مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{أَمَّن جَعَلَ ٱلۡأَرۡضَ قَرَارٗا وَجَعَلَ خِلَٰلَهَآ أَنۡهَٰرٗا وَجَعَلَ لَهَا رَوَٰسِيَ وَجَعَلَ بَيۡنَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ حَاجِزًاۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ} (61)

{ أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون } .

النوع الثاني : ما يتعلق بالأرض

قال صاحب الكشاف : { أمن جعل } وما بعده بدل من { أمن خلق } فكان حكمها حكمه .

واعلم أنه تعالى ذكر من منافع الأرض أمورا أربعة :

المنفعة الأولى : كونها قرارا وذلك لوجوه . الأول : أنه دحاها وسواها للاستقرار الثاني : أنه تعالى جعلها متوسطة في الصلابة والرخاوة فليست في الصلابة كالحجر الذي يتألم الإنسان بالاضطجاع عليه وليست في الرخاوة كالماء الذي يغوص فيه . الثالث : أنه تعالى جعلها كثيفة غبراء ليستقر عليها النور ، ولو كانت لطيفة لما استقر النور عليها ، ولو لم يستقر النور عليها لصارت من شدة بردها بحيث تموت الحيوانات . الرابع : أنه سبحانه جعل الشمس بسبب ميل مدارها عن مدار منطقة الكل بحيث تبعد تارة وتقرب أخرى من سمت الرأس ، ولولا ذلك لما اختلفت الفصول ، ولما حصلت المنافع . الخامس : أنه سبحانه وتعالى جعلها ساكنة فإنها لو كانت متحركة لكانت إما متحركة على الاستقامة أو على الاستدارة ، وعلى التقديرين لا يحصل الانتفاع بالسكنى على الأرض . السادس : أنه سبحانه جعلها كفاتا للأحياء والأموات وأنه يطرح عليها كل قبيح ويخرج منها كل مليح .

المنفعة الثانية الأرض : قوله : { وجعل خلالها أنهارا } فاعلم أن أقسام المياه المنبعثة عن الأرض أربعة . الأول : ماء العيون السيالة وهي تنبعث من أبخرة كثيرة المادة قوية الاندفاع تفجر الأرض بقوة ، ثم لا يزال يستتبع جزء منها جزءا . الثاني : ماء العيون الراكدة وهي تحدث من أبخرة بلغت من قوتها أن اندفعت إلى وجه الأرض ولم تبلغ من قوتها وكثرة مادتها أن يطرد تاليها سابقها . الثالث : مياه القنى والأنهار وهي متولدة من أبخرة ناقصة القوة على أن تشق الأرض ، فإذا أزيل عن وجهها ثقل التراب صادفت حينئذ تلك الأبخرة منفذا تندفع إليه بأدنى حركة . الرابع : مياه الآبار وهي نبعية كمياه الأنهار إلا أنه لم يجعل له سيل إلى موضع يسيل إليه ونسبة القنى إلى الآبار نسبة العيون الراكدة فقد ظهر أنه لولا صلابة الأرض لما اجتمعت تلك الأبخرة في باطنها إذ لولا اجتماعها في باطنها لما حدثت هذه العيون في ظاهرها .

