مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞ وَزِينَةٞ وَتَفَاخُرُۢ بَيۡنَكُمۡ وَتَكَاثُرٞ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِۖ كَمَثَلِ غَيۡثٍ أَعۡجَبَ ٱلۡكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرّٗا ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰمٗاۖ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٞ شَدِيدٞ وَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٞۚ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ} (20)

ولما ذكر أحوال المؤمنين والكافرين ذكر بعده ما يدل على حقارة الدنيا وكمال حال الآخرة فقال : { اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور } . وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : المقصود الأصلي من الآية تحقير حال الدنيا وتعظيم حال الآخرة فقال : الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر ، ولا شك أن هذه الأشياء أمور محقرة ، وأما الآخرة فهي عذاب شديد دائم أو رضوان الله على سبيل الدوام ، ولا شك أن ذلك عظيم .

المسألة الثانية : اعلم أن الحياة الدنيا حكمة وصواب ، ولذلك لما قال تعالى : { إني جاعل في الأرض خليفة - قال إني أعلم ما لا تعلمون } ولولا أنها حكمة وصواب لما قال ذلك ، ولأن الحياة خلقه ، كما قال : { الذي خلق الموت والحياة } وأنه لا يفعل العبث على ما قال : { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا } وقال : { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا } ولأن الحياة نعمة بل هي أصل لجميع النعم ، وحقائق الأشياء لا تختلف بأن كانت في الدنيا أو في الآخرة ، ولأنه تعالى عظم المنة بخلق الحياة فقال : { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم } فأول ما ذكر من أصناف نعمه هو الحياة ، فدل مجموع ما ذكرنا على أن الحياة الدنيا غير مذمومة ، بل المراد أن من صرف هذه الحياة الدنيا لا إلى طاعة الله بل إلى طاعة الشيطان ومتابعة الهوى ، فذاك هو المذموم ، ثم إنه تعالى وصفها بأمور : ( أولها ) : أنها { لعب } وهو فعل الصبيان الذين يتعبون أنفسهم جدا ، ثم إن تلك المتاعب تنقضي من غير فائدة ( وثانيها ) : أنها { لهو } وهو فعل الشبان ، والغالب أن بعد انقضائه لا يبقى إلا الحسرة ، وذلك لأن العاقل بعد انقضائه يرى المال ذاهبا والعمر ذاهبا ، واللذة منقضية ، والنفس ازدادت شوقا وتعطشا إليه مع فقدانها ، فتكون المضار مجتمعة متوالية ( وثالثها ) : أنها { زينة } وهذا دأب النساء لأن المطلوب من الزينة تحسين القبيح ، وعمارة البناء المشرف على أن يصير خرابا ، والاجتهاد في تكميل الناقص ، ومن المعلوم أن العرضي لا يقاوم الذاتي ، فإذا كانت الدنيا منقضية لذاتها ، فاسدة لذاتها ، فكيف يتمكن العاقل من إزالة هذه المفاسد عنها ، قال ابن عباس : المعنى أن الكافر يشتغل طول حياته بطلب زينة الدنيا دون العمل للآخرة ، وهذا كما قيل :

" حياتك يا مغرور سهو وغفلة *** "

( ورابعها ) : { تفاخر بينكم } بالصفات الفانية الزائلة ، وهو إما التفاخر بالنسب ، أو التفاخر بالقدرة والقوة والعساكر وكلها ذاهبة ( وخامسها ) : قوله : { وتكاثر في الأموال والأولاد } قال ابن عباس : يجمع المال في سخط الله ، ويتباهى به على أولياء الله ، ويصرفه في مساخط الله ، فهو ظلمات بعضها فوق بعض ، وأنه لا وجه بتبعية أصحاب الدنيا يخرج عن هذه الأقسام ، وبين أن حال الدنيا إذا لم يخل من هذه الوجوه فيجب أن يعدل عنها إلى ما يؤدي إلى عمارة الآخرة ، ثم ذكر تعالى لهذه الحياة مثلا ، فقال : { كمثل غيث } يعني المطر ، ونظيره قوله تعالى : { واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء } والكاف في قوله : { كمثل غيث } موضعة رفع من وجهين ( أحدهما ) : أن يكون صفة لقوله : { لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر } ، ( والآخر ) : أن يكون خبرا بعد خبر قاله الزجاج ، وقوله : { أعجب الكفار نباته } فيه قولان : ( الأول ) : قال ابن مسعود : المراد من الكفار الزراع قال الأزهري : والعرب تقول للزارع : كافر ، لأنه يكفر البذر الذي يبذره بتراب الأرض ، وإذا أعجب الزراع نباته مع علمهم به فهو في غاية الحسن ( الثاني ) : أن المراد بالكفار في هذه الآية الكفار بالله وهم أشد إعجابا بزينة الدنيا وحرثها من المؤمنين ، لأنهم لا يرون سعادة سوى سعادة الدنيا ، وقوله : { نباته } أي ما نبت من ذلك الغيث ، وباقي الآية مفسر في سورة الزمر .

