قوله تعالى : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم }
اعلم أنه تعالى لما شرع في شرح فضائح المنافقين وقبائحهم لسبب تخلفهم عن غزوة تبوك ، فلما تمم ذلك الشرح والبيان وذكر أقسامهم ، وفرع على كل قسم ما كان لائقا به ، عاد إلى بيان فضيلة الجهاد وحقيقته فقال : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم } وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قال القرطبي : لما بايعت الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة بمكة وهم سبعون نفسا ، قال عبد الله بن رواحة : اشترط لربك ولنفسك ما شئت . فقال : «أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، ولنفسي أن تمنعوني ما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم » قالوا : فإذا فعلنا ذلك فماذا لنا ؟ قال : «الجنة » قالوا : ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل . فنزلت هذه الآية . قال مجاهد والحسن ومقاتل : ثامنهم فأغلى ثمنهم .
المسألة الثانية : قال أهل المعاني : لا يجوز أن يشتري الله شيئا في الحقيقة لأن المشتري إنما يشتري ما لا يملك ، ولهذا قال الحسن : اشترى أنفسا هو خلقها ، وأموالا هو رزقها ، لكن هذا ذكره تعالى لحسن التلطف في الدعاء إلى الطاعة ، وحقيقة هذا ، أن المؤمن متى قاتل في سبيل الله حتى يقتل ، فتذهب روحه ، وينفق ماله في سبيل الله ، أخذ من الله في الآخرة الجنة جزاء لما فعل . فجعل هذا استبدالا وشراء . هذا معنى قوله : { اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة } أي بالجنة ، وكذا قراءة عمر بن الخطاب والأعمش . قال الحسن : اسمعوا والله بيعة رابحة وكفة راجحة ، بايع الله بها كل مؤمن ، والله ما على الأرض مؤمن إلا وقد دخل في هذه البيعة . وقال الصادق عليه الصلاة والسلام : «ليس لأبدانكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها » وقوله : { وأموالهم } يريد التي ينفقونها في سبيل الله وعلى أنفسهم وأهليهم وعيالهم ، وفي الآية لطائف :
اللطيفة الأولى : المشتري لا بد له من بائع ، وههنا البائع هو الله والمشتري هو الله ، وهذا إنما يصح في حق القيم بأمر الطفل الذي لا يمكنه رعاية المصالح في البيع والشراء ، وصحة هذا البيع مشروطة برعاية الغبطة العظيمة ، فهذا المثل جار مجرى التنبيه على كون العبد شبيها بالطفل الذي لا يهتدي إلى رعاية مصالح نفسه ، وأنه تعالى هو المراعي لمصالحه بشرط الغبطة التامة ، والمقصود منه التنبيه على السهولة والمسامحة ، والعفو عن الذنوب ، والإيصال إلى درجات الخيرات ومراتب السعادات .
واللطيفة الثانية : أنه تعالى أضاف الأنفس والأموال إليهم فوجب أن كون الأنفس والأموال مضافة إليهم يوجب أمرين مغايرين لهم ، والأمر في نفسه كذلك ، لأن الإنسان عبارة عن الجوهر الأصلي الباقي ، وهذا البدن يجري مجرى الآلة والأدوات والمركب ، وكذلك المال خلق وسيلة إلى رعاية مصالح هذا المركب ، فالحق سبحانه اشترى من الإنسان هذا المركب وهذا المال بالجنة ، وهو التحقيق . لأن الإنسان ما دام يبقى متعلق القلب بمصالح عالم الجسم المتغير المتبدل ، وهو البدن والمال ، امتنع وصوله إلى السعادات العالية والدرجات الشريفة ، فإذا انقطع التفاته إليها وبلغ ذلك الانقطاع إلى أن عرض البدن للقتل ، والمال للإنفاق في طلب رضوان الله ، فقد بلغ إلى حيث رجح الهدى على الهوى ، والمولى على الدنيا ، والآخرة على الأولى ، فعند هذا يكون من السعداء الأبرار والأفاضل الأخيار ، فالبائع هو جوهر الروح القدسية والمشتري هو الله ، وأحد العوضين الجسد البالي والمال الفاني ، والعوض الثاني الجنة الباقية والسعادات الدائمة ، فالربح حاصل والهم والغم زائل ، ولهذا قال : { فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به } .
