المسألة الثالثة : اختلفوا في أن قوله : { ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب } كلام من ؟ وفيه أقوال :
القول الأول : وهو قول الأكثرين أنه قول يوسف عليه السلام . قال الفراء : ولا يبعد وصل كلام إنسان بكلام إنسان آخر إذا دلت القرينة عليه ومثاله قوله تعالى : { إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة } وهذا كلام بلقيس . ثم إنه تعالى قال : { وكذلك يفعلون } وأيضا قوله تعالى : { ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه } كلام الداعي .
ثم قال : { إن الله لا يخلف الميعاد } بقي على هذا القول سؤالات :
السؤال الأول : قوله : { ذلك } إشارة إلى الغائب ، والمراد ههنا : الإشارة إلى تلك الحادثة الحاضرة .
والجواب : أجبنا عنه في قوله : { ذلك الكتاب } وقيل : ذلك إشارة إلى ما فعله من رد الرسول كأنه يقول ذلك الذي فعلت من ردي الرسول إنما كان ، ليعلم الملك أني لم أخنه بالغيب .
السؤال الثاني : متى قال يوسف عليه السلام هذا القول ؟
الجواب : روى عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أن يوسف عليه السلام لما دخل على الملك قال ذلك ليعلم وإنما ذكره على لفظ الغيبة تعظيما للملك عن الخطاب والأولى أنه عليه السلام إنما قال ذلك عند عود الرسول إليه لأن ذكر هذا الكلام في حضرة الملك سوء أدب .
السؤال الثالث : هذه الخيانة وقعت في حق العزيز فكيف يقول : { ذلك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب } .
والجواب : قيل المراد ليعلم الملك أني لم أخن العزيز بالغيبة ، وقيل إنه إذا خان وزيره فقد خانه من بعض الوجوه ، وقيل إن الشرابي لما رجع إلى يوسف عليه السلام وهو في السجن قال ذلك ليعلم العزيز أني لم أخنه بالغيب ثم ختم الكلام بقوله : { وأن الله لا يهدى يحب الخائنين } ولعل المراد منه أني لو كنت خائنا لما خلصني الله تعالى من هذه الورطة ، وحيث خلصني منها ظهر أني كنت مبرأ عما نسبوني إليه .
والقول الثاني : أن قوله : { ذلك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب } كلام امرأة العزيز والمعنى : أني وإن أحلت الذنب عليه عند حضوره لكني ما أحلت الذنب عليه عند غيبته ، أي لم أقل فيه وهو في السجن خلاف الحق ، ثم إنها بالغت في تأكيد الحق بهذا القول ، وقالت : { وأن الله لا يهدى كيد الخائنين } يعني أنني لما أقدمت على الكيد والمكر لا جرم افتضحت وأنه لما كان بريئا عن الذنب لا جرم طهره الله تعالى عنه . قال صاحب هذا القول : والذي يدل على صحته أن يوسف عليه السلام ما كان حاضرا في ذلك المجلس حتى يقال لما ذكرت المرأة قولها : { الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين } ففي تلك الحالة يقول يوسف : { ذلك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب } بل يحتاج فيه إلى أن يرجع الرسول من ذلك المجلس إلى السجن ويذكر له تلك الحكاية ، ثم إن يوسف يقول ابتداء { ذلك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب } ومثل هذا الوصل بين الكلامين الأجنبيين ما جاء البتة في نثر ولا نظم فعلمنا أن هذا من تمام كلام المرأة .
المسألة الرابعة : هذه الآية دالة على طهارة يوسف عليه السلام من الذنب من وجوه كثيرة الأول : أن الملك لما أرسل إلى يوسف عليه السلام وطلبه فلو كان يوسف متهما بفعل قبيح وقد كان صدر منه ذنب وفحش لاستحال بحسب العرف ، والعادة أن يطلب من الملك أن يتفحص عن تلك الواقعة ، لأنه لو كان قد أقدم على الذنب ثم إنه يطلبه من الملك أن يتفحص عن تلك الواقعة كان ذلك سعيا منه في فضيحة نفسه وفي تجديد العيوب التي صارت مندرسة مخفية والعاقل لا يفعل ذلك ، وهب أنه وقع الشك لبعضهم في عصمته أو في نبوته إلا أنه لا شك أنه كان عاقلا ، والعاقل يمتنع أن يسعى في فضيحة نفسه وفي حمل الأعداء على أن يبالغوا في إظهار عيوبه . والثاني : أن النسوة شهدن في المرة الأولى بطهارته ونزاهته حيث قلن : { حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم } وفي المرة الثانية حيث قلن : { حاش لله ما علمنا عليه من سوء } والثالث : أن امرأة العزيز أقرت في المرة الأولى بطهارته حيث قالت : { ولقد راودته عن نفسه فاستعصم } وفي المرة الثانية في هذه الآية .
