مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{ذَرۡنِي وَمَنۡ خَلَقۡتُ وَحِيدٗا} (11)

قوله تعالى : { ذرني ومن خلقت وحيدا } أجمعوا على أن المراد هاهنا الوليد بن المغيرة ، وفي نصب قوله وحيدا وجوه ( الأول ) أنه نصب على الحال ، ثم يحتمل أن يكون حالا من الخالق وأن يكون حالا من المخلوق ، وكونه حالا من الخالق على وجهين ( الأول ) ذرني وحدي معه فإني كاف في الانتقام منه ( والثاني ) خلقته وحدي لم يشركني في خلقه أحد ، وأما كونه حالا من المخلوق ، فعلى معنى أني خلقته حال ما كان وحيدا فريدا لا مال له ، ولا ولد كقوله : { ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة } ، ( القول الثاني ) أنه نصب على الذم ، وذلك لأن الآية نزلت في الوليد وكان يلقب بالوحيد ، وكان يقول أنا الوحيد بن الوحيد ، ليس لي في العرب نظير ، ولا لأبي نظير . فالمراد ذرني ومن خلقت أعني وحيدا . وطعن كثير من المتأخرين في هذا الوجه ، وقالوا : لا يجوز أن يصدقه الله في دعواه أنه وحيد لا نظير له ، وهذا السؤال ذكره الواحدي وصاحب الكشاف ، وهو ضعيف من وجوه ( الأول ) أنا لما جعلنا الوحيد اسم علم فقد زال السؤال لأن اسم العلم لا يفيد في المسمى صفة بل هو قائم مقام الإشارة ( الثاني ) لم لا يجوز أن يحمل على كونه وحيدا في ظنه واعتقاده ؟ ونظيره قوله تعالى : { ذق إنك أنت العزيز الكريم } ( الثالث ) أن لفظ الوحيد ليس فيه أنه وحيد في العلو والشرف ، بل هو كان يدعى لنفسه أنه وحيد في هذه الأمور . فيمكن أن يقال : أنت وحيد لكن في الكفر والخبث والدناءة ( القول الثالث ) أن وحيدا مفعول ثان لخلق ، قال أبو سعيد الضرير : الوحيد الذي لا أب له ، وهو إشارة إلى الطعن في نسبه كما في قوله : { عتل بعد ذلك زنيم } .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ذَرۡنِي وَمَنۡ خَلَقۡتُ وَحِيدٗا} (11)

11

( ذرني ومن خلقت وحيدا ) . .

والخطاب للرسول [ صلى الله عليه وسلم ] ومعناه خل بيني وبين هذا الذي خلقته وحيدا مجردا من كل شيء آخر مما يعتز به من مال كثير ممدود وبنين حاضرين شهود ونعم يتبطر بها ويختال ويطلب المزيد . خل بيني وبينه ولا تشغل بالك بمكره وكيده . فأنا سأتولى حربه . . وهنا يرتعش الحس ارتعاشة الفزع المزلزل ؛ وهو يتصور انطلاق القوة التي لا حد لها . . قوة الجبار القهار . . لتسحق هذا المخلوق المضعوف المسكين الهزيل الضئيل ! وهي الرعشة التي يطلقها النص القرآني في قلب القارئ والسامع الآمنين منها . فما بال الذي تتجه إليه وتواجهه !

ويطيل النص في وصف حال هذا المخلوق ، وما آتاه الله من نعمه وآلائه ، قبل أن يذكر إعراضه وعناده . فهو قد خلقه وحيدا مجردا من كل شيء حتى من ثيابه ! ثم جعل له مالا كثيرا ممدودا . ورزقه بنين من حوله حاضرين شهودا ، فهو منهم في أنس وعزوة . ومهد له الحياة تمهيدا ويسرها له تيسيرا . . ( ثم يطمع أن أزيد ) . . فهو لا يقنع بما أوتي ، ولا يشكر ويكتفي . . أم لعله يطمع في أن ينزل عليه الوحي وأن يعطى كتابا كما سيجيء في آخر السورة : ( بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة ) . . فقد كان ممن يحسدون الرسول[ صلى الله عليه وسلم ] على إعطائه النبوة .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ذَرۡنِي وَمَنۡ خَلَقۡتُ وَحِيدٗا} (11)

عناد الوليد بن المغيرة

{ ذرني ومن خلقت وحيدا 11 وجعلت له مالا ممدودا 12 وبنين شهودا 13 ومهّدت له تمهيدا 14 ثم يطمع أن أزيد 15 كلاّ إنه كان لآياتنا عنيدا 16 سأرهقه صعودا 17 إنه فكّر وقدّر 18 فقتل كيف قدّر 19 ثم قتل كيف قدّر 20 ثم نظر 21 ثم عبس وبسر 22 ثم أدبر واستكبر 23 فقال إن هذا إلا سحر يؤثر 24 إن هذا إلا قول البشر 25 سأصليه سقر 26 وما أرداك ما سقر 27 لا تبقي ولا تذر 28 لوّاحة للبشر 29 عليها تسعة عشر 30 }

المفردات :

ذرني ومن خلقت وحيدا : دعني وإياه ، فإني أكفيكه .

11

التفسير :

11-ذرني ومن خلقت وحيدا .

أي : دعني وحدي ومن خلقته ، فأنا أكفيك أمره ، وأغنيك في الانتقام منه عن كل منتقم .

قال ابن عباس وغيره : نزلت هذه الآية وما بعدها في الوليد بن المغيرة ، بل قيل إن هذا القول متفق عليه .

قال مقاتل :

المعنى : خلّ بيني وبينه فأنا أنفرد بهلكته ، وفي هذا وعيد شديد على تمرده ، وعظيم عناده واستكباره ، لما أوتيه من بسطة المال والجاه ، وكان يقول : أنا الوحيد ابن الوحيد ، ليس لي في العرب نظير ، ولا لأبي نظير ، وقد تهكم الله به وبلقبه ، وصرفه عن الغرض الذي كانوا يقصدونه ، من مدحه والثناء عليه إلى ذمّه وعيبه ، فجعله وحيدا في الشر والخبث .

ولك أن تتصور مخلوقا ضعيفا أمام قدرة الخالق المدبّر ، الذي يقول للشيء كن فيكون ، وذكر المفسرون أن هذا الشقي –الوليد بن المغيرة- ما زال بعد نزول هذه الآية في نقص من ماله وولده حتى هلك .