ثم قال : { يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون } قال صاحب «الكشاف » : قوله : { يقاتلون } فيه معنى الأمر كقوله : { تجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم } وقيل جعل { يقاتلون } كالتفسير لتلك المبايعة ، وكالأمر اللازم لها . قرأ حمزة والكسائي بتقديم المفعول على الفاعل وهو كونهم مقتولين على كونهم قاتلين ، والباقون بتقديم الفاعل على المفعول . أما تقديم الفاعل على المفعول فظاهر ، لأن المعنى أنهم يقتلون الكفار ولا يرجعون عنهم إلى أن يصيروا مقتولين . وأما تقديم المفعول على الفاعل ، فالمعنى : أن طائفة كبيرة من المسلمين ، وإن صاروا مقتولين لم يصر ذلك رادعا للباقين عن المقاتلة ، بل يبقون بعد ذلك مقاتلين مع الأعداء . قاتلين لهم بقدر الإمكان ، وهو كقوله : { فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله } أي ما وهن من بقي منهم . واختلفوا في أنه هل دخل تحت هذه الآية مجاهدة الأعداء بالحجة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أم لا ؟ فمنهم من قال : هو مختص بالجهاد بالمقاتلة ، لأنه تعالى فسر تلك المبايعة بالمقاتلة بقوله : { يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون } ومنهم من قال : كل أنواع الجهاد داخل فيه ، بدليل الخبر الذي رويناه عن عبد الله بن رواحة . وأيضا فالجهاد بالحجة والدعوة إلى دلائل التوحيد أكمل آثارا من القتال ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه : " لأن يهدي الله على يدك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس " ولأن الجهاد بالمقاتلة لا يحسن أثرها إلا بعد تقديم الجهاد بالحجة . وأما الجهاد بالحجة فإنه غني عن الجهاد بالمقاتلة . والأنفس جوهرها جوهر شريف خصه الله تعالى بمزيد الإكرام في هذا العالم ، ولا فساد في ذاته ، إنما الفساد في الصفة القائمة به ، وهي الكفر والجهل . ومتى أمكن إزالة الصفة الفاسدة ، مع إبقاء الذات والجوهر كان أولى . ألا ترى أن جلد الميتة لما كان منتفعا به من بعض الوجوه ، لا جرم حث الشرع على إبقائه ، فقال : " هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به " فالجهاد بالحجة يجري مجرى الدباغة ، وهو إبقاء الذات مع إزالة الصفة الفاسدة ، والجهاد بالمقاتلة يجري مجرى إفناء الذات ، فكان المقام الأول أولى وأفضل .
ثم قال تعالى : { وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن } قال الزجاج : نصب { وعدا } على المعنى ، لأن معنى قوله : { بأن لهم الجنة } أنه وعدهم الجنة ، فكان وعدا مصدرا مؤكدا . واختلفوا في أن هذا الذي حصل في الكتب ما هو ؟
فالقول الأول : أن هذا الوعد الذي وعده للمجاهدين في سبيل الله وعد ثابت ، فقد أثبته الله في التوراة والإنجيل كما أثبته في القرآن .
والقول الثاني : المراد أن الله تعالى بين في التوراة والإنجيل أنه اشترى من أمة محمد عليه الصلاة والسلام أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ، كما بين في القرآن .
والقول الثالث : أن الأمر بالقتال والجهاد هو موجود في جميع الشرائع .
ثم قال تعالى : { ومن أوفى بعهده من الله } والمعنى : أن نقض العهد كذب . وأيضا أنه مكر وخديعة ، وكل ذلك من القبائح ، وهي قبيحة من الإنسان مع احتياجه إليها ، فالغني عن كل الحاجات أولى أن يكون منزها عنها . وقوله : { ومن أوفى بعهده } استفهام بمعنى الإنكار ، أي لا أحد أوفى بما وعد من الله .
