مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{أَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الماعون

{ بسم الله الرحمن الرحيم أرأيت الذي يكذب بالدين } فيه مسائل :

المسألة الأولى : قرأ بعضهم { أريت } بحذف الهمزة ، قال الزجاج : وهذا ليس بالاختيار ، لأن الهمزة إنما طرحت من المستقبل نحو يرى وأرى وترى ، فأما رأيت فليس يصح عن العرب فيها ريت ، ولكن حرف الاستفهام لما كان في أول الكلام سهل إلغاء الهمزة ، ونظيره :

صاح هل ريت أو سمعت براع *** رد في الضرع ما قرى في العلاب

وقرأ ابن مسعود ( أرأيتك ) بزيادة حرف الخطاب كقوله : { أرأيتك هذا الذي كرمت علي } .

المسألة الثانية : قوله : { أرأيت } معناه هل عرفت الذي يكذب بالجزاء من هو ، فإن لم تعرفه : ( فهو الذي يدع اليتيم ) .

واعلم أن هذا اللفظ وإن كان في صورة الاستفهام ، لكن الغرض بمثله المبالغة في التعجب كقولك : أرأيت فلانا ماذا ارتكب ولماذا عرض نفسه ؟ ثم قيل : إنه خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ، وقيل : بل خطاب لكل عاقل أي أرأيت يا عاقل هذا الذي يكذب بالدين بعد ظهور دلائله ووضوح تبيانه أيفعل ذلك لا لغرض ، فكيف يليق بالعاقل جر العقوبة الأبدية إلى نفسه من غير غرض أو لأجل الدنيا ، فكيف يليق بالعاقل أن يبيع الكثير الباقي بالقليل الفاني .

المسألة الثالثة : في الآية قولان : ( أحدهما ) أنها مختصة بشخص معين ، وعلى هذا القول ذكروا أشخاصا ، فقال ابن جريج : نزلت في أبي سفيان كان ينحر جزورين في كل أسبوع ، فأتاه يتيم فسأله لحما فقرعه بعصاه ، وقال مقاتل : نزلت في العاص بن وائل السهمي ، وكان من صفته الجمع بين التكذيب بيوم القيامة ، والإتيان بالأفعال القبيحة ، وقال السدي : نزلت في الوليد بن المغيرة ، وحكى الماوردي أنها نزلت في أبي جهل ، وروي أنه كان وصيا ليتيم ، فجاءه وهو عريان يسأله شيئا من مال نفسه ، فدفعه ولم يعبأ به فأيس الصبي ، فقال له أكابر قريش : قل لمحمد يشفع لك ، وكان غرضهم الاستهزاء ولم يعرف اليتيم ذلك ، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم والتمس منه ذلك ، وهو عليه الصلاة والسلام ما كان يرد محتاجا فذهب معه إلى أبي جهل فرحب به وبذل المال لليتيم فعيره قريش ، فقالوا : صبوت ، فقال : لا والله ما صبوت ، لكن رأيت عن يمينه وعن يساره حربة خفت إن لم أجبه يطعنها في ، وروي عن ابن عباس أنها نزلت في منافق جمع بين البخل والمراءاة .

والقول الثاني : أنه عام لكل من كان مكذبا بيوم الدين ، وذلك لأن إقدام الإنسان على الطاعات وإحجامه عن المحظورات إنما يكون للرغبة في الثواب والرهبة عن العقاب ، فإذا كان منكرا للقيامة لم يترك شيئا من المشتهيات واللذات ، فثبت أن إنكار القيامة كالأصل لجميع أنواع الكفر والمعاصي .

