مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِي ٱلۡأَرۡضِ يَعۡلَمُ سِرَّكُمۡ وَجَهۡرَكُمۡ وَيَعۡلَمُ مَا تَكۡسِبُونَ} (3)

قوله تعالى { وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون }

واعلم أنا إن قلنا : أن المقصود من الآية المتقدمة إقامة الدليل على وجود الصانع القادر المختار .

قلنا : المقصود من هذه الآية بيان كونه تعالى عالما بجميع المعلومات ، فإن الآيتين المتقدمتين يدلان على كمال القدرة ، وهذه الآية تدل على كمال العلم وحينئذ يكمل العلم بالصفات المعتبرة في حصول الإلهية ، وإن قلنا : المقصود من الآية المتقدمة إقامة الدلالة على صحة المعاد ، فالمقصود من هذه الآية تكميل ذلك البيان ، وذلك لأن منكري المعاد إنما أنكروه لأمرين أحدهما : أنهم يعتقدون أن المؤثر في حدوث بدن الإنسان هو امتزاج الطبائع وينكرون أن يكون المؤثر فيه قادرا مختارا . والثاني : أنهم يسلمون ذلك إلا أنهم يقولون إنه غير عالم بالجزئيات فلا يمكنه تمييز المطيع من العاصي ، ولا تمييز أجزاء بدن زيد عن أجزاء بدن عمرو ثم إنه تعالى أثبت بالآيتين المتقدمتين كونه تعالى قادرا ومختارا لا علة موجبة ، وأثبت بهذه الآية كونه تعالى عالما بجميع المعلومات ، وحينئذ تبطل جميع الشبهات التي عليها مدار القول بإنكار المعاد ، وصحة الحشر والنشر فهذا هو الكلام في نظم الآية وهاهنا مسائل :

المسألة الأولى : القائلون بأن الله تعالى مختص بالمكان تمسكوا بهذه الآية وهو قوله { وهو الله في السموات } وذلك يدل على أن الإله مستقر في السماء قالوا : ويتأكد هذا أيضا بقوله تعالى : { ءأمنتم من فى السماء أن يخسف } قالوا : ولا يلزمنا أن يقال فيلزم أن يكون في الأرض لقوله تعالى في هذه الآية { وهو الله في السموات وفى الأرض } وذلك يقتضي حصوله تعالى في المكانين معا وهو محال لأنا نقول أجمعنا على أنه ليس بموجود في الأرض ، ولا يلزم من ترك العمل بأحد الظاهرين ترك العمل بالظاهر الآخر من غير دليل ، فوجب أن يبقى ظاهر قوله { وهو الله في السموات } على ذلك الظاهر ، ولأن من القراء من وقف عند قوله { وهو الله في السموات } ثم يبتدئ فيقول { وفى الأرض يعلم سركم } والمعنى أنه سبحانه يعلم سرائركم الموجودة في الأرض فيكون قوله { في الأرض } صلة لقوله { سركم } هذا تمام كلامهم .

واعلم أنا نقيم الدلالة أولا على أنه لا يمكن حمل هذا الكلام على ظاهره ، وذلك من وجوه : الأول : أنه تعالى قال في هذه السورة { قل لمن ما في السموات والأرض قل لله } فبين بهذه الآية أن كل ما في السماوات والأرض فهو ملك لله تعالى ومملوك له ، فلو كان الله أحد الأشياء الموجودة في السموات لزم كونه ملكا لنفسه ، وذلك محال ، ونظير هذه الآية قوله في سورة طه { له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما } فإن قالوا قوله { قل لمن ما في السموات والأرض } هذا يقتضي أن كل ما في السموات فهو لله إلا أن كلمة ما مختصة بمن لا يعقل فلا يدخل فيها ذات الله تعالى .