ثم قال : { فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم } واعلم أن هذه الآية مشتملة على أنواع من التأكيدات : فأولها : قوله : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم } فيكون المشتري هو الله المقدس عن الكذب والخيانة ، وذلك من أدل الدلائل على تأكيد هذا العهد . والثاني : أنه عبر عن إيصال هذا الثواب بالبيع والشراء ، وذلك حق مؤكد . وثالثها : قوله : { وعدا } ووعد الله حق . ورابعها : قوله : { عليه } وكلمة «على » للوجوب . وخامسها : قوله : { حقا } وهو التأكيد للتحقيق . وسادسها : قوله : { في التوراة والإنجيل والقرآن } وذلك يجري مجرى إشهاد جميع الكتب الإلهية وجميع الأنبياء والرسل على هذه المبايعة . وسابعها : قوله : { ومن أوفى بعهده من الله } وهو غاية في التأكيد . وثامنها : قوله : { فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به } وهو أيضا مبالغة في التأكيد . وتاسعها : قوله : { وذلك هو الفوز } وعاشرها : قوله : { العظيم } فثبت اشتمال هذه الآية على هذه الوجوه العشرة في التأكيد والتقرير والتحقيق . ونختم الآية بخاتمة وهي أن أبا القاسم البلخي استدل بهذه الآية على أنه لا بد من حصول الأعواض عن آلام الأطفال والبهائم . قال لأن الآية دلت على أنه لا يجوز إيصال ألم القتل ، وأخذ الأموال إلى البالغين إلا بثمن هو الجنة ، فلا جرم قال : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة } فوجب أن يكون الحال كذلك في الأطفال والبهائم ، ولو جاز عليهم التمني ، لتمنوا أن آلامهم تتضاعف حتى تحصل لهم تلك الأعواض الرفيعة الشريفة ، ونحن نقول : لا ننكر حصول الخيرات للأطفال والحيوانات في مقابلة هذه الآلام ، وإنما الخلاف وقع في أن ذلك العوض عندنا غير واجب ، وعندكم واجب ، والآية ساكتة عن بيان الوجوب .
( إن اللّه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ، يقاتلون في سبيل اللّه فيقتلون ويقتلون ، وعدا عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ، ومن أوفى بعهده من اللّه ? فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ، وذلك هو الفوز العظيم . التائبون العابدون الحامدون السائحون ، الراكعون الساجدون ، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ، والحافظون لحدود اللّه ، وبشر المؤمنين ) . .
هذا النص الذي تلوته من قبل وسمعته ما لا أستطيع عده من المرات ، في أثناء حفظي للقرآن ، وفي أثناء تلاوته ، وفي أثناء دراسته بعد ذلك في أكثر من ربع قرن من الزمان . . هذا النص - حين واجهته في " الظلال " أحسست أنني أدرك منه ما لم أدركه من قبل في المرات التي لا أملك عدها على مدى ذلك الزمان !
إنه نص رهيب ! إنه يكشف عن حقيقة العلاقة التي تربط المؤمنين باللّه ، وعن حقيقة البيعة التي أعطوها - بإسلامهم - طوال الحياة . فمن بايع هذه البيعة ووفى بها فهو المؤمن الحق الذي ينطبق عليه وصف [ المؤمن ] وتتمثل فيه حقيقة الإيمان . وإلا فهي دعوى تحتاج إلى التصديق والتحقيق !
حقيقة هذه البيعة - أو هذه المبايعة كما سماها اللّه كرماً منه وفضلاً وسماحة - أن اللّه - سبحانه - قد استخلص لنفسه أنفس المؤمنين وأموالهم ؛ فلم يعد لهم منها شيء . . لم يعد لهم أن يستبقوا منها بقية لا ينفقونها في سبيله . لم يعد لهم خيار في أن يبذلوا أو يمسكوا . . كلا . . إنها صفقة مشتراة ، لشاريها أن يتصرف بها كما يشاء ، وفق ما يفرض ووفق ما يحدد ، وليس للبائع فيها من شيء سوى أن يمضي في الطريق المرسوم ، لا يتلفت ولا يتخير ، ولا يناقش ولا يجادل ، ولا يقول إلا الطاعة والعمل والاستسلام . . والثمن : هو الجنة . . والطريق : هو الجهاد والقتل والقتال . . والنهاية : هي النصر أو الاستشهاد :
( إن اللّه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ، يقاتلون في سبيل اللّه فيقتلون ويقتلون ) . .
