مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{قَالَتۡ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمۡتُنَّنِي فِيهِۖ وَلَقَدۡ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفۡسِهِۦ فَٱسۡتَعۡصَمَۖ وَلَئِن لَّمۡ يَفۡعَلۡ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسۡجَنَنَّ وَلَيَكُونٗا مِّنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ} (32)

قوله تعالى { قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين }

اعلم أن النسوة لما قلن في امرأة العزيز قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين ، عظم ذلك عليها فجمعتهن { فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن } فعند ذلك ذكرت أنهن باللوم أحق لأنهن بنظرة واحدة لحقهن أعظم مما نالها مع أنه طال مكثه عندها .

فإن قيل : فلم قالت : { فذلكن } مع أن يوسف عليه السلام كان حاضرا ؟

والجواب عنه من وجوه : الأول : قال ابن الأنباري : أشارت بصيغة ذلكن إلى يوسف بعد انصرافه من المجلس . والثاني : وهو الذي ذكره صاحب «الكشاف » وهو أحسن ما قيل : إن النسوة كن يقلن إنها عشقت عبدها الكنعاني ، فلما رأينه ووقعن في تلك الدهشة قالت : هذا الذي رأيتموه هو ذلك العبد الكنعاني الذي لمتنني فيه يعني : أنكن لم تتصورنه حق تصوره ولو حصلت في خيالكن صورته لتركتن هذه الملامة .

واعلم أنها لما أظهرت عذرها عند النسوة في شدة محبتها له كشفت عن حقيقة الحال فقالت : { ولقد راودته عن نفسه فاستعصم } .

واعلم أن هذا تصريح بأنه عليه السلام كان بريئا عن تلك التهمة ، وعن السدي أنه قال : { فاستعصم } بعد حل السراويل وما الذي يحمله على إلحاق هذه الزيادة الفاسدة الباطلة بنص الكتاب .

ثم قال : { ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين } والمراد أن يوسف عليه السلام إن لم يوافقها على مرادها يوقع في السجن وفي الصغار ، ومعلوم أن التوعد بالصغار له تأثير عظيم في حق من كان رفيع النفس عظيم الخطر مثل يوسف عليه السلام ، وقوله : { وليكونا } كان حمزة والكسائي يقفان على { وليكونا } بالألف ، وكذلك قوله : { لنسفعا } والله أعلم .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قَالَتۡ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمۡتُنَّنِي فِيهِۖ وَلَقَدۡ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفۡسِهِۦ فَٱسۡتَعۡصَمَۖ وَلَئِن لَّمۡ يَفۡعَلۡ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسۡجَنَنَّ وَلَيَكُونٗا مِّنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ} (32)

المفردات :

لمتنني فيه : أي : هذا الذي غبتنّني فيه وعيرتنّني .

فاستعصم : فامتنع ؛ طلبا للعصمة ، وبالغ في ذلك .

من الصاغرين : من الأذلاء .

التفسير :

32 { قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ . . . }

أحست زليخا أنها انتصرت على بنات جنسها ؛ فقد كن يلمنها ، ويتصورن يوسف بصورة أدنى ، فلما شاهدنه ؛ بهرهن جماله ، وشهدن له بأن حسنه ليس لبشر ، بل هو حسن الملاك . أي : أن حسنه خارج عن صفات البشر ، والمراد : الإعجاب والدهشة والانبهار بما يملك يوسف من جمال بارع ، فائق ، خارج عن حد البشر .

وفي صحيح البخاري : أن النبي صلى الله عليه وسلم شاهد في السماء الثالثة يوسف . وقد أعطى شطر الحسن .

ثم وجهت امرأة العزيز الخطاب إلى جمع النسوة فقالت : إن هذا الفتى العبراني ، هو الذي لمتنّني في الافتتان به ، والوقوع في حبه ، وقد فتنكن ؛ فقطعتن أيديكن ، وأنا أعيش معه ليل نهار ، وأشاهده صباح مساء ، ولقد راودته عن نفسه ، وطلبت منه الجماع فامتنع امتناعا كاملا .

وجاء في تفسير الكشاف للزمخشري :

أي : أردت أن أنال وطري منه ، وأن أقضي شهوتي معه ، فامتنع امتناعا شديدا ، وأبى إباء عنيفا . والاستعصام بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ و التحفظ الشديد .

{ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ } .

وجهت زليخا تهديدا إلى يوسف أمام النسوة ، وقد كان أمرها معه سرا لكنها صرحت برغبتها فيه ، وأوعزت إلى النسوة بمعاونتها . ولعل لهذه النسوة من حركاتهن المثيرة ؛ وملابسهن الكاشفة عن مفاتنهن ؛ ما يثير الرغبة ويزلزل كيان المستعصم .

كان يوسف قد امتنع عن مضاجعة المرأة ، فذاقت آلام الهجر ، وسهر الليل ، والحرمان والإحباط ؛ فهددته بأنه إذا أصر على إبائه ، ولم يفعل ما آمره به من المضاجعة ؛ ليوضعن في السجن مع السرّاق والمجرمين والقتلة ، وليذوقن الصغار والذل بينهم ، فقد زهد في أميرة تلبس الحرير والديباج ، متهيأة لتلبية طلبه ، فليذق مثلها سهر الليالي مع المجرمين العتاة ، وليجلس على الأماكن الخشنة ، وليعاني آلاما مبرحة ؛ عقابا له على إهانتي ، وعدم تلبية أمري !

وهكذا نشاهد تعنت المرأة وتبجحها ؛ فهي تجاهر بالمعصية ، وتهدد المستعصم المستقيم ، وتستعين بالنسوة على إغرائه ، وتيسير أمره ؛ حتى يلبي دعوة الفاحشة .

ومن كل ما سبق نشاهد كمال يوسف ، وزهده في هذه المرأة وفي أمثالها ، بل واتجاهه إلى الله تعالى ؛ ليحفظه من هذا الإغراء المتتابع .