مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَيَمۡنَعُونَ ٱلۡمَاعُونَ} (7)

ثم لما شرح أمر الصلاة أعقبه بذكر الصلاة فقال : { ويمنعون الماعون } وفيه أقوال : ( الأول ) وهو قول أبي بكر وعلي وابن عباس وابن الحنفية وابن عمر والحسن وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والضحاك : هو الزكاة ، وفي حديث أبي : «من قرأ سورة { أرأيت } غفر الله له إن كان للزكاة مؤديا » وذلك يوهم أن ( الماعون ) هو الزكاة ، ولأن الله تعالى ذكره عقيب الصلاة ، فالظاهر أن يكون ذلك هو الزكاة ( والقول الثاني ) : وهو قول أكثر المفسرين ، أن ( الماعون ) اسم لما لا يمنع في العادة ويسأله الفقير والغني ، ينسب مانعه إلى سوء الخلق ولؤم الطبيعة ، كالفأس والقدر والدلو والمقدحة والغربال والقدوم ، ويدخل فيه الملح والماء والنار . فإنه روي : «ثلاثة لا يحل منعها ، الماء والنار والملح » ومن ذلك أن يلتمس جارك أن يخبز في تنورك ، أو يضع متاعه عندك يوما أو نصف يوم ، وأصحاب هذا القول قالوا : الماعون فاعول من المعن . وهو الشيء القليل ومنه ماله سعته ولا معنة أي كثير ولا قليل ، وسميت الزكاة ماعونا ، لأنه يؤخذ من المال ربع العشر ، فهو قليل من كثير ، ويسمى ما يستعار في العرف كالفأس والشفرة ماعونا ، وعلى هذا التقدير يكون معنى الآية الزجر عن البخل بهذه الأشياء القليلة ، فإن البخل بها يكون في نهاية الدناءة والركاكة ، والمنافقون كانوا كذلك ، لقوله تعالى : { الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل } وقال : { مناع للخير معتد أثيم } قال العلماء : ومن الفضائل أن يستكثر الرجل في منزله مما يحتاج إليه الجيران ، فيعيرهم ذلك ولا يقتصر على الواجب ( والقول الثالث ) : قال الفراء : سمعت بعض العرب يقول : الماعون هو الماء وأنشدني فيه :

يمج بعيره الماعون مجا *** . . .

ولعله خصه بذلك لأن أعز مفقود وأرخص موجود ، وأول شيء يسأله أهل النار الماء ، كما قال : { أن أفيضوا علينا من الماء } وأول لذة يجدها أهل الجنة هو الماء ، كما قال : { وسقاهم ربهم } ( القول الرابع ) : ( الماعون ) حسن الانقياد ، يقال : رض بعيرك حتى يعطيك الماعون ، أي حتى يعطيك الطاعة .

واعلم أن الأولى أن يحمل على كل طاعة يخف فعلها لأنه أكثر فائدة ، ثم قال المحققون في الملاءمة : بين قوله : { يراءون } وبين قوله : { ويمنعون الماعون } كأنه تعالى يقول الصلاة لي والماعون للخلق ، فما يجب جعله لي يعرضونه على الخلق وما هو حق الخلق يسترونه عنهم فكأنه لا يعامل الخلق والرب إلا على العكس ( فإن قيل ) لم لم يذكر الله اسم الكافر بعينه ؟ فإن قلت للستر عليه ، قلت لم لم يستر على آدم بل قال : { وعصى آدم ربه } ؟ ( والجواب ) : أنه تعالى ذكر زلة آدم لكن بعد موته مقرونا بالتوبة ليكون لطفا لأولاده ، أنه أخرج من الجنة بسبب الصغيرة فكيف يطمعون في الدخول مع الكبيرة ، وأيضا فإن وصف تلك الزلة رفعة له فإنه رجل لم يصدر عنه إلا تلك الزلة الواحدة ثم تاب عنها مثل هذه التوبة .

ولنختم تفسير هذه السورة بالدعاء : إلهنا ، هذه السورة في ذكر المنافقين والسورة التي بعدها في صفة محمد صلى الله عليه وسلم فنحن وإن لم نصل في الطاعة إلى محمد عليه الصلاة والسلام وإلى أصحابه ، لم نصل في الأفعال القبيحة إلى هؤلاء المنافقين ، فاعف عنا بفضلك يا أرحم الراحمين ، وصلى الله على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَيَمۡنَعُونَ ٱلۡمَاعُونَ} (7)

المفردات :

الماعون : المراد بالماعون : الزكاة ، ومن معانيه : المعروف ، والماء ، وكل ما ينتفع به ، أو كل مستعار بين الجيران من فأس وقدر ودلو ونحو ذلك .

التفسير :

7- ويمنعون الماعون .

أي : يمنعون الزكاة عن أصحابها ، أو يمنعون الصدقة والمعروف .

وسئل ابن مسعود عن الماعون : فقال : هو ما يتعاطاه الناس بينهم من الفأس والقدر والدلو ، وأشباه ذلك من متاع البيت .

وقال عكرمة : رأس الماعون زكاة المال ، وأدناه المنخل والدلو والإبرة . اه .

أي أن الماعون يشمل كل معونة كبيرة أو صغيرة ، للفرد أو الجماعة ، فالمؤمن نافع لإخوانه ، مهتم بشئون المسلمين ، ولهذا جاء في الحديث : ( كل معروف صدقة ) .

ختام السورة:

( تم بحمد الله تعالى وتوفيقه تفسير سورة الماعون )

i في ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب 30/680 .

ii تفسير جزء عم للإمام محمد عبده ص 124 .

iii في ظلال القرآن 30/681 .

iv المرجع السابق .

v تفسير النيسابوري بهامش تفسير الطبري 30/1974 ، طبعة بولاق .

vi صفوة التفاسير محمد علي الصابوني 3/608 -609 .

vii تفسير جزء عم للشيخ محمد عبده مطابع الشعب 124 .

viii التفسير الكبير للإمام فخر الدين الرازي .

ix تلك صلاة المنافق :

رواه مالك في النداء للصلاة ( 512 ) ومسلم في المساجد ( 622 ) وأبو داود في الصلاة ( 413 ) والترمذي في الصلاة ( 160 ) والنسائي في المواقيت ( 511 ) وأحمد في مسنده ( 11588 ) من حديث العلاء بن عبد الرحمان أنه دخل على أنس ابن مالك في داره بالبصرة حين انصرف من الظهر وداره بجنب المسجد فلما دخلنا عليه قال : أصليتم العصر ؟ فقلنا له : إنما انصرفنا الساعة من الظهر قال : فصلوا العصر ، فقمنا فصلينا فلما انصرفنا قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا ) .

وروى البخاري في المواقيت ( 549 ) مختصرا ولم يذكر فيه شاهد الحديث : ( تلك صلاة المنافق . . . ) .

x صفوة التفاسير محمد علي الصابوني 3/681 .