البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{وَلَوۡ نَشَآءُ لَطَمَسۡنَا عَلَىٰٓ أَعۡيُنِهِمۡ فَٱسۡتَبَقُواْ ٱلصِّرَٰطَ فَأَنَّىٰ يُبۡصِرُونَ} (66)

والظاهر أن الأعين هي الأعضاء المبصرة ، والمعنى : لأعميناهم فلا يرون كيف يمشون ، قاله الحسن وقتادة ، ويؤيده مناسبة المسخ ، فهم في قبضة القدرة وبروج العذاب إن شاءه الله لهم .

وقال ابن عباس : أراد عين البصائر ، والمعنى : ولو نشاء لختمت عليهم بالكفر فلا يهتدي منهم أحد أبداً .

والطمس : إذهاب الشيء وأثره جملة حتى كأنه لم يوجد .

فإن أريد بالأعين الحقيقة ، فالظاهر أنه يطمس بمعنى يمسخ حقيقة ، ويجوز أن يكون الطمس يراد به العمى من غير إذهاب العضو وأثره .

وقرأ الجمهور : { فاستبقوا } ، فعلاً ماضياً معطوفاً على { لطمسنا } ، وهو على الفرض والتقدير .

والصراط منصوب على تقدير إلى حذفت ووصل الفعل ، والأصل فاستبقوا إلى الصراط ، أو مفعولاً به على تضمين استبقوا معنى تبادروا ، وجعله مسبوقاً إليه .

قال الزمخشري : أو ينتصب على الظرف ، وهذا لا يجوز ، لأن الصراط هو الطريق ، وهو ظرف مكان مختص .

لا يصل إليه الفعل إلا بوساطة في إلا في شذوذ ، كما أنشد سيبويه :

لدن بهز الكف يعسل متنه *** فيه كما عسل الطريق الثعلب

ومذهب ابن الطراوة أن الصراط والطريق والمخرم ، وما أشبهها من الظروف المكانية ليست مختصة ، فعلى مذهبة يسوع ما قاله الزمخشري .

وقرأ عيسى : فاستبقوا على الأمر ، وهو على إضمار القول ، أي فيقال لهم استبقوا الصراط ، وهذا على سبيل التعجيز ، إذ لا يمكنهم الاستباق مع طمس الأعين .

{ فأنى يبصرون } : أي كيف يبصر من طمس على عينه ؟ والظاهر أن المسخ حقيقة ، وهو تبديل صورهم بصور شنيعة .