اعلم أنَّا إذا قلنا : المراد من الآية المُتقدِّمَةِ إقَامَةُ الدليل على وجود الصَّانِع القادر المُخْتَارِ ، فالمُرادُ من هذه الآية إقامَةُ الدليل على كونه عَالِماً بجميع المَعْلُومَاتِ ؛ لأنها تَدُلُّ على كمالِ العلم .
وإن قلنا : المراد من الآية المُتقدِّمةِ إقامَةُ الدليل على صِحِّة المَعَادِ ، فالمقصود من هذه الآية تكميل{[13149]} ذلك البيان ؛ لأنَّ مُنكِري المعاد إنَّما يُنْكِرُونَهُ لأمرين :
أحدهما : أنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّ المؤثّر في حدوث بَدَن الإنسان هو امْتِزَاجُ الطَّبائِعِ ، وإنْ سلَّموا كون المؤثّر فيه قَادِراً مختاراً ، فإنَّهم يَقُولُونَ : إنِّهُ [ غير ]{[13150]} عالم بالجزئيات ، فلا يمكنه تَمْييزُ المُطيعِ من العَاصِيِ ، ولا تمييز أجزاء بَدَنِ زيد عن أجْزاءِ بَدَن عمرو{[13151]} .
قوله : { وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ } في هذه الآية أقْوالٌ كثيرة ، وقد لُخِّصتْ في اثْنَيْ عشر وَجْهاً{[13152]} ؛ وذلك أن " هو " فيه قولان :
أحدهما : هو ضمير اسم الله -تعالى- يعودُ على ما عَادَتْ عليه الضَّمائِرُ قبله .
الثاني : أنَّهُ ضميرُ القِصَّةِ ، قال أبو عليٍّ .
قال أبو حيَّان{[13153]} : وإنَّما فرَّ إلى هذا ؛ لأنه لو أعاده على اللَّهِ لَصَارَ التقديرُ : اللَّهُ اللَّهُ ، فتركَّب الكلام من اسمين مُتَّحِدَيْنِ لفظاً ومعنى لا نِسْبَةَ بينهما إسنادية .
قال شهابُ الدين{[13154]} : الضَّميرُ إنما هو عَائِدٌ على ما تقدَّمَ من المَوْصُوفِ بتلك الصِّفات الجليلة ، وهي خَلْقُ السماوات والأرض ، وجعل الظُّلُماتِ والنُّور ، وخَلْق النَّاس من طين إلى آخرها ، فصَارَ في الإخبار بذلك فَائِدَةٌ من غير شَكِّ ، فعلى قولِ الجُمْهُورِ يكون " هو " مبتدأ ، و " اللَّهُ " خبره ، و " في السماوات " متعلقٌ بنفس الجلالة لمَّا تَضمَّنَتْهُ من معنى العِبَادةِ ، كأنَّهُ قيل : وهو المَعْبُود في السماوات ، وهذا قول الزَّجَّاج{[13155]} ، وابن عطيَّة{[13156]} ، والزمخشري{[13157]} .
قال الزَّمخشري : " في السماوات " متعلِّقٌ بمعنى اسم اللَّهِ ، كأنَّهُ قيل : هو المَعْبُود فيها ، ومنه : { وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَه } [ لزخرف :84 ] أو هو المعروف بالإلهية والمتوحد بالإلهيّة فيها ، أو هو الذي يُقَالُ له " اللَّه " [ لا يشركه في هذا الاسم غيره .
وقال شهابُ الدين{[13158]} : إنما قال : أو هو المَعْرُوفُ ، أو هو الذي يُقال له : اللَّهُ ؛ ]{[13159]} لأنَّ الاسم الشَّريف تقدَّم فيه خلافٌ ، هل هو مُشْتَقٌّ أوْ لاَ{[13160]} ؟ فإن كان مُشْتقاً ظَهَرَ تعلُّق الجَارِّ بِهِ ، وإنْ كان لَيْسَ بمشتقٍّ ، فإمَّا أن يكون مَنْقُولاً أو مُرْتَجَلاً ، وعلى كلا التقديرين فلا يعمل ؛ لأنَّ الأعلامَ لا تعمل ، فاحْتَاجَ أن يتأوّل ذلك على كل قول{[13161]} من هذه الأقوال الثلاثة .
فقوله : " المَعْبُود " راجعٌ للاشتقاقِ ، وقوله : " المَعْرُوف " راجع لكونه عَلماً مَنْقُولاً ، وقوله : " الَّذي يُقَال له : اللَّهُ " راجع إلى كونه مُرْتجلاً ، وكأنه - رحمه الله - اسْتَشْعَرَ بالاعتراض المذكور .
