والأضغاث جمع الضغث وهو الحزمة من أنواع النبت والحشيش بشرط أن يكون مما قام على ساق واستطال قال تعالى : { وخذ بيدك } .
إذا عرفت هذا فنقول : الرؤيا إن كانت مخلوطة من أشياء غير متناسبة كانت شبيهة بالضغث .
المسألة الثانية : أنه تعالى جعل تلك الرؤيا سببا لخلاص يوسف عليه السلام من السجن ، وذلك لأن الملك لما قلق واضطرب بسببه ، لأنه شاهد أن الناقص الضعيف استولى على الكامل القوي فشهدت فطرته بأن هذا ليس بجيد وأنه منذر بنوع من أنواع الشر ، إلا أنه ما عرف كيفية الحال فيه والشيء إذا صار معلوما من وجه وبقي مجهولا من وجه آخر عظم تشوف الناس إلى تكميل تلك المعرفة وقويت الرغبة في إتمام الناقص لا سيما إذا كان الإنسان عظيم الشأن واسع المملكة ، وكان ذلك الشيء دالا على الشر من بعض الوجوه فبهذا الطريق قوى الله داعية ذلك الملك في تحصيل العلم بتعبير هذه الرؤيا ، ثم إنه تعالى أعجز المعبرين اللذين حضروا عند ذلك الملك عن جواب هذه المسألة وعماه عليهم ليصير ذلك سببا لخلاص يوسف من تلك المحنة .
واعلم أن القوم ما نفوا عن أنفسهم كونهم عالمين بعلم التعبير ، بل قالوا : إن علم التعبير على قسمين منه ما تكون الرؤيا فيه منتسقة منتظمة فيسهل الانتقال من الأمور المتخيلة إلى الحقائق العقلية الروحانية ومنه ما تكون فيه مختلطة مضطربة ولا يكون فيها ترتيب معلوم وهو المسمى بالأضغاث والقوم قالوا إن رؤيا الملك من قسم الأضغاث ثم أخبروا أنهم غير عالمين بتعبير هذا القسم وكأنهم قالوا هذه الرؤيا مختلطة من أشياء كثيرة وما كان كذلك فنحن لا نهتدي إليها ولا يحيط عقلنا بها وفيها إيهام أن الكامل في هذا العلم والمتبحر فيه قد يهتدي إليها ، فعند هذه المقالة تذكر ذلك الشرابي واقعة يوسف فإنه كان يعتقد فيه كونه متبحرا في هذا العلم .
أضغاث : جمع ضغث وهو الحزمة من الحشيش أو البقل اختلط فيها الرطب باليابس .
أحلام : جمع حلم وهو ما يراه النائم ، ومعناه : اختلط فيها الحق بالباطل .
44 { قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ } .
عجز العلماء والكهنة عن تفسير هذه الرؤيا ، أو عرفوا تأويلها ، وأحسوا أنها تشير إلى سوء ، لم يريدوا أن يوجهوا به الملك ، على طريقة رجال الحاشية في إظهار كل ما يسر الملوك ، وإخفاء ما يزعجهم ، وصرف الحديث عنه ، فقالوا : إنها أخلاط أحلام مضطربة ، وليست رؤيا كاملة تحتمل التأويل .
{ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ } . أي : لسنا نعرف تأويل مثل هذه الأحلام المضطربة المختلطة ، فهي لا تشير إلى شيء ، وربما كان المعنى : أن علمنا قاصر عن تفسير الأحلام : فلسنا معمقين في تأويلها ، مع أن لها تأويلا .
وقد ورد في صحيح البخاري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الرؤيا من الله والحلم من الشيطان ، فإذا رأى أحدكم في منامه خيرا ؛ فليحمد ، وإن رأى غير ذلك ؛ فليتفل عن يساره ثلاث مرات ، وليصل ركعتين ولا يخبر بها أحدا ؛ فإنها لا تضره " . 20
والمعنى : إن المؤمن الصادق يرى رؤيا صادقة واضحة ، أما الحلم فهو من الشيطان ؛ ليثير التكدير والحزن على الإنسان ؛ رؤيا صادقة واضحة ؛ فهي بشارة من الله ، يستبشر بها المؤمن ويعمل بما يناسبها ؛ وإذا رأى حلما فيه أمور مختلطة ، أو مضطربة لا يستوضح مدلولها ؛ فإنه يتفل عن يساره ثلاث مرات ، ويستعيد بالله من الشيطان الرجيم ، ويتوضأ ويصلي ركعتين لله ، بنية أن يصرف عنه السوء ، ثم يقول : " اللهم ، لا يأتي بالخير إلا أنت ، ولا يذهب السوء إلا أنت ، اللهم ، اكفني السوء بما شئت وكيف شئت إنك على ما تشاء قدير " ، 21 ولا يخبر أحدا بهذا الحلم ؛ فإن الحلم كالطير إذا قص وقع ، ونلاحظ : أنه مر بنا عدد من المنامات والأحلام والرؤى منها : رؤيا يوسف أحد عشر كوكبا ، ورؤيا الخباز والساقي ، ثم رؤيا الملك ؛ فلعل تفسير الأحلام والاهتمام بها يعطينا صورة من جو العصر كله في مصر ، وخارج مصر ، وأن الهبة اللّدنية التي وهبها يوسف كانت من روح العصر وجوه ، على ما نعهد في معجزات الأنبياء . 22
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.