واعلم أن هذه الآية دالة على طهارته من وجوه : أولها : قول المرأة : { أنا راودته عن نفسه } وثانيها : قولها : { وإنه لمن الصادقين } وهو إشارة إلى أنه صادق في قوله : { هى راودتني عن نفسي } وثالثها : قول يوسف عليه السلام : { ذلك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب } والحشوية يذكرون أنه لما قال يوسف هذا الكلام . قال جبريل عليه السلام ، ولا حين هممت ، وهذا من رواياتهم الخبيثة وما صحت هذه الرواية في كتاب معتمد ، بل هم يلحقونها بهذا الموضع سعيا منهم في تحريف ظاهر القرآن . ورابعها : قوله : { وأن الله لا يهدى كيد الخائنين } يعني أن صاحب الخيانة لا بد وأن يفتضح ، فلو كنت خائنا لوجب أن افتضح وحيث لم افتضح وخلصني الله تعالى من هذه الورطة ، فكل ذلك يدل على أني ما كنت من الخائنين ، وههنا وجه آخر وهو أقوى من الكل ، وهو أن في هذا الوقت تلك الواقعة صارت مندرسة ، وتلك المحنة صارت منتهية ، فإقدامه على قوله : { ذلك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب } مع أنه خانه بأعظم وجوه الخيانة إقدام على وقاحة عظيمة ، وعلى كذب عظيم من غير أن يتعلق به مصلحة بوجه ما ، والإقدام على مثل هذه الوقاحة من غير فائدة أصلا لا يليق بأحد من العقلاء ، فكيف يليق إسناده إلى سيد العقلاء ، وقدوة الأصفياء ؟ فثبت أن هذه الآية تدل دلالة قاطعة على براءته مما يقوله الجهال والحشوية .
لا يهدي كيد الخائنين : أي : لا ينفذه ولا يواصله إلى غايته .
52 { ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ } .
أي : قالت امرأة العزيز تعقيبا على شهادتها ؛ ببراءة يوسف من مراودتها : إني فعلت ذلك ، وبرّأت ساحة يوسف ، مع أنه غائب عن مجلسنا ؛ ليعلم يوسف أني لم أخنه في غيابه ولم أفتر عليه ، وليعلم أن الله لا يهدي كيد الخائنين .
ولعل هذه السنون ، قد طحنت هذه المرأة ؛ ولعل ضميرها عذّبها حين قذفت ببريء إلى السجن ، طوال هذه المدة ، ولعلها تابت ورجعت إلى طريق النور والهدى ، وطرقت باب الله معلنة رغبتها في التوبة إلى : { غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب } .
ويذهب بعض المفسرين : إلى أن هذه الآية من كلام يوسف ؛ حين ذهب مندوب الملك بنتيجة التحقيق ، وبراءة يوسف على لسان النسوة ، وعلى لسان امرأة العزيز ؛ فقال يوسف : { َذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ } . أي : هذا الذي فعلته ، من رد رسول الملك ؛ حتى يحقق الملك في قضيتي ، وتظهر براءتي ؛ ليعلم العزيز : أني لم أخنه في زوجته في غيبته ؛ بل تعففت عنها .
{ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ } . أي : لا يوفّق الخائن ، ولا يسدد خطاه .
بلغ يوسف منزلة من النزاهة وكرم النفس ، وحسبك أنه لم يتعجل الخروج قبل أن تظهر براءته ، براءة علنية على هذا النحو المشرّف ؛ وذلك أنه خشي أن يخرج من السجن ، وينال منزلة عالية ، فيقول الناس : هذا هو الذي راود امرأة مولاه ، وقد صفح عنه الملك ، وينظر إليه الناس باستمرار نظرة فيها ريبة وشك .
ورد في كتب الحديث الصحيحة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم : يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف ، ثم جاءني الرسول ؛ لأجبت الداعي ، ثم قرأ : { بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ . . . ) } . 23
قال ابن عطية في التفسير : مدح النبي صلى الله عليه وسلم يوسف ، بالصبر والأناة ، ثم ذكر : أنه لو دعي إلى الخروج من السجن ؛ لبادر بالخروج ، ثم حاولوا بيان عذره وبراءته بعد ذلك .
يريد الرسول صلى الله عليه وسلم : حمل الناس على الأحزم من الأمور ؛ حتى لا تضيع فرصة الخروج من السجن ، وتنصرف نفس مخرجه عنه وإذا كان يوسف قد أمن ذلك بعلمه من الله ؛ فغيره من الناس لا يأمن ذلك ؛ فالحالة التي ذهب النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه إليها حالة حزم ، وما فعله يوسف عليه السلام صبر وجلد . ا ه .
وصل اللهم على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم .
وكان الفراغ منه عشية يوم الخميس 5 صفر 1415ه / الموافق 14/7/1994 م بمدينة المقطم الهضبة العليا ، مسجد حراء ، قرب ميدان النافورة ، والحمد لله حمدا كثيرا طيبا طاهرا مباركا فيه كما يرضى ربنا ويحب ، وآخر دعوانا : أن الحمد لله رب العالمين .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.