والاعْتِراضُ مَنْقُولٌ عن الفَارسيِّ .
قال : " وإذا جَعَلْتَ الظَّرْفَ متعلّقاً باسم اللَّهِ جَازَ عندي على قياس مَنْ يقول : إنَّ الله أصْلُه " الإله " ومن ذَهَبَ بهذا الاسم مذهب الأعلامِ وجب ألاَّ يتعلَّق به " عنده " إلاَّ أنْ تُقدِّر فيه ضَرْباً من معنى الفِعْلِ " ، فكأنه الزمخشري - والله أعلم - أخَذَ هذا من قول الفَارِسِيّ وبسطه ، إلاَّ أنَّ أبا البقاءِ{[13162]} نقل عن أبي عليّ أنه لا يتعلَّقُ " في " باسم اللَّهِ ؛ لأنَّه صار بدخول الألف واللام ، والتغيير{[13163]} الذي دخله كالعلم ، ولهذا قال تعالى : { هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً } [ مريم :65 ] فظاهرُ هذا النقل أنه يمنعُ التعلُّق به وإنْ كاني في الأصْلِ مُشْتَقاً .
وقال الزَّجَّاج{[13164]} : " وهو مُتَعَلِّقٌ بما تَضَمَّنَهُ اسْمُ اللهِ من المَعاني ، كقولك : أميرُ المؤمنين الخَلِيفَة في المَشْرِق والمغْرِبِ " .
قال ابن عطيّة{[13165]} : " هذا عندي أفْضَلُ الأقوالِ ، وأكثرها إحْرَازاً لفَصَاحَةِ اللَّفْظِ ، وجَزَالَةِ المعنى .
وإيضاحُهُ أنَّهُ أراد أنْ يَدُلَّ على خَلْقِهِ وآثَارِ قُدْرتِهِ وإحاطتِهِ واستيلائه ، ونحو هذه الصفات ، فجمع هذه كُلَّها في قوله : " وَهُوَ اللَّهُ " ؛ أي : الذي له هذه كُلُّها في السماوات ، وفي الأرضِ كأنه قال : وهو الخالق ، والرازق ، والمحيي ، والمحيط في السماوات وفي الأرض كما تقول : زيد السُّلطانُ في " الشام " و " العراق " ، فلو قصدت ذات زَيْدٍ لكان مُحَالاً ، فإذا كان مَقْصِدُ قولك [ :زيد ]{[13166]} الآمر النّاهي الذي يُوَلِّي ويَعْزلُ كان فَصِيحاً صَحِيحاً ، فأقمت{[13167]} السَّلطَنَةَ مَقَامَ هذه الصِّفَاتِ ، كذلك في الآية الكريمة أقَمْتَ " الله " مقام تلك الصِّفات " .
قال أبو حيَّان{[13168]} : ما ذكره الزَّجَّاجُ ، وأوضحه ابن عطيَّةَ صحيحٌ من حيث المعنى ، لكنَّ صَنَاعَةَ النحو لا تُسَاعِدُ عليه ؛ لأنهما زَعَمَا أن " في السماوات " متعلِّقٌ باسم الله ؛ لما تَضَمَّنَهُ من تلك المعاني ، ولو صَرَّحَ بتلك المعاني لم تَعْمَلْ فيه جَمِيعُهَا ، بل العَمَلُ من حيث اللفظُ لواحد منها ، وإن كان " في السماوات " متعلّقاً بجميعها من حيث المعنى ، بل الأولى أن يتعلَّق بلفظ " اللّه " لما تَضَمَّنَهُ من معنى الألُوهِيَّة ، وإن كان عَلَماً ؛ لأن العَلَمَ يَعْمَلُ في الظَّرْفِ لما يتضمّنه من المعنى كقوله : [ الرجز ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** أنَا أبُو المِنْهَالِ بَعْضَ الأحْيَانْ{[13169]}
لأنَّ " بَعْضَ " نُصِبَ بالعَلَمِ ؛ لأنَّه في معنى أنا المشهور .
قال شهاب الدين{[13170]} : [ قوله ]{[13171]} : " لو صُرِّحَ بها لم تَعْمَلْ " ممنوع ، بل تعمل ويكون عَمَلُهَا على سبيل التَّنَازُع ، مع أنه لو سَكَتَ عن الجواب لكان واضحاً . ولما ذكر أبو حيَّان ما قاله الزَّمخْشَريُّ قال{[13172]} : " فانظر كيف قدّرَ العامِلَ فيها واحِداً لا جميعها " .
