهير ، وقوله تعالى : { وَإِنْ كُنتُم مرضى } الخ قد تقدم نظيره . وفي «الفتوحات » اختلف في حد الأيدي المذكورة في هذه الطهارة ، فمن قائل : حدها مثل حدها في الوضوء ومن قائل : هو الكف فقط وبه أقول ومن قائل : إن الاستحباب إلى المرفقين والفرض الكفان ، ومن قائل : إن الفرض إلى المناكب ، والاعتبار في ذلك أنه لما كان التراب في الأرض أصل نشأة الإنسان وهو تحقيق عبوديته وذلته أمر بطهارة نفسه من التكبر بالتراب ، وهو حقيقة عبوديته ويكون ذلك بنظره في أصل خلقه ، ولما كان من جملة ما يدعيه الاقتدار والعطاء مع أنه مجبول على العجز والبخل ، وهذه الصفات من صفات الأيدي قيل له عند هذه الدعوة ورؤية نفسه في الاقتدار الظاهر منه ، والكرم والعطاء : طهر نفسك من هذه الصفة بنظرك فيما جبلت عليه من ضعفك ومن بخلك فقد قال تعالى : { خَلَقَكُمْ مّن ضَعْفٍ } [ الروم : 54 ] { وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ } [ الحشر : 9 ] { وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً } [ المعارج : 21 ] فإذا نظر إلى هذا الأصل زكت نفسه وتطهرت من الدعوى ، واختلفوا في عدد الضربات على الصعيد للتيمم ، فمن قائل : واحدة ، ومن قائل : اثنتان ، والقائلون بذلك ، منهم من قال : ضربة للوجه وضربة لليدين ، ومنهم من قال : ضربتان لليد وضربتان للوجه ، ومذهبنا أنه من ضرب واحدة أجزأه ، ومن ضرب اثنتين اجزأه وحديث الضربة الواحدة أثبت ، والاعتبار في ذلك التوجه إلى ما يكون به هذه الطهارة ، فمن غلب التوحيد في الأفعال قال : بالضربة الواحدة ، ومن غلب حكم السبب الذي وضعه الله تعالى ونسب الفعل إلى الله تعالى مع تعريته عنه مثل قوله تعالى : { والله خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } [ الصافات : 96 ] فأثبت ونفى قال : بالضربتين ومن قال : إن ذلك في كل فعل قال : بالضربتين لكل عضو انتهى . وقد أطال الشيخ قدس سره الكلام في أنواع الطهارة وأتى فيه بالعجب العجاب . { مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مّنْ حَرَجٍ } أي من ضيق ومشقة بكثرة المجاهدات { ولكن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ } من الصفات الخبيثة ، وعن سهل : الطهارة على سبعة أوجه : طهارة العلم من الجهل وطهارة الذكر من النسيان وطهارة اليقين من الشك وطهارة العقل من الحمق وطهارة الظن من التهمة وطهارة الإيمان مما دونه وطهارة القلب من الإرادات ، وقال : إسباغ طهارة الظاهر تورث طهارة الباطن ، وإتمام الصلاة يورث الفهم عن الله تعالى ، والطهارة تكون في أشياء : في صفاء المطعم ومباينة الأنام وصدق اللسان وخشوع السر ، وكل واحد من هذه الأربع مقابل لما أمر الله تعالى بتطهيره وغسله من الأعضاء الظاهرة .
وقال ابن عطاء : البواطن مواضع نظر الحق سبحانه فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم : «إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أعمالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم » ، فموضع نظر الحق جل وعلا أحق بالطهارة ، وذلك إنما يكون بإزالة أنواع الخيانات والمخالفات وفنون الوساوس والغش والحقد والرياء والسمعة وغير ذلك من المناهي ، وليس شيء على العارفين أشد من جمع الهم وطهارة السر ، وفي إضافة التطهير إليه تعالى ما لا يخفى من اللطف { وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ } بالتكميل ، وقال بعض العارفين : إتمام النعمة لقوم نجاتهم بتقواهم ، وعلى آخرين نجاتهم عن تقواهم فشتان بين قوم وقوم و { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [ المائدة : 6 ] نعمة الكمال بالاستقامة والقيام بحق العدالة عند البقاء بعد الفناء .