قلنا : لا نسلم والدليل عليه قوله { والسماء وما بناها والأرض وما طحاها ونفس وما سواها } ونظيره { ولا أنتم عابدون ما أعبد } ولا شك أن المراد بكلمة ما هاهنا هو الله سبحانه . والثاني : أن قوله { وهو الله في السموات } أما أن يكون المراد منه أنه موجود في جميع السموات ، أو المراد أنه موجود في سماء واحدة . والثاني : ترك للظاهر والأول : على قسمين لأنه إما أن يكون الحاصل منه تعالى في أحد السموات عين ما حصل منه في سائر السموات أو غيره ، والأول : يقتضي حصول المتحيز الواحد في مكانين وهو باطل ببديهة العقل . والثاني : يقتضي كونه تعالى مركبا من الأجزاء والأبعاض وهو محال . والثالث : أنه لو كان موجودا في السماوات لكان محدودا متناهيا وكل ما كان كذلك كان قبوله للزيادة والنقصان ممكنا ، وكل ما كان كذلك كان اختصاصه بالمقدار المعين لتخصيص مخصص وتقدير مقدر وكل ما كان كذلك فهو محدث . والرابع : أنه لو كان في السموات فهل يقدر على خلق عالم آخر فوق هذه السموات أو لا يقدر ، والثاني : يوجب تعجيزه والأول : يقتضي أنه تعالى لو فعل ذلك لحصل تحت هذا العالم ، والقوم ينكرون كونه تحت العالم والخامس : أنه تعالى قال : { وهو معكم أينما كنتم } وقال : { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } وقال : { وهو الذي في السماء إله وفى الأرض إله } وقال { فأينما تولوا فثم وجه الله } وكل ذلك يبطل القول بالمكان والجهة لله تعالى ، فثبت بهذه الدلائل أنه لا يمكن حمل هذا الكلام على ظاهره .

فوجب التأويل وهو من وجوه : الأول : أن قوله { وهو الله في السموات وفى الأرض } يعني وهو الله في تدبير السموات والأرض كما يقال : فلان في أمر كذا أي في تدبيره وإصلاح مهماته ، ونظيره قوله تعالى : { وهو الذي في السماء إله وفى الأرض إله } والثاني : أن قوله { وهو الله } كلام تام ، ثم ابتدأ وقال : { في السموات وفى الأرض يعلم سركم وجهركم } والمعنى إله سبحانه وتعالى يعلم في السموات سرائر الملائكة ، وفي الأرض يعلم سرائر الإنس والجن . والثالث : أن يكون الكلام على التقديم والتأخير والتقدير : وهو الله يعلم في السموات وفي الأرض سركم وجهركم ، ومما يقوي هذه التأويلات أن قولنا : وهو الله نظير قولنا هو الفاضل العالم ، وكلمة هو إنما تذكر هاهنا لإفادة الحصر ، وهذه الفائدة إنما تحصل إذا جعلنا لفظ الله اسما مشتقا فأما لو جعلناه اسم علم شخص قائم مقام التعيين لم يصح إدخال هذه اللفظة عليه ، وإذا جعلنا قولنا : الله لفظا مفيدا صار معناه وهو المعبود في السماء وفي الأرض ، وعلى هذا التقدير يزول السؤال والله أعلم .

المسألة الثانية : المراد بالسر صفات القلوب وهي الدواعي والصوارف ، والمراد بالجهر أعمال الجوارح ، وإنما قدم ذكر السر على ذكر الجهر لأن المؤثر في الفعل هو مجموع القدرة مع الداعي ، فالداعية التي هي من باب السر هي المؤثرة في أعمال الجوارح المسماة بالجهر ، وقد ثبت أن العلم بالعلة علة للعلم بالمعلول ، والعلة متقدمة على المعلول ، والمتقدم بالذات يجب تقديمه بحسب اللفظ .

المسألة الثالثة : قوله { ويعلم ما تكسبون } فيه سؤال : وهو أن الأفعال إما أفعال القلوب وهي المسماة بالسر ، وإما أعمال الجوارح وهي المسماة بالجهر . فالأفعال لا تخرج عن السر والجهر فكان قوله { ويعلم ما تكسبون } يقتضي عطف الشيء على نفسه ، وأنه فاسد .