يعني : أنَّهُ اسْتنْصَرَ به فيما ردَّ على الزَّجَّاج ، وابن عطية .
الوجه الثاني : أن " في السماوات " متعّلق بمحذوفٍ هو صِفَةٌ لله تعالى حُذِفت لفهم المَعْنَى ، فقدَّرها بعضهم : وهو الله المعبود ، وبعضهم : وهو اللَّهُ المُدَبِّرُ ، وحذفُ الصِّفة قليلٌ جداً لم يَرِدْ منه إلاَّ مواضع يسيرة على نَظَرٍ فيها ، فمنها { وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ } [ الأنعام : 66 ] أي : المعاندون ، { إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ } [ هود :46 ] أي : النَّاجين ، فلا ينبغي أن يُحْمَلَ هذا عليه .
الوجه الثالث : قال النَّحَّاس{[13173]} - وهو أحْسَنُ ما قيل فيه - : إنَّ الكلام تَمَّ عند قوله : " وَهُوَ اللِّهُ " والمَجْرُور متعلِّقٌ بمفعول " يَعْلَمُ " ، وهو " سِرَّكم وجَهْرَكُم " أي : يَعْلَمُ سِرَّكُم ، وجَهْرَكُم فيهما . وهذا ضعيفٌ جداً لما فيه من تَقْدِيمِ مَعْمُولِ المصدرِ عليه ، وقد عرف ما فيه .
الوجه الرابع : أنَّ الكلامَ تَمَّ أيضاً عند الجلالةِ ، ويتعلِّق الظرفُ بنفس " يَعْلَمُ " وهذا ظاهِرٌ ، و " يَعْلَمُ " على هذين الوَجْهَيْنِ مُسْتَأنَفٌ .
الوجه الخامس : أنَّ الكلامَ تَمَّ عند قوله : " في السماوات " فيتعلَّق " في السماوات " باسم الله على ما تقدَّمَ ، ويتعلَّقُ " في الأرض " ب " يعلم " وهو قول الطَّبِري .
وقال أبو البقاء{[13174]} : " وهو ضعيفٌ ؛ لأنَّ اللَّهَ -تعالى- مَعْبودٌ في السماوات وفي الأرض ، ويَعْلمُ ما في السماوات ، وما في الأرض ، فلا تتخصَّصُ إحْدَى الصِّفَتَيْنِ بأحَدِ الظرفين " . وهو رَدٌ جميلٌ .
الوجه السادس : أنَّ " في السماوات " متعلِّقٌ محذوفٍ على أنَّهُ حالٌ من " سِرَّكم " ، ثُمَّ قُدِّمَتِ الحالُ على صَاحبهَا ، وعلى عاملها .
السابع : أنه متعلّق ب " يَكْسِبُونَ " ، وهذا فَاسِدٌ من جهة أنه يَلْزَمُ منه تقديم مَعْمُولِ الصِّلةِ على الموصول ؛ لأن " ما " مَوْصُولةٌ اسمية ، أو حرفيةٌ ، وأيضاً فالمُخَاطبُونَ كيف يكسبون في السماوات ؟ ولو ذهب هذا القائلُ إلى أنَّ الكلام تَمَّ عند قوله : " في السماوات " وعلّق " في الأرض " ب " يَكْسِبونَ " لسَهُل الأمْرُ من حيث المعنى لا من حَيْثُ الصناعةُ .
الوجه الثامن : أنَّ " الله " خَبَرٌ أوَّلُ ، و " في السماوات " خبر ثانٍ .
قال الزمخشري{[13175]} : " على معنى : أنَّه الله{[13176]} ، وأنَّهُ في السماوات وفي الأرض ، وعلى معنى : أنَّهُ عالمٌ بما فيهما لا يَخْفَى عليه شيءٌ ، كأنَّ ذَاتَهُ فيهما " .
قال أبو حيَّان{[13177]} : " وهذا ضعيفٌ ؛ لأن المجرور ب " في " لا يّدُلُّ على كونٍ مُقَيَّدٍ ، إنما يَدُلُّ على كونٍ مُطْلَقٍ ، وتقدَّم جوابه مراراً " .
الوجه التاسع : أنْ يكون " هو " مبتدأ ، و " اللَّهُ " بَدَلٌ منه ، و " يَعْلَمُ " خبره و " في السماوات " على ما تقدَّم .