المسألة الرابعة : في تفسير الدين وجوه ( أحدها ) : أن يكون المراد من يكذب بنفس الدين والإسلام إما لأنه كان منكرا للصانع ، أو لأنه كان منكرا للنبوة ، أو لأنه كان منكرا للمعاد أو لشيء من الشرائع ، فإن قيل : كيف يمكن حمله على هذا الوجه ، ولابد وأن يكون لكل أحد دين ( والجواب ) : من وجوه ( أحدها ) : أن الدين المطلق في اصطلاح أهل الإسلام ، والقرآن هو الإسلام قال الله تعالى :

{ إن الدين عند الله الإسلام } أما سائر المذاهب فلا تسمى دينا إلا بضرب من التقييد كدين النصارى واليهود ( وثانيها ) : أن يقال : هذه المقالات الباطلة ليست بدين ، لأن الدين هو الخضوع لله وهذه المذاهب إنما هي خضوع للشهوة أو للشبهة ( وثالثها ) : وهو قول أكثر المفسرين . أن المراد أرأيت الذي يكذب بالحساب والجزاء ، قالوا : وحمله على هذا الوجه أولى لأن من ينكر الإسلام قد يأتي بالأفعال الحميدة ويحترز عن مقابحها إذا كان مقرا بالقيامة والبعث ، أما المقدم على كل قبيح من غير مبالاة فليس هو إلا المنكر للبعث والقيامة .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ} (1)

مقدمة السورة:

تفسير سورة الماعون

أهداف سورة الماعون

( الآيات الثلاث الأولى من سورة الماعون مكية ، وبقية السورة مدنية ، وآياتها 7 آيات ، نزلت بعد سورة التكاثر )

وهي سورة ذات معنى أصيل في الشريعة ، تعالج حقيقة ضخمة ، هي أن هذا الدين ليس مظاهر وطقوسا ، ولكنه عقيدة صادقة ، ويقين ثابت ، وإخلاص لله ، ويتمثل هذا اليقين في سلوك نافع ، وحياة مستقيمة . كما أن هذا الدين ليس أجزاء وتفاريق موزعة منفصلة ، وإنما هو منهج متكامل ، تتعاون عباداته وشعائره في تحقيق الخير للفرد والجماعة .

مع آيات السورة

1- أرأيت الذي يكذّب بالدين . أي : هل عرفت ذلك الذي يكذب بما وراء إدراكه من الأمور الإلهية والشئون الغيبية ، بعد أن ظهر له الدليل القاطع والبرهان الساطع .

قال ابن جريح : نزلت في أبي سفيان ، كان ينحر جزورين في كل أسبوع ، فأتاه يتيم فسأله لحما فقرعه بعصاه .

وقال مقاتل : نزلت في العاص بن وائل السهمي ، وكان من صفته الجمع بين التكذيب بيوم القيامة والإتيان بالأفعال القبيحة .

وعن السدي : نزلت في الوليد بن المغيرة .

وقيل : في أبي جهل ، وحكى المارودي أنه كان وصيا ليتيم فجاءه وهو عريان يسأله شيئا من مال نفسه ، فدفعه ولم يعبأ به ، فأيس الصبي ، فقال له أكابر قريش استهزاء : قل لمحمد يشفع لك ، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم والتمس منه الشفاعة ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يرد محتاجا ، فذهب معه إلى أبي جهل فقام أبو جهل ورحب به وبذل المال لليتيم ، فعيرته قريش وقالوا له : صبأت ، فقال : لا والله ما صبأت ، ولكن رأيت عن يمينه وعن يساره حربة ، خفت إن لم أجبه أن يطعنها فيّ .

وقال كثير من المفسرين : إنه عام لكل من كان مكذبا بيوم الدين .

2- فذلك الذي يدعّ اليتيم . أي : فذلك المكذب بالدين هو الذي يدع اليتيم ، ويزجره زجرا عنيفا ، لقد خلا من الرحمة ، وامتلأ بالكبر والغطرسة ، ولذلك أهان اليتيم وآذاه ، واليتيم مظهر من مظاهر الضعف ، فقد فقد الأب الذي يحميه ، والعائل الذي يحنو عليه ، ومن واجب المجتمع أن يتعاون على إكرامه ، والأخذ بيده حتى ينشأ عزيزا كريما . إن كل فرد معرّض لأن يفاجئه الموت وأن يترك أولاده يتامى ، فليعامل اليتيم بما يحب أن يعامل به أولاده لو كانوا يتامى .

قال تعالى : وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرّية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا . ( النساء : 9 ) .