والجواب : يجب حمل قوله { ما تكسبون } على ما يستحقه الإنسان على فعله من ثواب وعقاب والحاصل أنه محمول على المكتسب كما يقال : هذا المال كسب فلان أي مكتسبه ، ولا يجوز حمله على نفس الكسب ، وإلا لزم عطف الشيء على نفسه على ما ذكرتموه في السؤال .

المسألة الرابعة : الآية تدل على كون الإنسان مكتسبا للفعل والكسب هو الفعل المفضي إلى اجتلاب نفع أو دفع ضر ، ولهذا السبب لا يوصف فعل الله بأنه كسب لكونه تعالى منزها عن جلب النفع ودفع الضرر والله أعلم .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِي ٱلۡأَرۡضِ يَعۡلَمُ سِرَّكُمۡ وَجَهۡرَكُمۡ وَيَعۡلَمُ مَا تَكۡسِبُونَ} (3)

واللمسة الثالثة تضم اللمستين الأوليين في إطار واحد ؛ وتقرر ألوهية الله في الكون والحياة الإنسانية سواء :

( وهو الله في السماوات وفي الأرض ، يعلم سركم وجهركم ، ويعلم ما تكسبون ) . .

إن الذي خلق السماوات والأرض هو الله في السماوات وفي الأرض . هو المتفرد بالألوهية فيهما على السواء . وكل مقتضيات الألوهية متحققة عليهما ، من خضوع للناموس الذي سنه الله لهما ، وائتمار بأمره وحده . وكذلك ينبغي أن يكون الشأن في حياة الإنسان . فلقد خلقه الله كما خلق السماوات والأرض ؛ وهو في تكوينه الأول من طين هذه الأرض ؛ وما رزقه من خصائص جعلت منه إنسانا رزقه إياه الله ؛ وهو خاضع من ناحية كيانه الجسمي للناموس الذي سنه الله له - رضي أم كره - يعطى وجوده وخلقه ابتداء بمشيئة الله ، لا بمشيئته هو ولا بمشيئة أبيه وأمه : فهما يلتقيان ولكن لا يملكان أن يعطيا جنينا وجوده ! وهو يولد وفق الناموس الذي وضعه الله لمدة الحمل وظروف الولادة ! وهو يتنفس هذا الهواء الذي أوجده الله بمقاديره هذه ؛ ويتنفسه بالقدر وبالكيفية التي أرادها الله له . وهو يحس ويتألم ، ويجوع ويعطش ، ويأكل ويشرب . . وبالجملة يعيش . . وفق ناموس الله ، على غير إرادة منه ولا اختيار . . شأنه في هذا شأن السماوات والأرض سواء .

والله - سبحانه - يعلم سره وجهره . ويعلم ما يكسب في حياته في سره وجهره .

والأليق به أن يتبع - إذن - ناموس الله في حياته الاختيارية - فيما يتخذه من تصورات اعتقادية ، وقيم اعتبارية ، وأوضاع حيوية - لتستقيم حياته الفطرية المحكومة بناموس الله ؛ مع حياته الكسبية حين تحكمها شريعة الله . ولكي لا يناقض بعضه بعضا ، ولا يصادم بعضه بعضا ؛ ولا يتمزق مزقا بين ناموسين وشرعين : أحدهما إلهي والأخر بشري وما هما بسواء . .

حاضر المسلمين

إن هذه الموجة العريضة الشاملة في مطلع السورة ، إنما تخاطب القلب البشري والعقل البشري بدليل " الخلق " ودليل " الحياة " ممثلين في الآفاق وفي الأنفس . . ولكنها لا تخاطب بهما الإدراك البشري خطابا جدليا ، لاهوتيا أو فلسفيا ! ولكن خطابا موحيا موقظا للفطرة ، حيث يواجهها بحركة الخلق والإحياء ؛ وحركة التدبير والهيمنة ؛ في صورة التقرير لا في صورة الجدل ؛ وبسلطان اليقين المستمد من تقرير الله ؛ ومن شهادة الفطرة الداخلية بصدق هذا التقرير فيما تراه .