من بايع على هذا . من أمضى عقد الصفقة . من ارتضى الثمن ووفى . فهو المؤمن . . فالمؤمنون هم الذين اشترى اللّه منهم فباعوا . . ومن رحمة اللّه أن جعل للصفقة ثمنا ، وإلا فهو واهب الأنفس والأموال ، وهو مالك الأنفس والأموال . ولكنه كرم هذا الإنسان فجعله مريداً ؛ وكرمه فجعل له أن يعقد العقود ويمضيها - حتى مع اللّه - وكرمه فقيده بعقوده وعهوده ؛ وجعل وفاءه بها مقياس إنسانيته الكريمة ؛ ونقضه لها هو مقياس ارتكاسه إلى عالم البهيمة : . . شر البهيمة . . ( إن شر الدواب عند اللّه الذين كفروا فهم لا يؤمنون الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون ) . . كما جعل مناط الحساب والجزاء هو النقض أو الوفاء .
وإنها لبيعة رهيبة - بلا شك - ولكنها في عنق كل مؤمن - قادر عليها - لا تسقط عنه إلا بسقوط إيمانه . ومن هنا تلك الرهبة التي أستشعرها اللحظة وأنا أخط هذه الكلمات :
( إن اللّه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ، يقاتلون في سبيل اللّه فيقتلون ويقتلون ) . .
عونك اللهم ! فإن العقد رهيب . . وهؤلاء الذين يزعمون أنفسهم " مسلمين " في مشارق الأرض ومغاربها ، قاعدون ، لا يجاهدون لتقرير ألوهية اللّه في الأرض ، وطرد الطواغيت الغاصبة لحقوق الربوبية وخصائصها في حياة العباد . ولا يقتلون . ولا يقتلون . ولا يجاهدون جهاداً ما دون القتل والقتال !
ولقد كانت هذه الكلمات تطرق قلوب مستمعيها الأولين - على عهد رسول اللّه - [ ص ] - فتتحول من فورها في القلوب المؤمنة إلى واقع من واقع حياتهم ؛ ولم تكن مجرد معان يتملونها بأذهانهم ، أو يحسونها مجردة في مشاعرهم . كانوا يتلقونها للعمل المباشر بها . لتحويلها إلى حركة منظورة ، لا إلى صورة متأملة . . هكذا أدركها عبد اللّه بن رواحة - رضي اللّه عنه - في بيعة العقبة الثانية . قال محمد بن كعب القرظي وغيره : قال عبد الله بن رواحة رضي اللّه عنه ، لرسول اللّه - [ ص ] - [ يعني ليلة العقبة ] - : اشترط لربك ولنفسك ما شئت . فقال : " أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً ؛ وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم " . قال : فما لنا إذا نحن فعلنا ذلك ? قال :
" الجنة " " . قالوا : ربح البيع ، ولا نقيل ولا نستقيل . .
هكذا . . " ربح البيع ولا نقيل ولا نستقيل " . . لقد أخذوها صفقة ماضية نافذة بين متبايعين ؛ انتهى أمرها ، وأمضي عقدها ، ولم يعد إلى مرد من سبيل : " لا نقيل ولا نستقيل " فالصفقة ماضية لا رجعة فيها ولا خيار ؛ والجنة : ثمن مقبوض لا موعود ! أليس الوعد من اللّه ? أليس اللّه هو المشتري ? أليس هو الذي وعد الثمن . وعداً قديماً في كل كتبه :
( وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ) . .
( ومن أوفى بعهده من اللّه ? ) .
أجل ! ومن أوفى بعهده من اللّه ?
إن الجهاد في سبيل اللّه بيعة معقودة بعنق كل مؤمن . . كل مؤمن على الإطلاق منذ كانت الرسل ومنذ كان دين اللّه . . إنها السنة الجارية التي لا تستقيم هذه الحياة بدونها ولا تصلح الحياة بتركها : ( ولولا دفع اللّه الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ) . . ( ولولا دفع اللّه الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم اللّه كثيراً ) . .
