مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِي وَلَا تَكۡفُرُونِ} (152)

قوله تعالى : { فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون } .

اعلم أن الله تعالى كلفنا في هذه الآية بأمرين : الذكر ، والشكر ، أما الذكر فقد يكون باللسان ، وقد يكون بالقلب ، وقد يكون بالجوارح ، فذكرهم إياه باللسان أن يحمدوه ويسبحوه ويمجدوه ويقرؤا كتابه ، وذكرهم إياه بقلوبهم على ثلاثة أنواع . ( أحدها ) : أن يتفكروا في الدلائل الدالة على ذاته وصفاته ، ويتفكروا في الجواب عن الشبهة الفادحة في تلك الدلائل . ( وثانيها ) : أن يتفكروا في الدلائل الدالة على كيفية تكاليفه وأحكامه وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده ، فإذا عرفوا كيفية التكليف وعرفوا ما في الفعل من الوعد ، وفي الترك من الوعيد سهل فعله عليهم . ( وثالثها ) : أن يتفكروا في أسرار مخلوقات الله تعالى حتى تصير كل ذرة من ذرات المخلوقات كالمرآة المجلوة المحاذية لعالم القدس ، فإذا نظر العبد إليها انعكس شعاع بصره منها إلى عالم الجلال وهذا المقام مقام لا نهاية له ، أما ذكرهم إياه تعالى بجوارحهم ، فهو أن تكون جوارحهم مستغرقة في الأعمال التي أمروا بها ، وخالية عن الأعمال التي نهوا عنها ، وعلى هذا الوجه سمى الله تعالى الصلاة ذكرا بقوله : { فاسعوا إلى ذكر الله } فصار الأمر بقوله : { اذكروني } متضمنا جميع الطاعات ، فلهذا روي عن سعيد بن جبير أنه قال : اذكروني بطاعتي فأجمله حتى يدخل الكل فيه ، أما قوله : { أذكركم } فلابد من حمله على ما يليق بالموضع ، والذي له تعلق بذلك الثواب والمدح ، وإظهار الرضا والإكرام ، وإيجاب المنزلة ، وكل ذلك داخل تحت قوله : { أذكركم } ثم للناس في هذه الآية عبارات . ( الأولى ) : اذكروني بطاعتي أذكركم برحمتي . ( الثانية ) : اذكروني بالإجابة والإحسان وهو بمنزلة قوله : { ادعوني أستجب لكم } وهو قول أبي مسلم قال : أمر الخلق بأن يذكروه راغبين راهبين ، وراجين خائفين ويخلصوا الذكر له عن الشركاء ، فإذا هم ذكروه بالإخلاص في عبادته وربوبيته ذكرهم بالإحسان والرحمة والنعمة في العاجلة والآجلة . ( الثالثة ) : اذكروني بالثناء والطاعة أذكركم بالثناء والنعمة . ( الرابعة ) : اذكروني في الدنيا أذكركم في الآخرة . ( الخامسة ) : اذكروني في الخلوات أذكركم في الفلوات . ( السادسة ) : اذكروني في الرخاء أذكركم في البلاء . ( السابعة ) : اذكروني بطاعتي أذكركم بمعونتي . ( الثامنة ) : اذكروني بمجاهدتي أذكركم بهدايتي . ( التاسعة ) : اذكروني بالصدق والإخلاص أذكركم بالخلاص ومزيد الاختصاص . ( العاشرة ) : اذكروني بالربوبية في الفاتحة أذكركم بالرحمة والعبودية في الخاتمة .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِي وَلَا تَكۡفُرُونِ} (152)

142

وفي آخر هذا الدرس يتفضل الله على المسلمين تفضلا آخر ، وهو يدعوهم إلى شكره ويحذرهم من كفره . يتفضل عليهم فيضمن لهم أن يذكرهم إذا هم ذكروه .

( فاذكروني أذكركم ، واشكروا لي ولا تكفرون ) . .