ووجود السماوات والأرض ، وتدبيرهما وفق هذا النظام الواضح ؛ ونشأة الحياة - وحياة الإنسان في قمتها - وسيرها في هذا الخط الذي سارت فيه . . كلاهما يواجه الفطرة البشرية بالحق ، ويوقع فيها اليقين بوحدانية الله . . والوحدانية هي القضية التي تستهدف السورة كلها - بل القرآن كله - تقريرها . وليست هي قضية " وجود " الله . فلقد كانت المشكلة دائما في تاريخ البشرية هي مشكلة عدم معرفة الإله الحق ، بصفاته الحقة ؛ ولم تكن هي مشكلة عدم الإيمان بوجود إله !

ومشركو العرب الذين كانت هذه السورة تواجههم ما كانوا يجحدون الله البتة ؛ بل كانوا يقرون بوجوده سبحانه ، وبأنه الخالق الرازق ، المالك ، المحيي المميت . . إلى كثير من الصفات - كما يقرر القرآن ذلك في مواجهتهم ، وفي حكاية أقوالهم - ولكن انحرافهم الذي وصمهم بالشرك هو أنهم ما كانوا يعترفون بمقتضىاعترافهم ذاك : من تحكيم الله - سبحانه - في أمرهم كله ؛ ونفي الشركاء له في تدبير شؤون حياتهم ؛ واتخاذ شريعته وحدها قانونا ، ورفض مبدأ تحكيم غير الله في أي شأن من شؤون الحياة .

هذا هو الذي وصمهم بالشرك وبالكفر ؛ مع إقرارهم بوجود الله سبحانه ، ووصفه بتلك الصفات ، التي من مقتضاها أن يتفرد سبحانه بالحكم في شأنهم كله ، بما أنه الخالق الرازق المالك ، كما كانوا يعترفون . . ومواجهتهم في مطلع هذه السورة بصفات الله هذه من الخلق للكون وللإنسان ، ومن تدبيره لأمر الكون وأمر الإنسان ؛ ومن علمه وإحاطته بسرهم وجهرهم وعملهم وكسبهم . . إنما هو المقدمة التي يرتب عليها ضرورة إفراده سبحانه بالحاكمية والتشريع ، كما أوضحنا في التعريف المجمل بخط السورة ومنهجها .

ودليل الخلق ودليل الحياة كما أنهما صالحان لمواجهة المشركين لتقرير الوحدانية ، ولتقرير الحاكمية ، هما كذلك صالحان لمواجهة اللوثات الجاهلية الحديثة التافهة في إنكار الله . .

والحقيقة أن هناك شكا كثيرا فيما إذا كان هؤلاء الملحدون يصدقون أنفسهم ! فأغلب الظن أنها بدأت مناورة في وجه الكنيسة ؛ ثم استغلها اليهود لرغبتهم في تدمير قاعدة الحياة البشرية الأساسية ، كي لا يبقى على وجه الأرض من يقوم على هذه القاعدة غيرهم - كما يقولون في بروتوكولات حكماء صهيون - ومن ثم تنهار البشرية وتقع تحت سيطرتهم ، بما أنهم هم وحدهم الذين سيحافظون على مصدر القوة الحقيقية الذي توفره العقيدة !

