مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا رَأَوُاْ ٱلۡأٓيَٰتِ لَيَسۡجُنُنَّهُۥ حَتَّىٰ حِينٖ} (35)

قوله تعالى { ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين }

وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أن زوج المرأة لما ظهر له براءة ساحة يوسف عليه السلام فلا جرم لم يتعرض له ، فاحتالت المرأة بعد ذلك بجميع الحيل حتى تحمل يوسف عليه السلام على موافقتها على مرادها ، فلم يلتفت يوسف إليها ، فلما أيست منه احتالت في طريق آخر وقالت لزوجها : إن هذا العبد العبراني فضحني في الناس يقول لهم : إني راودته عن نفسه ، وأنا لا أقدر على إظهار عذري ، فإما أن تأذن لي فأخرج وأعتذر وإما أن تحبسه كما حبستني ، فعند ذلك وقع في قلب العزيز أن الأصلح حبسه حتى يسقط عن ألسنة الناس ذكر هذا الحديث وحتى تقل الفضيحة ، فهذا هو المراد من قوله { ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين } لأن البداء عبارة عن تغير الرأي عما كان عليه في الأول ، والمراد من الآيات براءته بقد القميص من دبر ، وخمش الوجه ، وإلزام الحكم إياها بقوله : { إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم } وذكرنا أنه ظهرت هناك أنواع أخر من الآيات بلغت مبلغ القطع ولكن القوم سكتوا عنها سعيا في إخفاء الفضيحة .

المسألة الثالثة : قوله : { بدا لهم } فعل وفاعله في هذا الموضع قوله : { الآيات ليسجننه } وظاهر هذا الكلام يقتضي إسناد الفعل إلى فعل آخر ، إلا أن النحويين اتفقوا على أن إسناد الفعل إلى الفعل لا يجوز ، فإذا قلت خرج ضرب لم يفد البتة ، فعند هذا قالوا : تقدير الكلام ثم بدا لهم سجنه ، إلا أنه أقيم هذا الفعل مقام ذلك الاسم ، وأقول : الذوق يشهد بأن جعل الفعل مخبر عنه لا يجوز وليس لأحد أن يقول الفعل خبرا فجعل الخبر مخبرا عنه لا يجوز ، لأنا نقول : الاسم قد يكون خبرا كقولك : زيد قائم فقائم اسم وخبر فعلمنا أن كون الشيء خبرا لا ينافي كونه مخبرا عنه ، بل نقول في هذا المقام : شكوك أحدها : أنا إذا قلنا : ضرب فعل فالمخبر عنه بأنه فعل هو ضرب ، فالفعل صار مخبرا عنه .

فإن قالوا : المخبر عنه هو هذه الصيغة وهي اسم فنقول : فعلى هذا التقدير يلزم أن يكون المخبر عنه بأنه فعل اسم لا فعل وذلك كذب وباطل ، بل نقول المخبر عنه بأنه فعل إن كان فعلا فقد ثبت أن الفعل يصح الإخبار عنه وإن كان اسما كان معناه : أنا أخبرنا عن الاسم بأنه فعل ومعلوم أنه باطل ، وفي هذا الباب مباحث عميقة ذكرناها في «كتب المعقولات » .

المسألة الثالثة : قال أهل اللغة : الحين وقت من الزمان غير محدود يقع على القصير منه ، وعلى الطويل ، وقال ابن عباس : يريد إلى انقطاع المقالة ، وما شاع في المدينة من الفاحشة ، ثم قيل : الحين ههنا خمس سنين ، وقيل : بل سبع سنين ، وقال مقاتل بن سليمان : حبس يوسف اثنتي عشر سنة ، والصحيح أن هذه المقادير غير معلومة ، وإنما القدر المعلوم أنه بقي محبوسا مدة طويلة لقوله تعالى :

{ وادكر بعد أمة }

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا رَأَوُاْ ٱلۡأٓيَٰتِ لَيَسۡجُنُنَّهُۥ حَتَّىٰ حِينٖ} (35)

35 { ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ } .

أي : ثم بدا للعزيز وزوجته وأهل مشورته أن يدخلوه السجن إلى حين ، أي : إلى وقت معين ؛ تنقطع فيه الألسنة عن الكلام عنه ، وعن افتتان زليخا به ، مع أنهم قد شاهدوا العلامات الدالة على براءة يوسف ، ومن هذه العلامات : قد القميص من دبر ، وخمش وجد في وجهه ، وتقطيع النسوة أيديهن .

لكن امرأة العزيز يئست من يوسف ، واشتكت إلى زوجها : بأن يوسف يشيع بين الناس : أن زوجة العزيز راودته ، ويجب أن يوضع في السجن .

وجاء في البحر المحيط : عن ابن عباس :

" فأمر به فحمل على حمار ، وضرب بالطبل ، ونودي عليه في أسواق مصر ، أن يوسف العبراني أراد سيدته فجزاؤه أن يسجن " .

ودخل يوسف السجن بريئا ، تشهد الآيات على براءته ؛ قال الشاعر :

قالوا : تروح إلى السجون فقلت : جيرى *** إن السجون مواطن الآساد

أوكل من دخل السجون بمجرم *** بل كان يوسف ذروة الأمجاد

وجاء في ظلال القرآن :

" وهنا لا بد أن تحفظ سمعة ( البيوتات ) . وإذا عجز رجال البيوتات عن صيانة بيوتهن ونسائهن ، فإنهم ليسوا بعاجزين عن سجن فتى بريء ، كل جريمته أنه لم يستجب ، وأن امرأة من ( الوسط الراقي ) قد فتنت به ، وشهرت بحبه ، ولاكت الألسن حديثها في الأوساط الشعبية " . 18