الوجه العاشر : أنْ يكون " اللًّهُ " بَدَلاً أيضاً ، و " في السماوات " الخبرُ بالمعنى الذي قاله الزمخشري .
الحادي عشر : أنَّ " هو " ضمير الشَّأنِ في مَحَلِّ رفع بالابتداء ، والجلالةُ مبتدأ ثانٍ ، وخبرها " في السماوات " بالمعنى المتقدَّمِ ، أو " يَعْلَمُ " ، والجملة خبر الأول مفسرة له وهو الثاني عشر .
وأمَّا " يَعْلَمُ " فقد عرفت{[13178]} من تَفَاصِيلِ ما تقدَّمَ أنَّه يَجُوزُ أن يكون مُسْتَأنَفاً ، فلا مَحَلَّ له ، أو في مَحَلِّ رفع خبراً ، أو في مَحَلِّ نَصْبٍ على الحال ، و " سِرَّكم وجَهْرَكم " : يجوز أن يَكُونَا على بابهما من المَصْدَرِيّة ، ويكونان مضافين إلى الفاعل .
وأجاز أبو البَقَاء{[13179]} أن يكونا وَاقِعَيْنِ موقع المفعول به ، أي : مُسَرَّكم ومجهوركم ، واسْتَدَلَّ بقوله تعالى : { يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } [ البقرة :77 ] ولا دَلَيلَ فيه ، لأنه يجوز " ما " مصدرية وهو الألْيَقُ لمُنَاسَبَةِ المصدرين قبلها ، وأن تكون بمعنى " الذي " .
" وهو الله في السماوات والأرض " كقوله : { وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ } [ الزخرف :84 ] .
وقيل : هو المعبود في السماوات والأرض .
وقال محمد بن جرير{[13180]} : معنيان : وهو اللَّهُ يعلمُ سرّكم وجهركم في السماوات والأرض ، يعلمُ ما تَكْسِبُونَ من الخيرِ والشَّر .
استدلَّ القائلون بأنَّ الله في السماوات بهذه الآية .
قالوا : ولا [ يلزمنا ]{[13181]} أن يقال : فيلزم أن يكون في الأرض لقوله : " وفي الأرض " وذلك يقتضي حُصُولَهُ في مكانين مَعاً ، وهو مُحَالٌ ؛ لأنَّا نقول : أجمعنا على أنه لَيْسَ مَوْجُوداً في الأرْضِ ، ولا يَلْزمُ من ترك العَمَل بأحد الظَّاهرين ترك العملِ بالظَّاهر الآخر من غير دليلٍ ، فوجبَ أن يبقى قوله : { وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَات } على ظاهره ولأن من القراء من وقف عند قوله : { وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَات } ، ثم يبتدئ فيقول : { وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ } ، والمعنى أنه تعالى يعلمُ سَرَائِرَكُمْ الموجودة في الأرْضِ ، فيكون قوله : " وَفِي الأرْضِ " صِلَةٌ لقوله : " سِرَّكُمْ " .
قال ابن الخطيب{[13182]} : والجوابُ : أنَّا نُقِيمُ الِّدلالةَ أوّلاً على أنه لا يُمْكِنُ حَمْلُ هذا الكلام على ظَاهِرِهِ ، وذلك من وجوه :
أحدها : أنَّهُ قال في هذه السورة : { قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُل للَّهِ } [ الأنعام : 12 ] فَبَيَّن أنَّ كُلَّ ما في السماوات والأرض ، فهو مِلْكٌ لله تعالى ومملوك له فلو كان أحد الأشياء الموجودة في السماوات لزم{[13183]} كونه ملك نفسه ، وذلك مُحَالٌ وكذا قوله : في " طه " : { لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ }
[ طه :6 ] . فإن قالوا : كلمة [ " ما " ]{[13184]} مختصَّةٌ [ بمن لا يعقل ]{[13185]} فلا يدخل فيها ذاتُ اللَّهِ .
قلنا : لا نُسَلِّمُ بدليل قوله : { وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا } [ الشمس : 5-7 ] .
وقوله : { وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُد } [ الكافرون :3 ] والمراد بكلمة " ما " ها هنا " هو اللَّهُ تعالى " .
وثانيها : أنَّ قوله : { وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ } إمَّا أنْ يكون المُرَادُ منه أنَّهُ مَوْجُودٌ في جميع السماوات ، أو المراد أنَّهُ مَوْجُودٌ في سماء واحدة .