واليهود - مهما بلغ من كيدهم ومكرهم - لا يملكون أن يغلبوا الفطرة البشرية ، التي تجد في قرارتها الإيمان بوجود إله - وإن كانت تضل فقط في معرفة الإله الحق بصفاته الحقة ؛ كما أنها تنحرف بعدم توحيد سلطانه في حياتها ، فتوصم بالشرك والكفر على هذا الأساس - ولكن بعض النفوس تفسد فطرتها ، وتتعطل فيها أجهزة الاستقبال والاستجابة الفطرية . وهذه النفوس وحدها هي التي يمكن أن يفلح معها كيد اليهود الذي يستهدف نفي وجود الله فيها . ولكن هذه النفوس المعطلة الفطرة ستظل قليلة وشاذة في مجموع البشر في كل زمان . . والملحدون الحقيقيون على ظهر الأرض اليوم لا يتجاوزون بضعة ملايين في روسيا والصين من بين مئات الملايين الذين يحكمهم الملحدون بالحديد والنار ؛ على الرغم من الجهد الناصب خلال أربعين عاما في نزع الإيمان بكل وسائل التعليم والإعلام !

إنما يفلح اليهود في حقل آخر . وهو تحويل الدين إلى مجرد مشاعر وشعائر . وطرده من واقع الحياة . وإيهام المعتقدين به أنهم يمكن أن يظلوا مؤمنين بالله ؛ مع أن هناك أربابا أخرى هي التي تشرع لحياتهم من دون الله ! ويصلون بذلك إلى تدمير البشرية فعلا ، حتى مع وهمها أنها لا تزال تؤمن بالله .

وهم يستهدفون الإسلام - قبل كل دين آخر - لأنهم يعرفون من تاريخهم كله ، أنهم لم يغلبهم إلا هذا الدين يوم كان يحكم الحياة . وأنهم غالبوا أهله طالما أهله لا يحكمونه في حياتهم ؛ مع توهمهم أنهم ما يزالون مسلمين مؤمنين بالله ! فهذا التخدير بوجود الدين - وهو غير موجود في حياة الناس - ضروري لتنجح المؤامرة . . أو يأذن الله فيصحو الناس !

وأحسب - والله أعلم - أن اليهود الصهيونيين ، والنصارى الصليبيين ، كليهما ، قد يئسوا من هذا الدين في هذه المنطقة الإسلامية الواسعة في إفريقية وآسيا وأوربا كذلك . . يئسوا من أن يحولوا الناس فيها إلى الإلحاد - عن طريق المذاهب المادية - كما يئسوا كذلك من تحويلهم إلى ديانات أخرى عن طريق التبشير أو الاستعمار . . ذلك أن الفطرة البشرية بذاتها تنفر من الإلحاد وترفضه حتى بين الوثنيين - فضلا على المسلمين - وأن الديانات الأخرى لا تجرؤ على اقتحام قلب عرف الإسلام ، أو حتى ورث الإسلام !

وأحسب - والله أعلم - أنه كان من ثمرة اليأس من هذا الدين أن عدل اليهود والصهيونيون والنصارى الصليبيون عن مواجهة الإسلام جهرة عن طريق الشيوعية أو عن طريق التبشير ؛ فعدلوا إلى طرائق أخبث ، وإلى حبائل أمكر . . لجأوا إلى إقامة أنظمة وأوضاع في المنطقة كلها تتزيا بزي الإسلام ؛ وتتمسح في العقيدة ؛ ولا تنكر الدين جملة . . ثم هي تحت هذا الستار الخادع ، تنفذ جميع المشروعات التي أشارت بها مؤتمرات التبشير وبروتوكولات صهيون ، ثم عجزت عن تنفيذها كلها في المدى الطويل !

