اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{۞إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقۡتُلُونَ وَيُقۡتَلُونَۖ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ وَٱلۡقُرۡءَانِۚ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ فَٱسۡتَبۡشِرُواْ بِبَيۡعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعۡتُم بِهِۦۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ} (111)

قوله تعالى : { إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ } الآية .

لمَّا شرح أحوال المنافقين ، عاد إلى بيانِ فضيلة الجهادِ . قيل : هذا تمثيلٌ كقوله تعالى { أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } [ البقرة : 16 ] قال مُحمَّدُ بن كعب القرظيُّ : " لمَّا بايعت الأنصارُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة بمكَّة وهم سبعون نفساً ، قال عبد الله بن رواحة : يا رسول الله اشترط لربِّك ولنفْسِكَ ما شئتَ . فقال : " أشترطُ لربِّي أن تعبُدُوهُ ولا تُشرِكُوا بِهِ شَيْئاً ولنفْسِي أن تمنعوني ممَّا منعون منه أنفسكُم وأموالكُم " قالوا : فإذا فعلنا ذلك فما لنا ؟ قال : " الجنَّة " قالوا ربح البيعُ لا نقيلُ ولا نستقيلُ " ، فنزل : { إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجنة }{[18163]} .

قال الحسنُ ، ومجاهدٌ ، ومقاتل : " ثامنَهُم فأغْلَى ثمنهُمْ{[18164]} " .

قوله : " بِأَنَّ لَهُمُ " متعلقٌ ب " اشْتَرَى " ، ودخلت الباءُ هنا على المترُوكِ على بابها ، وسمَّاها أبُو البقاءِ " باء " المقابلةِ ، كقولهم : " باء " العوض ، و " باء " الثمنية . وقرأ عمرُ{[18165]} ابنُ الخطاب والأعمش " بِالجنَّةِ " . قال أهلُ المعاني : لا يجوزُ أن يشتري الله شيئاً في الحقيقة ؛ لأنه مالك الكل ، ولهذا قال الحسنُ : اشترى أنفساً هو خلقها ، وأموالاً هو رزقها ، وإنَّما ذكر اللهُ ذلك ، لحسن التَّلُّطفِ في الدُّعاءِ إلى الطَّاعةِ ؛ لأن المؤمنَ إذا قاتل في سبيل اللهِ حتى يقتل ؛ فتذهب روحه ، وينفق ماله في سبيل الله تعالى جزاؤه في الآخرة الجنَّة ، فكان هذا استبدالاً وشراءً . قال الحسنُ : " والله بيعة رَابحةٌ ، وكفةٌ راجحةٌ ، بايع اللهُ بها كلَّ مُؤمِنٍ والله ما على الأرض مؤمن إلاَّ وقد دخل في هذه البيعة " {[18166]} .

وفيه لطيفةٌ ، وهي أن المشتري لا بدَّ وأن يغاير البائع ، وههنا البائعُ هو اللهُ تعالى ، والمشتري هو الله ، وهذا إنما يصحُّ في حقِّ القيم بأمر الطفل الذي لا يمكُنُه رعاية المصالح في البيع والشراء وصحَّة هذا البيع مشروطة برعاية الغبطة ؛ فهذا جارٍ مجرى التَّنبيه على كون العبد كالطِّفلِ الذي لا يهتدي إلى رعاية مصالح نفسه ؛ وأنَّهُ تعالى هو الرَّاعي لمصالحه بشرط الغبطةِ .

فصل

قال القرطبيُّ : " هذه الآية دليلٌ على جواز معاملة السيد مع عبده ، وإن كان الكل للسَّيد ، لكن إذا ملكه عامله فيما جعل إليه ، وجاز بين السيد وعبده ما لا يجوزُ بينه وبين غيره ؛ لأنَّ ماله له ، وله انتزاعه " .

فصل

أصل الشراءِ من الخلق أن يعوضوا بما خرج من أيديهم ما كان أنفع لهم ، أو مثل ما خرج عنهم في النفع ، فاشترى الله من العباد إتلاف أنفسهم ، وأموالهم في طاعته ، وإهلاكها في مرضاته وأعطاهم الجنَّة عوضاً عنها إذا فعلوا ذلك ، وهو عوض عظيمٌ لا يدانيه المعوض ، فأجرى ذلك على مجرى ما يتعارفونه في البيع والشراء ، فمن العبد تسليم النفس والمال ، ومن الله الثَّواب والنَّوال فسمّي هذا شراء .