والثاني ترك للظَّاهِر ، والأوَّلُ على قسمين ، لأنَّهُ إما{[13186]} أن يكون الحاصل منه -تعالى- في أحد السماوات عين ما حصل منه في سائر السماوات أو غيره ، والأوَّل يقتضي حُصُول المتحيّز الواحد [ في مَكَانَيْنِ ، وهو باطلٌ ببديهَةِ العَقْلِ ]{[13187]} .
والثاني يقتضي كونه - تعالى مُرَكَّباً من الأجْزَاءِ والأبْعَاضِ ، وهو مُحَالٌ .
وثالثها : أنَّهُ لو كان مَوْجُوداً في السماوات لكان مَحْدُوداً متناهياً وكُلُّ ما كان كذلك كان قَبُولُهُ للزيادة والنُّقْصَانِ مُمْكناً ، وكُلُّ ما كان كذلك فهو مُحْدَثٌ .
ورابعها : أنَّهُ لو كان في السماوات ، فهل يَقْدرُ على خَلْقِ عالم آخر فوق هذه السماوات أو لا يَقْدِر{[13188]} ؟ وذلك من وجهين :
والثاني{[13189]} يوجبُ تعجيزه وهو مُحَالٌ والأول{[13190]} يقتضي أنَّهُ -تعالى- لو فعل ذلك لحَصلَ تَحْتَ ذلك العالم ، والقوم منكرون كونه تحت العالم .
وخامسها : أنه تعالى قال : { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ } [ الحديد : 4 ] وقال { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [ ق :16 ] .
وقال : { وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْض إِلَهٌ } [ الزخرف :84 ] وقال : { فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ } [ البقرة :115 ] وكُلُّ ذلك يُبْطِلُ القولَ بالمَكَانِ والجهة ، وإذا ثبت بهذه الدَّلائلِ أنَّهُ لا يمكنُ حَمْلُ هذا الكلام على ظاهره ، وجَبَ التَّأويلُ ، وهو من وجوه :
الأول : أنَّ قوله : { وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْض } ، أي : في تدبير السماوات والأرض ، كما يقال : " فلانٌ في أمْرِ كذا " أي : في تدبيره ، وإصْلاحِ مُهِمَّاتِهِ ، كقوله : { وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلَه وَفِي الأَرْض إِلَهٌ } .
الثاني : أنَّ قوله : [ تَمّ ]{[13191]} عند قوله : " وهُوَ اللَّهُ " ثُمَّ ابتدأ{[13192]} ، فقال : { فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ } ، أي : يَعْلمُ ما في السماوات سَرَائِرَ الملائكة ، وفي الأرض يعلمُ سَرائِرَ البَشَرِ الإنْس والجن .
الثالث : أنْ يكون الكلامُ على التقديم والتأخير ، وهو " اللَّهُ يَعْلَمُ ما في السماوات ، وما في الأرض سِرَّكُم وجهركم " {[13193]} .
فصل في بيان معنى " ما تكسبون "
قوله : " ويَعْلمُ ما تكسبون " فيه سؤال ، وهو أنَّ الأفعال إمَّا أفعال القُلُوبِ ، وهو المُسَمَّى بالسِّرِّ ، وإمَّا أعمال الجَوَارحِ ، وهي المُسَمَّاةُ بالجَهْرِ ، فالأفعالُ لا تخرجُ عن السِّرِّ والجهر .
فكان قوله : { وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ } يقتضي عَطْفَ الشيء على نفسه ، وإنَّهُ فاسدٌ .
والجوابُ يجبُ حَمْلُ قوله : " مَا تَكْسِبُونَ " على ما يستحقُّهُ الإنسانُ على فِعْلِه من ثوابٍ وعقابٍ .
والحاصلُ أنَّهُ مَحْمُولٌ على المُكْتَسَبِ{[13194]} كما يُقَالُ : " هذا المال كَسْبُ فلان " ، أي : مُكْتَسَبُهُ ، ولا يجوز حَمْلُهُ على نفس الكَسْبِ ؛ لأنَّهُ يلزم منه عَطْفُ الشيء على نفسه والآية{[13195]} تدل على كون الإنسان مكتسباً للفعل ، والكَسْبُ هو الفعلُ المُفْضِي إلى اجْتِلاَبِ نَفْع ، أو دَفْع ضَرَرٍ ، ولا يوصف فعلُ اللِّهِ بأنه كَسْبٌ لكونه -تعالى- مُنَزَّهٌ عن جَلْبِ النَّفْعِ ، ودَفْعِ الضرر .