مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلۡعِيرُ قَالَ أَبُوهُمۡ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَۖ لَوۡلَآ أَن تُفَنِّدُونِ} (94)

قوله تعالى { ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم }

يقال : فصل فلان من عند فلان فصولا إذا خرج من عنده . وفصل مني إليه كتابا إذا أنفذ به إليه . وفصل يكون لازما ومتعديا وإذا كان لازما فمصدره الفصول وإذا كان متعديا فمصدره الفصل قال لما خرجت العير من مصر متوجهة إلى كنعان قال يعقوب عليه السلام : لمن حضر عنده من أهله وقرابته وولد ولده { إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون } ولم يكن هذا القول مع أولاده لأنهم كانوا غائبين بدليل أنه عليه السلام قال لهم : { اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه } واختلفوا في قدر المسافة فقيل : مسيرة ثمانية أيام ، وقيل عشرة أيام ، وقيل ثمانون فرسخا . واختلفوا في كيفية وصول تلك الرائحة إليه ، فقال مجاهد : هبت ريح فصفقت القميص ففاحت روائح الجنة في الدنيا واتصلت بيعقوب فوجد ريح الجنة فعلم عليه السلام أنه ليس في الدنيا من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص ، فمن ثم قال : { إني لأجد ريح يوسف } وروى الواحدي بإسناده عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : أما قوله : { اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبى يأت بصيرا } فإن نمروذ الجبار لما ألقى إبراهيم في النار نزل عليه جبريل عليه السلام بقميص من الجنة وطنفسة من الجنة فألبسه القميص وأجلسه على الطنفسة وقعد معه يحدثه ، فكسا إبراهيم عليه السلام ذلك القميص إسحاق وكساه إسحق يعقوب وكساه يعقوب يوسف فجعله في قصبة من فضة وعلقها في عنقه فألقى في الجب القميص في عنقه فذلك قوله : { اذهبوا بقميصي هذا } والتحقيق أن يقال : إنه تعالى أوصل تلك الرائحة إليه على سبيل إظهار المعجزات لا وصول الرائحة إليه من هذه المسافة البعيدة أمر مناقض للعادة فيكون معجزة ولا بد من كونها معجزة لأحدهما والأقرب أنه ليعقوب عليه السلام حين أخبر عنه ونسبوه في هذا الكلام إلى ما لا ينبغي ، فظهر أن الأمر كما ذكر فكان معجزة له . قال أهل المعاني : إن الله تعالى أوصل إليه ريح يوسف عليه السلام عند انقضاء مدة المحنة ومجيء وقت الروح والفرح من المكان البعيد ومنع من وصول خبره إليه مع قرب إحدى البلدتين من الأخرى في مدة ثمانين سنة وذلك يدل على أن كل سهل فهو في زمان المحنة صعب وكل صعب فهو في زمان الإقبال سهل ومعنى : لأجد ريح يوسف أشم وعبر عنه بالوجود لأنه وجدان له بحاسة الشم ، وقوله : { لولا أن تفندون } قال أبو بكر ابن الأنباري : أفند الرجل إذا حزن وتغير عقله وفند إذا جهل ونسب ذلك إليه ، وعن الأصمعي إذا كثر كلام الرجل من خرف فهو المفند قال صاحب «الكشاف » : يقال شيخ مفند ولا يقال عجوز مفندة ، لأنها لم يكن في شبيبتها ذات رأي حتى تفند في كبرها فقوله : { لولا أن تفندون } أي لولا أن تنسبوني إلى الخرف ،

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلۡعِيرُ قَالَ أَبُوهُمۡ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَۖ لَوۡلَآ أَن تُفَنِّدُونِ} (94)

{ ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون94 قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم95 } .

المفردات :

فصلت العير : خرجت القافلة ، يقال : فصل من البلد ، يفصل فصولا ؛ إذا انفصل منه وجاوز حيطانه .

تفندون : تنسبونني إلى الفند وهو الخرف و فساد العقل من الهرم والشيخوخة ، وفي معناه ما قاله ابن عباس : لولا أن تسفهون .

التفسير :

94 { ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون } .

تحركت القافلة من إخوة يوسف ؛ متجهة من أرض مصر إلى العريش ، في طريقها إلى بيت المقدس ، وحين جاوزت العريش ، وانفصلت عن حدود مصر ؛ تحركت الريح فحملت رائحة القميص إلى أنف يعقوب ، وبينهما ثمانون فرسخا أو ثمانية أيام ؛ وأحس يعقوب برائحة القميص ؛ فقال لمن حوله : إني أتنسم الآن رائحة يوسف ، وأثق بوجوده ، وقرب لقائه ، ولولا أن تنسبوني لي ضعف العقل والتخريف ؛ لقلت لكم : إن لقائي بيوسف قد اقترب .

وبعض المفسرين نسب ذلك إلى شدة إحساس يعقوب بولده ؛ فتذكر رائحة قميصه وهو صغير ، أو هو سر من أسرار الروح التي تستشعر عن بعد ما يحدث مع وجود مسافات شاسعة بين الروح وبين الأمر الذي تشعر به .

وفسر آخرون الأمر على أنه : معجزة إلهية لنبي الله يعقوب عليه السلام .

قال الإمام مالك رحمه الله أوصل الله تعالى ريح قميص يوسف ليعقوب ، كما أوصل عرش بلقيس إلى سليمان ، قبل أن يرتد إلى سليمان طرفه .

" وعموما : علينا التسليم بما أخبره القرآن الكريم وهو حق وصدق ، دون البحث في كنهه أو صفته ما دام ذلك داخلا في حيز الإمكان " 44 .

والمعجزة أمر خارق للعادة يظهره الله على يد مدعي الرسالة ؛ تصديقا له في دعواه ، فيعقوب رسول كريم يسر الله له معرفة الواقع وهو اقتراب القميص ، واقتراب لقاء يوسف عليه السلام .