إن هذه الأنظمة والأوضاع ترفع راية الإسلام - أو على الأقل تعلن احترامها للدين - بينما هي تحكم بغير ما أنزل الله ؛ وتقصي شريعة الله عن الحياة ؛ وتحل ما حرم الله ؛ وتنشر تصورات وقيما مادية عن الحياة والأخلاق تدمر التصورات والقيم الإسلامية ؛ وتسلط جميع أجهزة التوجيه والإعلام لتدمير القيم الأخلاقية الإسلامية ، وسحق التصورات والاتجاهات الدينية ؛ وتنفذ ما نصت عليه مؤتمرات المبشرين وبروتوكولات الصهيونيين ، من ضرورة إخراج المرأة المسلمة إلى الشارع ، وجعلها فتنة للمجتمع ، باسم التطور والتحضر ومصلحة العمل والإنتاج ؛ بينما ملايين الأيدي العاملة في هذه البلاد متعطلة لا تجد الكفاف ! وتيسر وسائل الانحلال وتدفع الجنسين إليها دفعا بالعمل والتوجيه . . كل ذلك وهي تزعم أنها مسلمة وأنها تحترم العقيدة ! والناس يتوهمون أنهم يعيشون في مجتمع مسلم ، وأنهم هم كذلك مسلمون ! أليس الطيبون منهم يصلون ويصومون ؟ أما أن تكون الحاكمية لله وحده أو تكون للأرباب المتفرقة ، فهذا ما قد خدعتهم عنه الصليبية والصهيونية والتبشير والاستعمار والاستشراق وأجهزة الإعلام الموجهة ؛ وأفهمتهم أنه لا علاقة له بالدين . وأن المسلمين يمكن أن يكونوا مسلمين ؛ وفي دين الله ؛ بينما حياتهم كلها تقوم على تصورات وقيم وشرائع وقوانين ليست من هذا الدين !

وإمعانا في الخداع والتضليل ؛ وإمعانا من الصهيونية العالمية والصليبية العالمية في التخفي ، فإنها تثير حروبا مصطنعة - باردة أو ساخنة - وعداوات مصطنعة في شتى الصور ، بينها وبين هذه الأنظمة والأوضاع التي أقامتها والتي تكفلها بالمساعدات المادية والأدبية ، وتحرسها بالقوى الظاهرة والخفية ، وتجعل أقلام مخابراتها في خدمتها وحراستها المباشرة !

تثير هذه الحروب المصطنعة والعداوات المصطنعة ، لتزيد من عمق الخدعة ؛ ولتبعد الشبهة عن العملاء ، الذين يقومون لها بما عجزت هي عن إتمامه في خلال ثلاثة قرون أو تزيد ؛ من تدمير القيم والأخلاق ؛ وسحق العقائد والتصورات ؛ وتجريد المسلمين في هذه الرقعة العريضة من مصدر قوتهم الأول . . وهو قيام حياتهم على أساس دينهم وشريعتهم . . وتنفيذ المخططات الرهيبة التي تضمنتها بروتوكولات الصهيونيين ومؤتمرات المبشرين ؛ في غفلة من الرقباء والعيون !

فإذا بقيت بقية في هذه الرقعة لم تجز عليها الخدعة ؛ ولم تستسلم للتخدير باسم الدين المزيف ؛ وباسم الأجهزة الدينية المسخرة لتحريف الكلم عن مواضعه ؛ ولوصف الكفر بأنه الإسلام ؛ والفسق والفجور والانحلال ، بأنه تطور وتقدم وتجدد . . إذا بقيت بقية كهذه سلطت عليها الحرب الساحقة الماحقة ؛ وصبت عليها التهم الكاذبة الفاجرة وسحقت سحقا ، بينما وكالات الأنباء العالمية وأجهزة الإعلام العالمية خرساء صماء عمياء ! ! !

ذلك بينما الطيبون السذج من المسلمين يحسبون أنها معركة شخصية ، أو طائفية ، لا علاقة لها بالمعركة المشبوبة مع هذا الدين ؛ ويروحون يشتغلون في سذاجة بلهاء - من تأخذه الحمية للدين منهم وللأخلاق - بالتنبيه إلى مخالفات صغيرة ، وإلى منكرات صغيرة ، ويحسبون أنهم أدوا واجبهم كاملا بهذه الصيحات الخافتة . .

بينما الدين كله يسحق سحقا ، ويدمر من أساسه ؛ وبينما سلطان الله يغتصبه المغتصبون ، وبينما الطاغوت - الذي أمروا أن يكفروا به - هو الذي يحكم حياة الناس جملة وتفصيلا !