يا للتفضل الجليل الودود ! الله . جل جلاله . يجعل ذكره لهؤلاء العبيد مكافئا لذكرهم له في عالمهم الصغير . . إن العبيد حين يذكرون ربهم يذكرونه في هذه الأرض الصغيرة . . وهم أصغر من أرضهم الصغيرة ! والله حين يذكرهم يذكرهم في هذا الكون الكبير . . وهو الله . . العلي الكبير . . أي تفضل ! وأي كرم ! وأي فيض في السماحة والجود !

( فاذكروني أذكركم ) . .

إنه الفضل الذي لا يفيضه إلا الله الذي لا خازن لخزائنه ، ولا حاسب لعطاياه . الفضل الفائص من ذاته تعالى بلا سبب ولا موجب إلا أنه هكذا هو سبحانه فياض العطاء .

وفي الصحيح : يقول الله تعالى : " من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه " .

وفي الصحيح أيضا : قال رسول الله [ ص ] قال الله عز وجل : " يا ابن آدم إن ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي ، وإن ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ من الملائكة - أو قال في ملأ خير منه - وإن دنوت مني شبرا دنوت منك ذراعا ، وإن دنوت مني ذراعا دنوت منك باعا ، وإن أتيتني تمشي أتيتك هرولة . . "

إنه ذلك الفضل الذي لا يصفه لفظ ولا يعبر عن شكره الحق إلا سجود القلب . .

وذكر الله ليس لفظا باللسان ، إنما هو انفعال القلب معه أو بدونه ، والشعور بالله ووجوده والتأثر بهذا الشعور تأثرا ينتهي إلى الطاعة في حده الأدنى ، وإلى رؤية الله وحده ولا شيء غيره لمن يهبه الله الوصول ويذيقه حلاوة اللقاء . .

( واشكروا لي ولا تكفرون ) . .

والشكر لله درجات ، تبدأ بالاعتراف بفضله والحياء من معصيته . وتنتهي بالتجرد لشكره والقصد إلى هذا الشكر في كل حركة بدن ، وفي كل لفظة لسان ، وفي كل خفقة قلب ، وفي كل خطرة جنان .

والنهي عن الكفر هنا إلماع إلى الغاية التي ينتهي إليها التقصير في الذكر والشكر ؛ وتحذير من النقطة البعيدة التي ينتهي إليها هذا الخط التعيس ! والعياذ بالله !

ومناسبة هذه التوجيهات والتحذيرات في موضوع القبلة واضحة . وهي النقطة التي تلتقي عندها القلوب لعبادة الله ، والتميز بالانتساب إليه ، والاختصاص بهذا الانتساب .

وهي كذلك واضحة في مجال التحذير من كيد يهود ودسها ؛ وقد سبق أن الغاية الأخيرة لكل الجهود هي رد المؤمنين كفارا ، وسلبهم هذه النعمة التي أنعم الله بها عليهم . . نعمة الإيمان أكبر الآلاء التي ينعم الله بها على فرد أو جماعة من الناس . وهي بالقياس إلى العرب خاصة النعمة التي أنشأت لهم وجودا ، وجعلت لهم دورا في التاريخ ، وقرنت اسمهم برسالة يؤدونها للبشرية ، وكانوا بدونها ضائعين ، ولولاها لظلوا ضائعين ، وهم بدونها أبدا ضائعون . فما لهم من فكرة يؤدون بها دورا في الأرض غير الفكرة التي انبثقت منها ؛ وما تنقاد البشرية لقوم لا يحملون فكرة تقود الحياة وتنميها . وفكرة الإسلام برنامج حياة كامل ، لا كلمة تقال باللسان بلا رصيد من العمل الإيجابي المصدق لهذه الكلمة الطيبة الكبيرة .

وتذكر هذه الحقيقة واجب على الأمة المسلمة ليذكره الله فلا ينساها . ومن نسيه الله فهو مغمور ضائع لا ذكر له في الأرض ، ولا ذكر له في الملأ الأعلى . ومن ذكر الله ذكره ، ورفع من وجوده وذكره في هذا الكون العريض .

ولقد ذكر المسلمون الله فذكرهم ، ورفع ذكرهم ، ومكنهم من القيادة الراشدة . ثم نسوه فنسيهم فإذا هم همل ضائع ، وذيل تافه ذليل . . والوسيلة قائمة . والله يدعوهم في قرآنه الكريم : ( فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون ) . .