إن الحق لا بد أن ينطلق في طريقه . ولا بد أن يقف له الباطل في الطريق ! . . بل لا بد أن يأخذ عليه الطريق . . إن دين اللّه لا بد أن ينطلق لتحرير البشر من العبودية للعباد وردهم إلى العبودية للّه وحده . ولا بد أن يقف له الطاغوت في الطريق . . بل لا بد أن يقطع عليه الطريق . . ولا بد لدين الله أن ينطلق في " الأرض " كلها لتحرير " الإنسان " كله . ولا بد للحق أن يمضي في طريقه ولا ينثني عنه ليدع للباطل طريقاً ! . . وما دام في " الأرض " كفر . وما دام في " الأرض " باطل . وما دامت في " الأرض " عبودية لغير اللّه تذل كرامة " الإنسان " فالجهاد في سبيل اللّه ماض ، والبيعة في عنق كل مؤمن تطالبه بالوفاء . وإلا فليس بالإيمان : و " من مات ولم يغز ، ولم يحدث نفسه بغزو ، مات على شعبة من النفاق " . . . [ رواه الإمام أحمد ، وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي ] .
( فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ، وذلك هو الفوز العظيم ) .
استبشروا بإخلاص أنفسكم وأموالكم للّه ، وأخذ الجنة عوضاً وثمناً ، كما وعد اللّه . . وما الذي فات ? ما الذي فات المؤمن الذي يسلم للّه نفسه وماله ويستعيض الجنة ? واللّه ما فاته شيء . فالنفس إلى موت ، والمال إلى فوت . سواء أنفقهما صاحبهما في سبيل اللّه أم في سبيل سواه ! والجنة كسب . كسب بلا مقابل في حقيقة الأمر ولا بضاعة ! فالمقابل زائل في هذا الطريق أو ذاك !
ودع عنك رفعة الإنسان وهو يعيش للّه . ينتصر - إذا انتصر - لإعلاء كلمته ، وتقرير دينه ، وتحرير عباده من العبودية المذلة لسواه . ويستشهد - إذا استشهد - في سبيله ، ليؤدي لدينه شهادة بأنه خير عنده من الحياة . ويستشعر في كل حركة وفي كل خطوة - أنه أقوى من قيود الأرض وأنه أرفع من ثقلة الأرض ، والإيمان ينتصر فيه على الألم ، والعقيدة تنتصر فيه على الحياة .
إن هذا وحده كسب . كسب بتحقيق إنسانية الإنسان التي لا تتأكد كما تتأكد بانطلاقه من أوهاق الضرورة ؛ وانتصار الإيمان فيه على الألم ، وانتصار العقيدة فيه على الحياة . . فإذا أضيفت إلى ذلك كله . . الجنة . . فهو بيع يدعو إلى الاستبشار ؛ وهو فوز لا ريب فيه ولا جدال :
( فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ، وذلك هو الفوز العظيم ) .
ثم نقف وقفة قصيرة أمام قوله تعالى في هذه الآية :
( وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ) . .
فوعد اللّه للمجاهدين في سبيله في القرآن معروف مشهور مؤكد مكرور . . وهو لا يدع مجالا للشك في إصالة عنصر الجهاد في سبيل اللّه في طبيعة هذا المنهج الرباني ؛ باعتباره الوسيلة المكافئة للواقع البشري - لا في زمان بعينه ولا في مكان بعينه - ما دام أن الجاهلية لا تتمثل في نظرية تقابل بنظرية ولكنها تتمثل في تجمع عضوي حركي ، يحمي نفسه بالقوة المادية ؛ ويقاوم دين اللّه وكل تجمع إسلامي على أساسه بالقوة المادية كذلك ؛ ويحول دون الناس والاستماع لإعلان الإسلام العام بألوهية اللّه وحده للعباد ، وتحرير " الإنسان " في " الأرض " من العبودية للعباد . كما يحول دونهم ودون الانضمام العضوي إلى التجمع الإسلامي المتحرر من عبادة الطاغوت بعبوديته لله وحده دون العباد . . ومن ثم يتحتم على الإسلام في انطلاقه في " الأرض " لتحقيق إعلانه العام بتحرير " الإنسان " أن يصطدم بالقوة المادية التي تحمي التجمعات الجاهلية ؛ والتي تحاول بدورها - في حتمية لا فكاك منها - أن تسحق حركة البعث الإسلامي وتخفت إعلانه التحريري ، لاستبقاء العباد في رق العبودية للعباد !
