جامع البيان في تفسير القرآن للإيجي - الإيجي محيي الدين  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} (6)

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ } أي : إذا أردتم القيام إليها وهو مطلق أريد به التقييد أي : إذا قمتم إليها{[1203]} محدثين وقيل : الأمر شامل للمحدثين على الإيجاب وللمطهرين على وجه الندب وقال بعضهم : إن الآية نزلت إعلاما من الله أن الوضوء لا يجب إلا عند القيام إلى صلاة دون غيرها من الأعمال ، لأنه عليه الصلاة والسلام كان إذا أحدث امتنع من الأعمال كلها حتى يتوضأ { فاغسلوا{[1204]} وجوهكم وأيديكم إلى المرافق } أي مع المرافق فالجمهور على دخول المرفقين في المغسول ، قيل : ومنه علم وجوب النية كما إذا قلنا إذا رأيت الأمير فقم أي : فقم له { وامسحوا برءوسكم } الباء للإلصاق { وأرجُلكم إلى الكعبين } نصبه نافع والكسائي وابن عامر وحفص ويعقوب عطفا على وجوهكم ، وجره الباقون وعلى الإنصاف ظاهر قراءة النصب على وجوب الغسل وظاهر الثانية على وجوب{[1205]} المسح ، فإن جر الجوار وإن كان بابا واسعا فهو خلاف{[1206]} الظاهر ، والأحاديث الصحاح تدل على وجوب الغسل دلالة لا محيص عنها { وإن كنتم جُنبا فاطّهروا }{[1207]} فاغتسلوا { وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ{[1208]} مِنْهُ } قد مر تفسيره في سورة النساء ولعل فائدة التكرار بيان أنواع الطهارة هنا أيضا { ما يريد الله ليجعل عليكم } : بما فرض من الغسل والوضوء والتيمم { من حرج } : ضيق { ولكن يريد ليُطهّركم } : من الإحداث والذنوب { وليُتم نعمته عليكم } ببيان ما هو مطهرة للقلوب والأبدان عن الآثام والإحداث { لعلكم تشكرون } : نعمتي فأزيدها عليكم .


[1203]:والدال على هذا مقابلته بقوله: (وإن كنتم جنبا) كأنه قال: إن كنتم محدثين الحدث الكبر فاغسلوا جميع الجسد/12 وجيز.
[1204]:الفاء دال على أن أول واجب في الوضوء غسل الوجه/12 وجيز.
[1205]:وحمل قراءة الجر على الجوار للسنة الشائعة وعمل الصحابة والتحديد بقوله: (إلى الكعبين) لأن المسح غير محدود وفائدته التنبيه على منع الإسراف/تبصير الرحمن.
[1206]:مع أن جر الجوار إن وقع في فصيح فهو بدون الواو فظاهر القرآن المسح على قراءة الجر ونعم ما حققه الزمخشري أن الرجل من الأعضاء المغسولة مظنة إسراف الماء فعطف على الممسوح تنبيها على وجوب الاقتصاد في صب الماء، فإن المسح والغسل متقاربان فسهل عطف أحدهما على الآخر نحو: متقلدا سيفا ورمحا فعدل إلى المجاز للإيجاز وقرينة المجاز أنه يجيء بالغاية إلى الكعبين فإن المسح لم تضرب له غاية في الشريعة، والمراد: فاغسلوا أرجلكم غسلا خفيفا واختصر بعطفه على الممسوح، وفي باب التيمم (فامسحوا بوجوهكم) (المائدة: 5): وجوب استيعاب جميع الوجه بالتراب، فالمسح بالماء في الأرجل كذلك والأحاديث الصحاح التي قاربت التواتر على وجوب الغسل والوعيد على تركه فالقول ما قالت حذام /12 وجيز. اختلف العلماء في هذا الحكم، وهل فرض لرجلين المسح أو الغسل فروي عن ابن عباس أنه قال: الوضوء غسلتان ومسحتان ويروى ذلك عن قتادة أيضا، ويروى عن أنس أنه قال: نزل القرآن بالمسح، والسنة بالغسل، وعن عكرمة قال: ليس في الرجلين غسل إنما نزل فيهما المسح، وعن الشعبي أنه قال: إنما هو المسح على الرجلين ألا ترى أن ما كان عليه الغسل جعل عليه التيمم وما كان عليه المسح أهمل، ومذهب الإمامية من الشيعة أن الواجب في الرجلين المسح. وقال جمهور العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم الأئمة الأربعة وأصحابهم: إن فرض الرجلين هو الغسل وقال داود الظاهري: يجب الجمع بينهما، وقال الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري: المكلف مخير بين الغسل والمسح، والحق ما قال الجمهور، لأنه قد ثبت في السنة المطهرة بالأحاديث الصحيحة من فعل النبي –صلى الله عليه وسلم– وقوله وعمل أصحابه وقولهم والتابعين وقولهم هذا ما في لباب التأويل المعروف بالخازن مع ضميمة من الفتح/12. وأما من جعل كسر اللام في الأرجل على مجاورة اللفظ دون الحكم واستدل بقولهم: جحر ضب الخرب وقال: الخرب نعت للجحر لا للضب، وإنما أخذ إعراب الضب للمجاورة فليس بجيد، لأن الكسر على المجاورة إنما يحمل لأجل الضرورة في الشعر أو يصار إليه حيث يحصل الأمن من الالتباس، لأن الخرب لا يكون نعتا للضب بل للجحر ولأن الكسر بالجوار إنما يكون بدون حرف العطف، أما مع حرف العطف فلم يتكلم به العرب/12 باب التأويل.
[1207]:لما ذكر الطهارة الصغرى أعقب بالطهارة الكبرى والظاهر أن الجنب مأمور بالاغتسال، ولهذا قال ابن مسعود: لا يتيمم الجنب البتة بل يدع الصلاة حتى يجد الماء والجمهور على أنه تيمم؛ ونقل أنه رجع إلى ما عليه الجمهور للحديث/12 وجيز.
[1208]:قد مر تفسير الآية في سورة النساء إلا أن في هذه الآية زيادة منه وهي دالة على أن يمسح بعضه ولا يتيمم بصخرة لا تراب عليه/12 وجيز.