فصل

قال بعضُ العلماء : كما اشترى من المؤمنين البالغينَ المكلفين كذلك اشترى من الأطفال فآلمهم ، وأسقمهم ، لما في ذلك من المصلحة ومن الاعتبار للبالغين ، فإنهم لا يكونُون عند شيءٍ أكثر صلاحاً ، وأقل فساداً منهم عند ألم الأطفالِ ، وما يحصلُ للوالدين من الثَّواب فيما ينالهم من الهم ، ثم إنَّ الله تعالى يعوض هؤلاء الأطفال عوضاً إذا صارُوا إليه .

قوله : " يُقَاتِلُون " يجوز أن يكون مستأنفاً ، ويجوز أن يكون حالاً . وقال الزمخشري : " يُقَاتلُون " فيه معنى الأمر ، كقوله : { وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ } [ الصف : 11 ] . وعلى هذا فيتعيَّنُ الاستئناف ، لأنَّ الطَّلبَ لا يقع حالاً . وقد تقدَّم الخلاف في { فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ } في آل عمران قرأ حمزة{[18167]} والكسائيُّ : " فيُقْتلُونَ " بتقديم المفعول على الفاعل . وقرأ الباقون بتقديم الفاعل على المفعول .

قوله : " وَعْداً " منصوبٌ على المصدر المؤكد لمضمون الجملة ؛ لأنَّ معنى " اشْتَرَى " معنى : وعدهم بذلك ، فهو نظير : " هَذَا ابني حقّاً " . ويجوزُ أن يكُون مصدراً في موضع الحال وفيه ضعفٌ . و " حَقّاً " نعت له . و " عَلَيْهِ " حالٌ من " حَقّاً " ؛ لأنَّهُ في الأصل صفةٌ لو تأخَّر .

قوله : " فِي التوراة " فيه وجهان :

أحدهما : أنَّهُ متعلقٌ ب " اشْتَرَى " ، وعلى هذا فتكُونُ كل أمَّةٍ قد أمِرَت بالجهادِ ، ووعدتْ عليه الجنَّة .

والثاني : أنَّهُ متعلقٌ بمحذوفٍ ؛ لأنَّه صفةٌ للوعد ، أي : وعداً مذكوراً وكائناً في التَّوراة .

وعلى هذا فيكون الوعد بالجنَّة مذكوراً في كتب الله المنزلةِ ، وقال الزمخشريُّ{[18168]} في أثناء الكلامِ : " لا يجُوزُ عليه قبيحٌ قطّ " قال أبُو حيَّان : " استعمل " قَطْ " في غير موضوعه ، لأنَّهُ أتَى به مع قوله " لا يجُوزُ عليه " ، و " قطّ " ظرفٌ ماضٍ ، فلا يعمل فيه إلاَّ الماضي " .

قال شهابُ الدِّين " ليس المرادُ هنا زمناً بعينه " .

ثم قال تعالى : { وَمَنْ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ الله } أي : أنَّ نقض العهد كذبٌ ، ومكرٌ ، وخديعة وكل ذلك من القبائح ، وهي قبيحة من الإنسان مع احتياجه إليها ، فالغني عن كلِّ الحاجات أولى أن يكون مُنزهاً عنها . أي لا أحد أوفى بعهده من الله ، وهذا يتضمَّنُ وفاء الباري بالكل فأمَّا وعده فللجميع ، وأمَّا وعيده فمخصوصٌ ببعض المذنبين وببعض الذُّنُوب ، وفي بعض الأحوال .

قوله : " فاستبشروا " فيه التفاتٌ من الغيبة إلى الخطاب ؛ لأنَّ في خطابهم بذلك تشريفاً لهم و " استفعل " هنا ليس للطلب ، بل بمعنى " أفعل " ، ك " اسْتوْقَدَ " ، و " أوقد " والمعنى : أظهروا السُّرورَ بذلك ، والبشارة : إظهار السُّرور في البشرة .

وقوله : { الذي بَايَعْتُمْ بِهِ } توكيد ، كقوله : { الذي بَنَوْاْ } [ التوبة : 110 ] ، لينصَّ لهم على هذا البيع بعينه .


[18163]:تقدم تخريجه.
[18164]:أخرجه الطبري في "تفسيره" (6/482) عن قتادة والحسن وذكره البغوي في "تفسيره" (2/329) والرازي (16/158).
[18165]:ينظر: البحر المحيط 5/105، الدر المصون 3/506.
[18166]:ذكره الرازي في "تفسيره" (16/158).
[18167]:ينظر: السبعة ص (319)، الحجة 4/231، حجة القراءات ص (325)، إعراب القراءات 1/256، إتحاف 2/99.
[18168]:ينظر: الكشاف 2/314.