المنفعة الثالثة للأرض : قوله : { وجعل لها رواسي } والمراد منها الجبال ، فنقول أكثر العيون والسحب والمعدنيات إنما تكون في الجبال أو فيما يقرب منها ، أما العيون فلأن الأرض إذا كانت رخوة نشفت الأبخرة عنها فلا يجتمع منها قدر يعتد به ، فإذن هذه الأبخرة لا تجتمع إلا في الأرض الصلبة والجبال أصلب الأرض ، فلا جرم كانت أقواها على حبس هذا البخار حتى يجتمع ما يصلح أن يكون مادة للعيون ويشبه أن يكون مستقر الجبل مملوءا ماء ، ويكون الجبل في حقنه الأبخرة مثل الأنبيق الصلب المعد للتقطير لا يدع شيئا من البخار يتحلل ونفس الأرض التي تحته كالقرعة والعيون كالأذناب والبخار كالقوابل ، ولذلك فإن أكثر العيون إنما تنفجر من الجبال وأقلها في البراري ، وذلك الأقل لا يكون إلا إذا كانت الأرض صلبة . وأما أن أكثر السحب تكون في الجبال فلوجوه ثلاثة أحدها : أن في باطن الجبال من النداوات ما لا يكون في باطن الأرضين الرخوة . وثانيها : أن الجبال بسبب ارتفاعها أبرد فلا جرم يبقى على ظاهرها من الأنداء ومن الثلوج ما لا يبقى على ظهر سائر الأرضين . وثالثها : أن الأبخرة الصاعدة تكون محبوسة بالجبال فلا تتفرق ولا تتحلل ، وإذا ثبت ذلك ظهر أن أسباب كثرة السحب في الجبال أكثر لأن المادة فيها ظاهرا وباطنا أكثر ، والاحتقان أشد والسبب المحلل وهو الحر أقل ، فلذلك كانت السحب في الجبال أكثر . وأما المعدنيات المحتاجة إلى أبخرة يكون اختلاطها بالأرضية أكثر وإلى بقاء مدة طويلة يتم النضج فيها فلا شيء لها في هذا المعنى كالجبال .

المنفعة الرابعة للأرض : قوله : { وجعل بين البحرين حاجزا } فالمقصود منه أن لا يفسد العذب بالاختلاط ، وأيضا فلينتفع بذلك الحاجز ، وأيضا المؤمن في قلبه بحران بحر الإيمان والحكمة وبحر الطغيان والشهوة وهو بتوفيقه جعل بينهما حاجزا لكي لا يفسد أحدهما بالآخر ، وقال بعض الحكماء في قوله : { مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان } قال عند عدم البغي { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } فعند عدم البغي في القلب يخرج الدين والإيمان بالشكر ، فإن قيل ولم جعل البحر ملحا ؟ قلنا لولا ملوحته لأجن{[17]} وانتشر فساد أجونته في الأرض وأحدث الوباء العام ، واعلم أن اختصاص البحر بجانب من الأرض دون جانب أمر غير واجب بل الحق أن البحر ينتقل في مدد لا تضبطها التواريخ المنقولة من قرن إلى قرن لأن استمداد البحر في الأكثر من الأنهار ، والأنهار تستمد في الأكثر من العيون ، وأما مياه السماء فإن حدوثها في فصل بعينه دون فصل ، ثم لا العيون ولا مياه السماء يجب أن تتشابه أحوالها في بقاع واحدة بأعيانها تشابها مستمرا فإن كثيرا من العيون يغور ، وكثيرا ما تقحط السماء فلابد حينئذ من نضوب الأودية والأنهار فيعرض بسبب ذلك نضوب البحار ، وإذا حدثت العيون من جانب آخر حدثت الأنهار هناك فحصلت البحار من ذلك الجانب ، ثم إنه سبحانه لما بين أنه هو المختص بالقدرة على خلق الأرض التي فيها هذه المنافع الجليلة وجب أن يكون هو المختص بالإلهية ، ونبه بقوله تعالى : { بل أكثرهم لا يعلمون } على عظم جهلهم بالذهاب عن هذا التفكر .


[17]:أجن الماء: صار آجنا أي تغير لونه أو طعمه أو ريحه وفسد.
 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَمَّن جَعَلَ ٱلۡأَرۡضَ قَرَارٗا وَجَعَلَ خِلَٰلَهَآ أَنۡهَٰرٗا وَجَعَلَ لَهَا رَوَٰسِيَ وَجَعَلَ بَيۡنَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ حَاجِزًاۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ} (61)

59

ثم ينتقل بهم إلى حقيقة كونية أخرى ، يواجههم بها كما واجههم بحقيقة الخلق الأولى :

( أم من جعل الأرض قرارا ، وجعل خلالها أنهارا ، وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا ? ) . .

لقد كانت الحقيقة الكونية الأولى هي حقيقة خلق السماوات والأرض . أما هذه فهي الهيئة التي خلق عليها الأرض . لقد جعلها قرارا للحياة ، مستقرة مطمئنة صالحة يمكن أن توجد فيها الحياة وتنمو وتتكاثر . ولو تغير وضعها من الشمس والقمر ؛ أو تغير شكلها ، أو تغير حجمها ، أو تغيرت عناصرها والعناصر المحيطة في الجو بها ، أو تغيرت سرعة دورتها حول نفسها ، أو سرعة دورتها حول الشمس ، أو سرعة دورة القمر حولها . . . إلى آخر هذه الملابسات الكثيرة التي لا يمكن أن تتم مصادفة ، وأن تتناسق كلها هذا التناسق . . لو تغير شيء من هذا كله أدنى تغيير ، لما كانت الأرض قرارا صالحا للحياة .

