إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود - أبو السعود  
{ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞ وَزِينَةٞ وَتَفَاخُرُۢ بَيۡنَكُمۡ وَتَكَاثُرٞ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِۖ كَمَثَلِ غَيۡثٍ أَعۡجَبَ ٱلۡكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرّٗا ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰمٗاۖ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٞ شَدِيدٞ وَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٞۚ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ} (20)

{ اعلموا أَنَّمَا الحياة الدنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأموال والأولاد } بعدَ ما بُيِّنَ حالُ الفريقينِ في الآخرةِ ، شُرحَ حالُ الحياةِ الدُّنيا التي اطمأنَّ بها الفريقُ الثَّاني ، وأُشيرَ إلى أنَّها من محقرات الأمورِ التي لا يركنُ إليها العقلاءُ فضلاً عن الاطمئنانِ بَها وأنَّها مع ذلكَ سريعةُ الزوالِ وشيكةُ الاضمحلالِ حيثُ قيلَ : { كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكفار } أي الحُرَّاثَ { نَبَاتُهُ } أي النباتُ الحاصلُ بهِ { ثُمَّ يَهِيجُ } أي يجفُّ بعدَ خضرتِه ونضارتِه { فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً } بعدَ ما رأيتَهُ ناضراً مُونِقاً . وقُرئَ مُصفارَّاً وإنما لم يقلْ فيصفرُّ إيذاناً بأنَّ اصفرارَهُ مقارنٌ لجفافِه وإنما المترتبُ عليه رؤيتُه كذلكَ { ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً } هشيماً مُتكسراً ومحلُّ الكافِ . قيلَ : النصبُ على الحاليةِ من الضميرِ في لعبٌ لأنَّه في معنى الوصف ، وقيل الرفع على أنه خبر للحياة الدنيا بتقدير المضاف أي مثل الحياةِ الدُّنيا كمثلِ الخ وبعدَ ما بُيِّنِ حقارةُ أمرِ الدُّنيا تزهيداً فيها وتنفيراً عن العكوفِ عليها أُشيرَ إلى فخامة شأنِ الآخرةِ وعظمِ ما فيها من اللذاتِ والآلامِ ترغيباً في تحصيلِ نعيمِها المقيمِ وتحذيراً من عذابِها الأليمِ ، وقُدِّمَ ذكرُ العذابِ فقيلَ { وَفِي الآخرة عَذَابٌ شَدِيدٌ } لأنَّه من نتائجِ الانهماكِ فيما فُصِّلَ من أحوالِ الدُّنيا { وَمَغْفِرَةٌ } عظيمة { مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ } عظيمٌ لا يُقَادرُ قَدرُه . { وَما الحياة الدنيا إِلاَّ متاع الغرور } أي لمن اطمأنَّ بها ولم يجعلْها ذريعةً إلى الآخرةِ . عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ : الدُّنيا متاعُ الغرورِ إنْ ألهتكَ عن طلب الآخرةِ فأمَّا إذَا دعتكَ إلى طلبِ رضوانِ الله تعالَى فنعمَ المتاعُ ونعمَ الوسيلةُ .