إن اليهود الصهيونيين والنصارى الصليبيين يفركون أيديهم فرحا بنجاح الخطة وجواز الخدعة ؛ بعدما يئسوا من هذا الدين أن يقضوا عليه مواجهة باسم الإلحاد ، أو يحولوا الناس عنه باسم التبشير ، فترة طويلة من الزمان . .

إلا أن الأمل في الله أكبر ؛ والثقة في هذا الدين أعمق ، وهم يمكرون والله خير الماكرين . وهو الذي يقول : ( وقد مكروا مكرهم ، وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال . فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله ، إن الله عزيز ذو انتقام ) . .

أما مواجهة دليل الخلق ودليل الحياة للوثة الإلحاد ، فهي مواجهة قوية ، لا يجد الملحدون إزاءها إلا المماحلة والمغالطة والالتواء :

إن وجود هذا الكون ابتداء ، بهذا النظام الخاص ، يستلزم - بمنطق الفطرة البديهي وبمنطق العقل الواعي على السواء - أن يكون وراءه خالق مدبر . .

فالمسافة بين الوجود والعدم مسافة لا يملك الإدراك البشري أن يعبرها ، إلا بتصور إله ينشى ء ويخلق ويوجد هذا الوجود .

والذين يلحدون يعمدون إلى هذه الفجوة فيريدون ملأها بالمكابرة . ويقولون : إنه لا داعي لأن نفترض أنه كان هناك عدم قبل الوجود ! . . ومن هؤلاء فيلسوف عرف بأنه فيلسوف " الروحية " المدافع عنها في وجه " المادية " . وعلى هذا الأساس ربما أشاد به بعض المخدوعين من " المسلمين " واستأنسوا بأقواله لدينهم كأنما ليؤازروا دين الله بقول عبد من العبيد . . هذا الفيلسوف هو " برجسون " . . اليهودي ! ! !

إنه يقول : إن هذا الوجود الكوني لم يسبقه عدم ! وإن فرض الوجود بعدم العدم ناشى ء من طبيعة العقل البشري الذي لا يستطيع أن يتصور إلا على هذا النحو . .

فإلى أي منطق يا ترى يستند برجسون إذن في إثبات أن الوجود الكوني لم يسبقه عدم ؟

إلى العقل ؟ لا . فإن العقل - كما يقرر - لا يمكن أن يتصور إلا وجودا بعد عدم ! إلى وحي من الله ؟ إنه لا يدعي هذا . وإن كان يقول : إن حدس المتصوفة كان دائما يجد إلها ولا بد أن نصدق هذا الحدس المطرد [ الإله الذي يتحدث عنه برجسون ليس هو الله إنما هو الحياة ! ] . . فأين المصدر الثالث الذي يعتمد عليه [ برجسون ] إذن في إثبات أن الوجود الكوني غير مسبوق بعدم ؟ لا ندري !

إنه لا بد من الالتجاء إلى تصور خالق خلق هذا الكون . . لا بد من الالتجاء إلى هذا التصور لتعليل مجرد وجود الكون . . فكيف إذا كان الحال أنه لم يوجد مجرد وجود . ولكنه وجد محكوما بنواميس لا تتخلف ، محسوبا فيها كل شيء بمقاييس ، قصارى العقول البشرية أن تدرك أطرافا منها ، بعد التدبر الطويل ؟ !

كذلك نشأة هذه الحياة . والمسافة بينها وبين المادة - أيا كان مدلول المادة ولو كان هو الإشعاع - لا يمكن تعليلها إلا بتصور وجود إله خالق مدبر . يخلق الكون بحالة تسمح بنشأة الحياة فيه ؛ وتسمح بكفالة الحياة أيضا بعد وجودها . والحياة الإنسانية بخصائصها الباهرة درجة فوق مجرد الحياة . . وأصله من طين . . أي من مادة هذه الأرض وجنسها ؛ ولا بد من إرادة مدبرة تمنحه الحياة ، وتمنحه خصائص الإنسان عن قصد واختيار .