فأما وعد اللّه للمجاهدين في التوراة والإنجيل . فهو الذي يحتاج إلى شيء من البيان . .
إن التوراة والإنجيل اللذين في أيدي اليهود والنصارى اليوم لا يمكن القول بأنهما هما اللذان أنزلهما اللّه على نبيه موسى وعلى نبيه عيسى عليهما السلام ! وحتى اليهود والنصارى أنفسهم لا يجادلون في أن النسخة الأصلية لهذين الكتابين لا وجود لها ؛ وأن ما بين أيديهم قد كتب بعد فترة طويلة ضاعت فيها معظم أصول الكتابين ؛ ولم يبق إلا ما وعته ذاكرة بعد ذاكرة . . وهو قليل . . أضيف إليه الكثير !
ومع ذلك فما تزال في كتب العهد القديم إشارات إلى الجهاد ، والتحريض لليهود على قتال أعدائهم الوثنيين ، لنصر إلههم وديانته وعبادته ! وإن كانت التحريفات قد شوهت تصورهم للّه - سبحانه - وتصورهم للجهاد في سبيله .
فأما في الأناجيل التي بين أيدي النصارى اليوم فلا ذكر ولا إشارة إلى جهاد . . ولكننا في حاجة شديدة إلى تعديل المفهومات السائدة عن طبيعة النصرانية ؛ فهذه المفهومات إنما جاءت من هذه الأناجيل التي لا أصل لها - بشهادة الباحثين النصارى أنفسهم ! - وقبل ذلك بشهادة اللّه سبحانه كما وردت في كتابه المحفوظ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .
واللّه سبحانه يقول في كتابه المحفوظ : إن وعده بالجنة لمن يقاتلون في سبيل اللّه فيقتلون ويقتلون ؛ ثابت في التوراة والإنجيل والقرآن . . فهذا إذن هو القول الفصل الذي ليس بعده لقائل مقال !
إن الجهاد في سبيل اللّه بيعة معقودة بعنق كل مؤمن . كل مؤمن على الإطلاق . منذ كانت الرسل ، ومنذ كان دين اللّه . .
{ الجنة } : هي دار السلام التي أعدها الله تعالى للمتقين .
{ يقاتلون } : أي الكفار والمشركين .
{ وعداً } : أي وعدهم وعداً حقاً .
{ في التوراة } : أي مذكوراً في التوراة والإِنجيل والقرآن .
{ ومن أوفى بعهده } : أي لا أحد أوفى بعهده من الله تعالى .
{ ذلك هو الفوز العظيم } : أي ذلك البيع هو الفوز العظيم .
لما ذكر تعالى حال المتخلفين عن الجهاد فضل الجهاد ترغيباً فيه وفيما أعد لأهله فقال { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة } وهذا هو المُثَمَّن الذي أعطى الله تعالى فيه الثمن وهو الجنة ، وقوله { يقاتلون في سبيل الله فيقتُلون } أي أعداء الله المشركين { ويقتلون } أي يستشهدون في معارك القتال وقوله { وعداً عليه حقاً في التوراة والإِنجيل والقرآن } تقريراً له وتثبيتاً وقوله { ومن أوفى بعهده من الله } استفهام بمعنى النفي أي لا أحد مطلقا أوفى بعهده إذا عاهد من الله المؤمنون ببيعكم الذي بايعتم الله تعالى به أي فسروا بذلك وافرحوا وذلك البيع والاستبشار هو الفوز العظيم إلي لا فوز خير ولا أعظم منه .
- بيان فضل الله تعالى ومننه على عباده المؤمنين حيث وهبهم أرواحهم وأموالهم واشتراها منهم .
- فضل الجهاد والاستشهاد في سبيل الله .
- على المؤمن إن شعر نفسه أن بدنه وماله لله تعالى وأن عليه رعايتهما وحفظهما حتى ترفع راية الجهاد ويطالب إمام المسلمين بالنفس والمال فيقدم نفسه وماله إذ هما وديعة الله تعالى عنده .