ثم إنه تعالى ذكر بعده حال الآخرة فقال : { وفي الآخرة عذاب شديد } أي لمن كانت حياته بهذه الصفة ، ومغفرة من الله ورضوان لأوليائه وأهل طاعته ، وذلك لأنه لما وصف الدنيا بالحقارة وسرعة الانقضاء ، بين أن الآخرة إما عذاب شديد دائم ، وإما رضوان ، وهو أعظم درجات الثواب ، ثم قال : { وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور } يعني لمن أقبل عليها ، وأعرض بها عن طلب الآخرة ، قال سعيد بن جبير : الدنيا متاع الغرور إذا ألهتك عن طلب الآخرة ، فأما إذا دعتك إلى طلب رضوان الله وطلب الآخرة فنعم الوسيلة .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞ وَزِينَةٞ وَتَفَاخُرُۢ بَيۡنَكُمۡ وَتَكَاثُرٞ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِۖ كَمَثَلِ غَيۡثٍ أَعۡجَبَ ٱلۡكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرّٗا ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰمٗاۖ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٞ شَدِيدٞ وَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٞۚ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ} (20)

16

واللمسة الثالثة في هذا الشوط تجيء تعقيبا على دعوة الإيمان والبذل ، ودعوة الفداء والتضحية . تعقيبا يصور الدنيا كلها بصورة هزيلة زهيدة تهون من شأنها وترفع النفوس عنها ، وتعلقها بالآخرة وقيمها :

( اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة ، وتفاخر بينكم ، وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ، ثم يهيج فتراه مصفرا ، ثم يكون حطاما . وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان . وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) . .

والحياة الدنيا حين تقاس بمقاييسها هي وتوزن بموازينها تبدو في العين وفي الحس أمرا عظيما هائلا . ولكنها حين تقاس بمقاييس الوجود وتوزن بميزان الآخرة تبدو شيئا زهيدا تافها . وهي هنا في هذا التصوير تبدوا لعبة أطفال بالقياس إلى ما في الآخرة من جد تنتهي إليه مصائر أهلها بعد لعبة الحياة !

لعب . ولهو . وزينة . وتفاخر . وتكاثر . . . هذه هي الحقيقة وراء كل ما يبدوا فيها من جد حافل واهتمام شاغل . . ثم يمضي يضرب لها مثلا مصورا على طريقة القرآن المبدعة . . ( كمثل غيث أعجب الكفار نباته ) . . والكفار هنا هم الزراع . فالكافر في اللغة هو الزارع ، يكفر أي يحجب الحبة ويغطيها في التراب . ولكن اختياره هنا فيه تورية وإلماع إلى إعجاب الكفار بالحياة الدنيا ! ( ثم يهيج فتراه مصفرا )للحصاد . فهو موقوت الأجل ، ينتهي عاجلا ، ويبلغ أجله قريبا ( ثم يكون حطاما ) . . وينتهي شريط الحياة كلها بهذه الصورة المتحركة المأخوذة من مشاهدات البشر المألوفة . . ينتهي بمشهد الحطام !

فأما الآخرة فلها شأن غير هذا الشأن ، شأن يستحق أن يحسب حسابه ، وينظر إليه ، ويستعد له : ( وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان ) . . فهي لا تنتهي في لمحة كما تنتهي الحياة الدنيا . وهي لا تنتهي إلى حطام كذلك النبات البالغ أجله . . إنها حساب وجزاء . . ودوام . . يستحق الاهتمام !

( وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) . .

فما لهذا المتاع حقيقة ذاتية ، إنما يستمد قوامه من الغرور الخادع ؛ كما أنه يلهي وينسي فينتهي بأهله إلى غرور خادع .

