ثم قال تعالى : { فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون }
ذكر الله أربعة أشياء العذاب بالحاصب ، وقيل إنه كان بحجارة محماة يقع على واحد منهم وينفذ من الجانب الآخر ، وفيه إشارة إلى النار والعذاب بالصيحة وهو هواء متموج ، فإن الصوت قيل سببه تموج الهواء ووصوله إلى الغشاء الذي على منفذ الأذن وهو الصماخ فيقرعه فيحس ، والعذاب بالخسف وهو الغمر في التراب ، والعذاب بالإغراق وهو بالماء . فحصل العذاب بالعناصر الأربعة والإنسان مركب منها وبها قوامه وبسببها بقاؤه ودوامه ، فإذا أراد الله هلاك الإنسان جعل ما منه وجوده سببا لعدمه ، وما به بقاؤه سببا لفنائه ، ثم قال تعالى : { وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } يعني لم يظلمهم بالهلاك ، وإنما هم ظلموا أنفسهم بالإشراك وفيه وجه آخر ألطف وهو أن الله ما كان يظلمهم أي ما كان يضعهم في غير موضعهم فإن موضعهم الكرامة كما قال تعالى : { ولقد كرمنا بنى آدم } لكنهم ظلموا أنفسهم حيث وضعوها مع شرفهم في عبادة الوثن مع خسته .
هؤلاء الذين ملكوا القوة والمال وأسباب البقاء والغلبة ، قد أخذهم الله جميعا . بعد ما فتنوا الناس وآذوهم طويلا :
( فكلا أخذنا بذنبه ، فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ، ومنهم من أخذته الصيحة ، ومنهم من خسفنا به الأرض ، ومنهم من أغرقنا . وما كان الله ليظلمهم ، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) .
فعاد أخذهم حاصب وهو الريح الصرصر التي تتطاير معها حصباء الأرض فتضربهم وتقتلهم ، وثمود أخذتهم الصيحة . وقارون خسف به وبداره الأرض ، وفرعون وهامان غرقا في اليم . وذهبوا جميعا مأخوذين بظلمهم . ( وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) . .
{ فكلا } من المذكورين . { أخذنا بذنبه } عاقبناه بذنبه . { فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا } ريحا عاصفا فيها حصباء ، أو ملكا رماهم بها كقوم لوط . { ومنهم من أخذته الصيحة } كمدين وثمود . { ومنهم من خسفنا به الأرض } كقارون . { ومنهم من أغرقنا } كقوم نوح وفرعون وقومه . { وما كان الله ليظلمهم } ليعاملهم معاملة الظالم فيعاقبهم بغير جرم إذ ليس ذلك من عادته عز وجل . { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } بالتعرض للعذاب .
حاصبا : سحابا أو ريحا تحصبهم بالحجارة .
الصيحة : تموّج شديد في الهواء ، يحدث هزة عنيفة مهلكة .
خسفنا به الأرض : غيبناه في جوفها .
40-فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون .
أرسل الله ألوان العذاب على المكذبين ، وكانت عقوبتهم أربعة أنواع :
1- الريح العاصفة تحمل الحصباء [ الحجارة الصغيرة ] فتلقى عليهم ، وتقتلعهم من الأرض ، ثم تصرعهم فيصبحون جثثا هامدة كقوم عاد .
2- الصيحة الشديدة ، التي زلزلت نفوسهم وبيوتهم ، وأخمدت أصواتهم مثل ثمود وأهل مدين .
3- الخسف بالإنسان وكنوزه وأمواله مثل قارون ، الذي اختال وتكبر وطغى ؛ فخسف الله به وبداره الأرض .
4- الغرق : كما أغرق الله فرعون في ماء النيل ، وجعل الله نهايته عبرة وعظة لهلاك ملك قوي ، لكنه ظلم وبغى فاستحق الغرق والهلاك .
{ وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون }
إن الله تعالى عادل لا يظلم مثقال ذرة : { ولا يظلم ربك أحدا } [ الكهف : 49 ] .
فهو سبحانه وتعالى لم يظلمهم حين عاقبهم بالهلاك على أي وجه من الوجوه السابقة ، ولكنهم هم الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والعدوان ، وترك طرق الهداية واتباع سبل الغواية .
قال تعالى : { وثمود الذي جابوا الصخر بالواد* وفرعون ذي الأوتاد* الذين طغوا في البلاد* فأكثروا فيها الفساد*فصب عليهم ربك سوط عذاب*إن ربك لبالمرصاد } [ الفجر : 9-14 ] .
وقال تعالى : { من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد } [ فصلت : 46 ] .
حاصبا : ريحا فيها رمل وحجارة صغيرة .
فما استطاعوا أن ينجوا من عذاب الله الأليم ، بل أخذَهم الله بذنوبهم . فعادٌ أخذهم حاصبٌ ، وهو الريحُ الصرصر التي تتطاير معها حصباء الأرض فتضربهم وتقتلهم . وثمود أخذتهم الرَّجفة والصيحة . وقارون خَسف به وبداره الأرض . وفرعون وهامان غرقا في اليمّ . وذهبوا جميعا مأخوذين بظلمهم : { وَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ ولكن كانوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } .
وإذا نظرنا الى أحوال الأمم الآن في معظم أقطار الأرض نجد الفتنَ والحروب والمشاكل التي لا تنتهي ، وغلاء الأسعار المتزايدَ في جميع أقطار الأرض ، أليسَ هذا كلّه من أنواع العذاب والبلاء ! لكن فرعون اليوم هو أمريكا وأوروبا من دول الاستعمار ، وهامان هو بعض الحكّام الذين لا يخلصون لشعوبهم .
أما نحن المسلمين ، فقد حِدنا عن جادة الصواب ، وانحرفنا عن ديننا واتبعنا أهواءنا فضعُفنا وتخاذلنا وتأخرنا ، وصرنا نهباً للأمم تنهب شركاتها خيراتنا حتى التي في باطن الأرض ، وتغتصب أراضينا بتواطؤ بعضنا في ذلك . أليس هذا من العذاب ! !
{ فَكُلا } من هؤلاء الأمم المكذبة { أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ } على قدره ، وبعقوبة مناسبة له ، { فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا } أي : عذابا يحصبهم ، كقوم عاد ، حين أرسل اللّه عليهم الريح العقيم ، و { سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ }
{ وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ } كقوم صالح ، { وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ } كقارون ، { وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا } كفرعون وهامان وجنودهما .
{ وَمَا كَانَ اللَّهُ } أي : ما ينبغي ولا يليق به تعالى أن يظلمهم لكمال عدله ، وغناه التام عن جميع الخلق . { وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } منعوها حقها التي هي بصدده ، فإنها مخلوقة لعبادة اللّه وحده ، فهؤلاء وضعوها في غير موضعها ، وأشغلوها بالشهوات والمعاصي ، فضروها غاية الضرر ، من حيث ظنوا أنهم ينفعونها .