وقد تكررت وصايا القرآن برعاية اليتيم والمحافظة على ماله ، والتحذير من تضييع حقه ، ورد ذلك في السور المكية والسور المدنية ، ففي هذه الآيات وفي سورة الضحى –وهي من أوائل ما نزل من القرآن- وصية باليتيم ، وفي صدر سورة النساء المدنية تفصيل واف لرعاية اليتيم بدأ بقوله تعالى : وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدّلوا الخبيث بالطّيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا . ( النساء : 2 ) .

وقد وردت عدة وصايا باليتيم في الآيات : السادسة ، والعاشرة ، والسادسة والعشرين من سورة النساء . كما تكررت الوصية باليتيم في آيات القرآن ، وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( خير بيوت المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه ، وشر بيوت المسلمين بين فيه يتيم يساء إليه ) .

3- ولا يحضّ على طعام المسكين . أي : ولا يحث على إطعام المسكين .

قال الإمام محمد عبده : وهو كناية عن الذي لا يجود بشيء من ماله على الفقير المحتاج إلى القوت ، الذي لا يستطيع كسبا .

وليس المسكين هو الذي يطلب منك أن تعطيه وهو قادر على قوت يومه ، بل هذا هو الملحف الذي يجوز الإعراض عنه ، وتأديبه بمنعه ما يطلب ، وإنما جاء بالكناية ليفيدك أنه إذا عرضت حاجة المسكين ولم تجد ما تعطيه ، فعليك أن تطلب من الناس أن يعطوه ، وفيه حث للمصدقين بالدين على إغاثة الفقراء ولو بجمع المال من غيرهم ، وهي طريقة الجمعيات الخيرية ، فأصلها ثابت في الكتاب بهذه الآية ، وبنحو قوله تعالى في سورة الفجر : كلاّ بل لا تكرمون اليتيم* ولا تحاضّون على طعام المسكين . ( الفجر : 17 ، 18 ) . ونعمت الطريقة هي لإغاثة الفقراء ، وسد شيء من حاجات المساكين .

( إن حقيقة التصدق بالدين ليست كلمة تقال باللسان ، إنما هي تحول في القلب يدفعه إلى الخير والبر بإخوانه في البشرية ، المحتاجين إلى الرعاية والحماية ، والله لا يريد من الناس كلمات ، إنما يريد منهم معها أعمالا تصدقها ، وإلا فهي هباء لا وزن لها عنده ولا اعتبار . وليس أصرح من هذه الآيات الثلاث في تقرير هذه الحقيقة التي تمثل روح هذه العقيدة ، وطبيعة هذا الدين أصدق تمثيل )i .

4 ، 5- فويل للمصلين* الذين هم عن صلاتهم ساهون . أي : إذا عرفت أن المكذب بالدين هو الذي أقفر قلبه من الرحمة ، وأجدب من العدل والمكرمة ، ( فويل لأولئك الذين يصلّون ، ويؤدون ما يسمى صلاة في عرفهم من الأقوال والأفعال وهم مع ذلك ساهون عن صلاتهم ، أي غافلة قلوبهم عما يقولون وما يفعلون ، فهو يركع في ذهول عن ركوعه ، ويسجد في لهوة عن سجوده )ii . وإنما هي حركات اعتادها ، وأدعية حفظها ، ولكن قلبه لا يعيش معها ، ولا يعيش بها ، وروحه لا تستحضر حقيقة الصلاة ، وحقيقة ما فيها .

6- الذين هم يراءون . أي : يفعلون ما يرى للناس فقط ، ولا يستشعرون من روح العبادة ما أوجب الله على النفوس أن تستشعره .

( إنهم يصلّون رياء للناس لا إخلاصا لله ، ومن ثم فهم ساهون عن صلاتهم وهم يؤدونها ، ساهون عنها لم يقيموها ، والمطلوب هو إقامة الصلاة لا مجرد أدائها ، وإقامتها لا تكون إلا باستحضار حقيقتها والقيام لله وحده بها ) . iii .

7- ويمنعون الماعون . أي : يمنعون المساعدة عن المستحق لها ، أو يمنعون ما اعتاد الناس قضاءه وتداوله فيما بينهم ، تعاونا وتآزرا ، ولا يمنعه إلا كل شحيح يكره الخير .

