قوله تعالى : { وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم } .
تبيينا لما تقدم من قوله { ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار } أي هو بتقدير الله ، لأنه كف أيديهم عنكم بالفرار ، وأيديكم عنهم بالرجوع عنهم وتركهم ، وقوله تعالى : { ببطن مكة } إشارة إلى أمر كان هناك يقتضي عدم الكف ، ومع ذاك وجد كف الأيدي ، وذلك الأمر هو دخول المسلمين ببطن مكة ، فإن ذلك يقتضي أن يصبر المكفوف على القتال لكون العدو دخل دارهم طالبين ثأرهم ، وذلك مما يوجب اجتهاد البليد في الذب عن الحريم ، ويقتضي أن يبالغ المسلمون في الاجتهاد في الجهاد لكونهم لو قصروا لكسروا وأسروا لبعد مأمنهم ، فقوله { ببطن مكة } إشارة إلى بعد الكف ، ومع ذلك وجد بمشيئة الله تعالى ، وقوله تعالى : { من بعد أن أظفركم عليهم } صالح لأمرين ( أحدهما ) أن يكون منة على المؤمنين بأن الظفر كان لكم ، مع أن الظاهر كان يستدعي كون الظفر لهم لكون البلاد لهم ، ولكثرة عددهم ( الثاني ) أن يكون ذكر أمرين مانعين من الأمرين الأولين ، مع أن الله حققهما مع المنافقين ، أما كف أيدي الكفار ، فكان بعيدا لكونهم في بلادهم ذابين عن أهليهم وأولادهم ، وإليه أشار بقوله { ببطن مكة } وأما كف أيدي المسلمين ، فلأنه كان بعد أن ظفروا بهم ، ومتى ظفر الإنسان بعدوه الذي لو ظفر هو به لاستأصله يبعد انكفافه عنه ، مع أن الله كف اليدين .
وقوله تعالى : { وكان الله بما تعملون بصيرا } .
يعني كان الله يرى فيه من المصلحة ، وإن كنتم لا ترون ذلك ، وبينه بقوله تعالى : { هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا } إلى أن قال : { ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات } يعني كان الكف محافظة على ما في مكة من المسلمين ليخرجوا منها ، ويدخلوها على وجه لا يكون فيه إيذاء من فيها من المؤمنين والمؤمنات ، واختلف المفسرون في ذلك الكف منهم من قال المراد ما كان عام الفتح ، ومنهم من قال ما كان عام الحديبية ، فإن المسلمين هزموا جيش الكفار حتى أدخلوهم بيوتهم ، وقيل إن الحرب كان بالحجارة .
كذلك يمن عليهم بكف أيدي المشركين عنهم ، وكف أيديهم عن المشركين من بعد ما أظفرهم على من هاجموهم . مشيرا إلى ذلك الحادث الذي أراد أربعون من المشركين أو أكثر أو أقل أن ينالوا من معسكر المسلمين . فأخذوا وعفا عنهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :
( وهو الذي كف أيديهم عنكم ، وأيديكم عنهم ببطن مكة . من بعد أن أظفركم عليهم . وكان الله بما تعملون بصيرا ) . .
وهو حادث وقع ، يعرفه السامعون ؛ والله يذكره لهم في هذا الأسلوب ، ليرد كل حركة وكل حادث وقع لهم إلى تدبيره المباشر ؛ وليوقع في قلوبهم هذا الإحساس المعين بيد الله سبحانه وهي تدبر لهم كل شيء ، وتقود خطاهم ، كما تقود خواطرهم ، ليسلموا أنفسهم كلها لله ، بلا تردد ولا تلفت ، ويدخلوا بهذا في السلم كافة ، بكل مشاعرهم وخواطرهم ، واتجاههم ونشاطهم ؛ موقنين أن الأمر كله لله ، وأن الخيرة ما اختاره الله ، وأنهم مسيرون بقدره ومشيئته فيما يختارون وفيما يرفضون . وأنه يريد بهم الخير . فإذا استسلموا له تحقق لهم الخير كله من أيسر طريق . وهو بصير بهم ، ظاهرهم وخافيهم ، فهو يختار لهم عن علم وعن بصر . ولن يضيعهم ، ولن يضيع عليهم شيئا يستحقونه : ( وكان الله بما تعملون بصيرا ) . .
كف أيديهم عنكم : أيدي كفار مكة .
وأيديكم عنهم ببطن مكة : يعني الحديبية .
أظفركم عليهم : أظهركم عليهم ، وجعلكم متغلبين عليهم ، فإن عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة إلى الحديبية ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد على جند فهزمهم ، حتى أدخلهم حيطان مكة ثم عاد .
24- { وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا } .
تشير روايات في صحيح مسلم وغيره إلى أن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على المسلمين من قبل جبل التنعيم ، يريدون غزوة في المسلمين ، فأخذوا وعفا عنهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وعادوا إلى مكة ، وكان ذلك سبب نزول هذه الآية .
والآية مع ذلك تفسر بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، فالله تعالى بحكمته وقدرته ومشيئته ، أراد أن يمر يوم الحديبية دون قتال ، فمنع أيدي المسلمين عن قتال أهل مكة ، ومنع أهل مكة عن قتال المسلمين ، من بعد أن غنم المسلمون ثمانين محاربا فأطلقوهم ، وطارد نخبة من جيش المسلمين فئة من أهل مكة كانوا خمسمائة مقاتل ، بقيادة عكرمة بن أبي جهل ، فهزم المشركون وطاردهم المسلمون إلى جدران مكة ، وكان معروفا يومئذ أن الغلبة والقوة والبيعة مع المسلمين .
{ وكان الله بما تعملون بصيرا } .
كان مطلعا ومشاهدا لاجتهادكم في مطاردة أعدائكم إلى جدران مكة ، ويقظتكم واستيلائكم على ثمانين محاربا دعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فكف الله بصرهم ، واستولى عليهم المسلمون ، ثم أطلق النبي سراحهم ، وكل هذا يسر لمعاهدة الحديبية ، ثم يسر بعد ذلك لفتح مكة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.