وهي حقيقة حين يتعمق القلب في طلب الحقيقة . حقيقة لا يقصد بها القرآن العزلة عن حياة الأرض ، ولا إهمال عمارتها وخلافتها التي ناطها بهذا الكائن البشري . إنما يقصد بها تصحيح المقاييس الشعورية والقيم النفسية ، والاستعلاء على غرور المتاع الزائل وجاذبيته المقيدة بالأرض . هذا الاستعلاء الذي كان المخاطبون بهذه السورة في حاجة إليه ليحققوا إيمانهم . والذي يحتاج إليه كل مؤمن بعقيدة ، ليحقق عقيدته ؛ ولو اقتضى تحقيقها أن يضحي بهذه الحياة الدنيا جميعا .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞ وَزِينَةٞ وَتَفَاخُرُۢ بَيۡنَكُمۡ وَتَكَاثُرٞ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِۖ كَمَثَلِ غَيۡثٍ أَعۡجَبَ ٱلۡكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرّٗا ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰمٗاۖ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٞ شَدِيدٞ وَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٞۚ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ} (20)

{ اعلموا أَنَّمَا الحياة الدنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ في الأموال والأولاد } بعدما بين حال الفريقين في الآخرة شرح حال الحياة التي اطمأن بها الفريق الثاني ، وأشير إلى أنها من محقرات الأمور التي لا يركن إليها العقلاء فضلاً عن الاطمئنان بها بأنها لعب لا ثمرة فيها سوى التعب { وَلَهْوٌ } تشغل الإنسان عما يعنيه ويهمه { وَزِينَةٌ } لا يحصل منها شرف ذاتي كالملابس الحسنة والمراكب البهية والمنازل الرفيعة { وَتَفَاخُرٌ } بالأنساب والعظام البالية { وَتَكَاثُرٌ } بالعدد والعدد ، وقرأ السلمي { وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ } بالإضافة ، ثم أشير إلى أنها مع ذلك سريعة الزوال وشيكة الاضمحلال بقوله سبحانه : { كَمَثَلِ غَيْثٍ } مطر { أَعْجَبَ الكفار } أي راقهم { نباتُهُ } أي النبات الحاصل به ، والمراد بالكفار إما الحراث على ما روي عن ابن مسعود لأنهم يكفرون أي يسترون البذر في الأرض ووجه تخصيصهم بالذكر ظاهر ، وأما الكافرون بالله سبحانه ووجه تخصيصهم أنهم أشد إعجاباً بزينة الدنيا فإن المؤمن إذا رأى معجباً انتقل فكره إلى قدرة موجده عز وجل فأعجب بها ، ولذا قال أبو نواس في النرجس

: عيون من لجين شاخصات *** على أطرافها ذهب سبيك على قضب الزبرجد شاهدات

( بأن الله ليس له شريك ) *** والكافر لا يتخطى فكره عما أحس به فيستغرق إعجاباً { أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ } يتحرك إلى أقصى ما يتأتى له ، وقيل : أي يجف بعد خضرته ونضارته { فترياه } يا من تصح منه الرؤية { فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً } بعد ما رأيته ناضراً مونقاً ، وقرئ مصفاراً وإنما لم يقل فيصفر قيل : إيذاناً بأن اصفراره غير مقارن لهيجانه وإنما المترتب عليه رؤيته كذلك ، وقيل : للإشارة إلى ظهور ذلك لكل أحد { ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً } هشيماً متكسراً من اليبس ، ومحل الكاف قيل : النصب على الحالية من الضمير في { لَعِبٌ } لأنه في معنى الوصف ، وقيل : الرفع على أنه خبر بعد خبر للحياة الدنيا بتقدير المضاف إليه أي مثل الحياة كمثل الخ ، ولتضمن ذلك تشبيه جميع ما فيها من السنين الكثيرة بمدة نبات غيث واحد يفنى ويضمحل في أقل من سنة جاءت الإشارة إلى سرعة زوالها وقرب اضمحلالها ، وبعد ما بين حقارة أمر الدنيا تزهيداً فيها وتنفيراً عن العكوف عليها أشير إلى فخامة شأن الآخرة وعظم ما فيها من اللذات والآلام ترغيباً في تحصيل نعيمها المقيم وتحذيراً من عذابها الأليم ، وقدم سبحانه ذكر العذاب فقال جل وعلا :

{ وَفي الآخرة عَذَابٌ شَدِيدٌ } لأنه من نتائج الانهماك فيما فصل من أحوال الحياة الدنيا { وَمَغْفِرَةٌ } عظيمة { مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ } عظيم لا يقادر قدره ، وفي مقابلة العذاب الشديد بشيئين إشارة إلى غلبة الرحمة وأنه من باب «لن يغلب عسر يسرين » .

وفي ترك وصف العذاب بكونه من الله تعالى مع وصف ما بعده بذلك إشارة إلى غلبتها أيضاً ورمز إلى أن الخير هو المقصود بالقصد الأولى { وَما الحياة الدنيا إِلاَّ متاع الغرور } لمن اطمأن بها ولم يجعلها ذريعة للآخرة ومطية لنعيمها ، روي عن سعيد بن جبير الدنيا متاع الغرور إن ألهتك عن طلب الآخرة ، فأما إذا دعتك إلى طلب رضوان الله تعالى وطلب الآخرة فنعم المتاع ونعم الوسيلة .