وكل المحاولات التي بذلها الملحدون لتعليل نشأة الحياة باءت بالفشل - عند العقل البشري ذاته - وآخر ما قرأته في هذا الباب محاولة [ ديورانت ] المتفلسف الأمريكي للتقريب بين نوع الحركة الذي في الذرة - وهو يسميه درجة من الحياة - ونوع الحياة المعروف في الأحياء . وذلك في جهد مستميت لملء الفجوة بين المادة الهامدة والحياة النابضة . بقصد الاستغناء عن الإله الذي ينشى ء الحياة في الموات !

ولكن هذه المحاولة المستميتة لا تنفعه ولا تنفع الماديين في شيء . . ذلك أنه إن كانت الحياة صفة كامنة في المادة ، ولم يكن وراء هذه المادة قوة أخرى ذات إرادة ، فما الذي يجعل الحياة التي في المادة الكونية تتبدى في درجات بعضها أرقى وأعقد من بعض ؟ فتتبدى في الذرة مجرد حركة آلية غير واعية . ثم تتبدى في النبات في صورة عضوية . ثم تتبدى في الأحياء المعروفة في صورة عضوية أكثر تركيبا وتعقيدا . .

ما الذي جعل المادة - المتضمنة للحياة كما يقال - يأخذ بعضها من عنصر الحياة أكثر مما يأخذ البعض الأخر ، بلا إرادة مدبرة ؟ ما الذي جعل الحياة الكامنة في المادة ، تختلف في مدارجها المترقية ؟ !

إننا نفهم هذا التفاوت يوم نقدر أن هناك إرادة مدبرة هي التي تصنع ذلك مختارة مريدة . فأما حين تكون المادة [ الحية ولنفرض ذلك ! ] هي وحدها ، فإنه يستحيل على العقل البشري ذاته أن يفهم هذا التفاوت أو يعلله !

إن التعليل الإسلامي لانبثاق الحياة في درجاتها المتفاوتة هو الحل الوحيد لهذه الظاهرة التي لا تعللها المحاولات المادية البائسة !

وإذ كنا - في هذه الظلال - لا نخرج عن المنهج القرآني ؛ فإننا لا نمضي أكثر من هذا في مواجهة لوثة الإلحاد ببراهين الخلق والتدبير والحياة . . فالقرآن الكريم لم يجعل قضية وجود الله قضيته . لعلم الله أن الفطرة ترفض هذه اللوثه . إنما القضية هي قضية توحيد الله ؛ وتقرير سلطانه في حياة العبد ؛ وهي القضية التي تتوخاها السورة في هذه الموجة التي استعرضناها .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِي ٱلۡأَرۡضِ يَعۡلَمُ سِرَّكُمۡ وَجَهۡرَكُمۡ وَيَعۡلَمُ مَا تَكۡسِبُونَ} (3)

شرح الكلمات :

{ وهو الله في السموات } : أي معبود في السموات وفي الأرض .

{ ما تكسبون } : أي من خير وشر ، وصلاح فساد .

المعنى :

وفي الآية الثالثة ( 3 ) يخبر تعالى أنه هو الله المعبود بحق في السموات وفي الأرض لا إله غيره ولا رب سواه { يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون } من خير وشر فهو تعالى فوق عرشه بائن من خلقه ويعلم سر عباده وجهرهم ويعلم أعمالهم وما يكتسبون بجوارحهم يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، لذا وجبت الرغبة فيما عنده من خير ، والرهبة مما لديه من عذاب ، ويحصل ذلك لهم بالإِنابة إليه وعبادته والتوكل عليه .

الهداية

من الهداية :

- صفة العلم لله تعالى وأنه تعالى لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء يعلم السر وأخفى .