( إنهم يمنعون المعونة والبر والخير عن إخوانهم في البشرية ، يمنعون الماعون عن عباد الله ، ولو كانوا يقيمون الصلاة حقا لله ما منعوا العون عن عباده ، فهذا هو محك العبادة الصادقة المقبولة عند الله )iv .

( وأكثر المفسرين على أن الماعون اسم جامع لما لا يمنع في العادة ، ويسأله الفقير والغني في أغلب الأحوال ، ولا ينسب سائله إلى لؤم بل ينسب مانعه إلى اللؤم والبخل ، كالفأس والقدر والدلو والغربال والقدوم ، ويدخل فيه الماء والملح والنار ، لما روي : ( ثلاثة لا يحل منعها : الماء والنار والملح ) .

وقد تسمى الزكاة ماعونا ، لأنه بسببها يؤخذ من المال ربع العشر ، وهو قليل من كثير .

قال العلماء : ومن الفضائل أن يستكثر الرجل في منزله مما يحتاج إليه الجيران فيعيرهم ذلك ، ولا يقتصر على قدر الضرورة ، وقد يكون منع هذه الأشياء محظورا في الشريعة إذا استعيرت عن اضطرار )v .

إن الشرائع السماوية إنما أنزلت لتهذيب الضمير ، ونقاء القلوب ، وصفاء النفوس ، وتقويم السلوك ، وبذلك تسمو الحياة ، ويسود الحب والتآلف ، والإخاء والتكافل الجميل .

مقاصد السورة

1- الدين ليس رسوما وطقوسا ، ولكنه عقيدة صادقة وسلوك مستقيم .

2- الدين الحق صلاة خاشعة ، ورعاية لليتيم ، وحماية للمسكين ، ومساعدة للمحتاجين .

3- المكذب بالدين له سمات وصفات ، هي : إذلاله لليتيم ، عدم رحمة المسكين ، الانشغال عن الصلاة ، الرياء والنفاق ، منع العون والمعونة عن المحتاج إليها .

بسم الله الرحمان الرحيم

{ أرأيت الذي يكذّب بالدين 1 فذلك الذي يدعّ اليتيم 2 ولا يحضّ على طعام المسكين 3 فويل للمصلين 4 الذين هم عن صلاتهم ساهون 5 الذين هم يراءون 6 ويمنعون الماعون 7 }

المفردات :

أرأيت الذي يكذب بالدين : الخطاب موجه للنبي صلى الله عليه وسلم ابتداء ، والمراد بالدين : الحساب والجزاء .

التفسير :

1- أرأيت الذي يكذّب بالدين .

هل شاهدت هذا الصنف من الناس الذي يكذّب بيوم الجزاء ، ويكفر بالبعث والحشر ، والثواب والعقاب ، وقد ورد أنها نزلت في عدد من رؤوس الكفر ، كفروا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وظلموا اليتامى وأكلوا حقوقهم ، ولم يعطفوا على الضعفاء ولم يساعدوهم ، لذلك نجد فريقا من المفسرين يقول : إن الآيات الثلاث الأولى تتحدث عن الكافرين ، والآيات الأربع الأخيرة تتحدث عن المنافقين . vi

وفريقا آخر يرى أن الآيات الكريمة في سورة الماعون تنطبق على المسلمين الذين يزعمون أنهم مسلمون ، لكن تصديقهم بالدين أصبح ضعيفا أو باهتا ، بدليل حبس أموالهم ومعروفهم عن اليتيم والمسكين ، ودخولهم في الصلاة بدون قلب حاضر ، وإنما هو الرياء والتظاهر ، ولا يهتمون بالتعاون لرفع مستوى معيشة الفقراء والمساكينvii .

وعند التأمل نجد أن السورة يمكن أن تنطبق على الكافرين والمنافقين كما ذهب الفريق الأول ، كما يمكن أن تشمل ضعفاء الإيمان الذين لا يقومون بحق الله كاملا ، ولا يؤدون حقوق العباد على الوجه السليم ، كما ذهب الفريق الثاني .