وربما أن المخاطبين إذ ذاك لم يكونوا يدركون من قوله تعالى : ( أم من جعل الأرض قرارا ? )كل هذه العجائب . ولكنهم كانوا يرون الأرض مستقرا صالحا للحياة على وجه الإجمال ؛ ولا يملكون أن يدعوا أن أحدا من آلهتهم كان له شرك في خلق الأرض على هذا المنوال . وهذا يكفي . ثم يبقى النص بعد ذلك مفتوحا للأجيال وكلما اتسع علم البشر أدركوا شيئا من معناه الضخم المتجدد على توالي الأجيال . وتلك معجزة القرآن في خطابه لجميع العقول ، على توالي الأزمان !

( أم من جعل الأرض قرارا . وجعل خلالها أنهارا ? ) . .

والأنهار في الأرض هي شرايين الحياة ، وهي تنتشر فيها إلى الشرق وإلى الغرب ، وإلى الشمال وإلى الجنوب ، تحمل معها الخصب والحياة والنماء . والأنهار تتكون من تجمع مياه الأمطار وجريانها وفق طبيعة الأرض . والله الذي خلق هذا الكون هو الذي قدر في تصميمه إمكان تكون السحب ، ونزول المطر ، وجريان الأنهار . وما يملك أحد أن يقول : إن أحدا سوى الخالق المدبر قد شارك في خلق هذا الكون على هذا النحو ؛ وجريان الأنهار حقيقة واقعة يراها المشركون . فمن ذا أوجد هذه الحقيقة ? ( أإله مع الله ? ) .

( وجعل لها رواسي ) . .

والرواسي : الجبال . وهي ثابتة مستقرة على الأرض . وهي في الغالب منابع الأنهار ، حيث تجري منها مياه الأمطار إلى الوديان ؛ وتشق مجراها بسبب تدفقها من قمم الجبال العالية بعنف وقوة .

والرواسي الثابتة تقابل الأنهار الجارية في المشهد الكوني الذي يعرضه القرآن هنا والتقابل التصويري ملحوظ في التعبير القرآني وهذا واحد منه . لذلك يذكر الرواسي بعد الأنهار .

( وجعل بين البحرين حاجزا ) . .

البحر الملح الاجاج ، والنهر العذب الفرات . سماهما بحرين على سبيل التغليب من حيث مادتهما المشتركة وهي الماء . والحاجز في الغالب هو الحاجز الطبيعي ، الذي يجعل البحر لا يفيض على النهر فيفسده . إذ أن مستوى سطح النهر أعلى من مستوى سطح البحر . وهذا ما يحجز بينهما مع أن الأنهار تصب في البحار ، ولكن مجرى النهر يبقىمستقلا لا يطغى عليه البحر . وحتى حين ينخفض سطح النهر عن سطح البحر لسبب من الأسباب فإن هذا الحاجز يظل قائما من طبيعة كثافة ماء البحر وماء النهر . إذ يخف ماء النهر ويثقل ماء البحر فيظل مجرى كل منهما مميزا لا يمتزجان ولا يبغي أحدهما على الآخر . وهذا من سنن الله في خلق هذا الكون ، وتصميمه على هذا النحو الدقيق .

فمن فعل هذا كله ? من ? ( أإله مع الله ? ) . .

وما يملك أحد أن يدعي هذه الدعوى . ووحدة التصميم أمامه تجبره على الاعتراف بوحدة الخالق . . ( بل أكثرهم لا يعلمون ) . .

ويذكر العلم هنا لأن هذه الحقيقة الكونية تحتاج إلى العلم لتملي الصنعة فيها والتنسيق ، وتدبر السنة فيها والناموس . ولأن التركيز في السورة كلها على العلم [ كما ذكرنا في تلخيص السورة في الجزء الماضي ] .