مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِۖ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَلَا عُدۡوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ} (193)

قوله تعالى : { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين } فيه مسائل :

المسألة الأولى : قال القوم : هذه الآية ناسخة لقوله تعالى : { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه } والصحيح أنه ليس كذلك لأن البداية بالمقاتلة عند المسجد الحرام نفت حرمته أقصى ما في الباب أن هذه الصفة عامة ولكن مذهب الشافعي رضي الله عنه وهو الصحيح أن العام سواء كان مقدما على المخصص أو متأخرا عنه فإنه يصير مخصوصا به والله أعلم .

المسألة الثانية : في المراد بالفتنة ههنا وجوه أحدها : أنها الشرك والفكر ، قالوا : كانت فتنتهم أنهم كانوا يضربون ويؤذون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بمكة حتى ذهبوا إلى الحبشة ثم واظبوا على ذلك الإيذاء حتى ذهبوا إلى المدينة وكان غرضهم من إثارة تلك الفتنة أن يتركوا دينهم ويرجعوا كفارا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، والمعنى : قاتلوهم حتى تظهروا عليهم فلا يفتنوكم عن دينكم فلا تقعوا في الشرك وثانيها : قال أبو مسلم : معنى الفتنة ههنا الجرم قال : لأن الله تعالى أمر بقتالهم حتى لا يكون منهم القتال الذي إذا بدؤوا به كان فتنة على المؤمنين لما يخافون عنده من أنواع المضار . فإن قيل : كيف يقال : { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } مع علمنا بأن قتالهم لا يزيل الكفر وليس يلزم من هذا أن خبر الله لا يكون حقا .

قلنا الجواب من وجهين الأول : أن هذا محمول على الأغلب لأن الأغلب عند قتالهم زوال الكفر والشرك ، لأن من قتل فقد زال كفره ، ومن لا يقتل يخاف منه الثبات على الكفر فإذا كان هذا هو الأغلب جاز أن يقال ذلك .

الجواب الثاني : أن المراد قاتلوهم قصدا منكم إلى زوال الكفر ، لأن الواجب على المقاتل للكفار أن يكون مراده هذا ، ولذلك متى ظن أن من يقاتله يقلع عن الكفر بغير القتال وجب عليه العدول عنه .

أما قوله تعالى : { ويكون الدين لله } فهذا يدل على حمل الفتنة على الشرك ، لأنه ليس بين الشرك وبين أن يكون الدين كله واسطة والمراد منه أن يكون تعالى هو المعبود المطاع دون سائر ما يعبد ويطاع غيره ، فصار التقدير كأنه تعالى قال : وقاتلوهم حتى يزول الكفر ويثبت الإسلام ، وحتى يزول ما يؤدي إلى العقاب ويحصل ما يؤدي إلى الثواب ، ونظيره قوله تعالى : { تقاتلونهم أو يسلمون } وفي ذلك بيان أنه تعالى إنما أمر بالقتال لهذا المقصود .

أما قوله تعالى : { فإن انتهوا } فالمراد : فإن انتهوا عن الأمر الذي لأجله وجب قتالهم ، وهو إما كفرهم أو قتالهم ، فعند ذلك لا يجوز قتالهم ، وهو كقوله تعالى : { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف } .

أما قوله تعالى : { فلا عدوان إلا على الظالمين } ففيه وجهان الأول : فإن انتهوا فلا عدوان ، أي فلا قتل إلا على الذين لا ينتهون على الكفر فإنهم بإصرارهم على كفرهم ظالمون لأنفسهم على ما قال تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } .

فإن قيل : لم سمي ذلك القتل عدوانا مع أنه في نفسه حق وصواب ؟ .

قلنا : لأن ذلك القتل جزاء العدوان فصح إطلاق اسم العدوان عليه كقوله تعالى : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } وقوله تعالى : { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ، ومكروا ومكر الله فيسخرون منهم سخر الله منهم } والثاني : إن تعرضتم لهم بعد انتهائهم عن الشرك والقتال كنتم أنتم ظالمين فنسلط عليكم من يعتدي عليكم .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِۖ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَلَا عُدۡوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ} (193)

{ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله . . . }

190

المفردات :

يكون الدين لله : أي ويكون دين كل شخص خالصا لله لا أثر لخشية غيره فيه . فلا يفتن بصدره عنه ولا يؤدي فيه ، ولا يحتاج إلى مداهنة ومحاباة ، أو استخفاء ومداراة .

التفسير :

أي قاتلوا المشركين حتى لا تكون لهم قوة يفتنونكم بها في دينكم ، وعليكم أيها المسلمون أن تقاتلوا المشركين وأن تكسروا شوكتهم وأن تقضوا عل جبروتهم حتى تزيلوا هذا الطاغوت من وجه الدعوة الإسلامية ، وحتى يصير الناس أحرارا في عقائدهم ، ويكون دين كل شخص خاصا لله لا أثر فيه لخشية غيره فلا يفتن بصده عنه ولا يؤذي فيه ولا يحتاج غيه إلى مهادنة ومحاباة أو استخفاء ومداراة .

وقد كان المسلمون في مكة مغلوبين على أمرهم ، والمشركون هم أصحاب الحول والقوة ، ثم هاجر المسلمون إلى المدينة وبدأ الجهاد في سبيل الله ، فحطم المؤمنون طواغيت الكفر والضلال ثم فتحوا مكة ودخل الناس في دين الله أفواجا .

فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين :

أي فإن انتهوا عما كانوا عليه وأذعنوا لتعاليم الإسلام فكفوا عن قتالهم فلا تعتدوا عليهم ، لأن العقوبة والعدوان إنما تكون على الظالمين تأديبا لهم ليرجعوا عن غيهم وظلمهم .

حكمة مشروعية القتال

من هذه الآيات نلمح حكمة مشروعية القتال في الإسلام .

فقد دافع المسلمون دفاعا عن أنفسهم ، وحماية لعقيدتهم ، ودفعا لعدوا المعتدين ، وتمكينا لدين الله في الأرض .

وقد مكث المسلمون في مكة ثلاثة عشر عاما لن يرفعوا سيفا ، ولم يقاتلوا معتديا ، وكان القرآن في مكة ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم فيأمره بالصبر الجميل ويدعوه إلى الهجر الجميل فيقول سبحانه : ولربك فاصبر . ( المدثر : 7 ) . وكقوله تعالى : فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل . ( الأحقاف : 35 )

فلكم هاجر المسلمون إلى المدينة آخى الرسول صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار ، وربى الصحابة تربية إسلامية ، وتقدم المسلمون للدفاع عن أنفسهم فقاتلوا المشركين في غزوات متعددة منها غزوة بدر وأحد والخندق والحديبية ثم فتحت مكة ودخل الناس في دين الله أفواجا ، ولم يكن القتال غاية ولكنه كن وسيلة من وسائل الدفاع ، وسبيلا إلى نشر الدعوة وضرورة للقضاء على أعداء الإسلام ، وإزاحة طواغيت الكفر ، وتمكين كل ذي دين من عبادة ربه حرا طليقا .

قال تعالى : { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير*الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز*الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وأتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور } . ( الحج : 39-31 ) .

قال القرطبي :

قوله تعالى : { وقاتلوا . . . }هذه الآية أول آية نزلت في الأمر بالقتال ولا خلاف في أن القتال كان محظورا قبل الهجرة بقوله : { ادفع بالتي هي أحسن } . ( المؤمنون : 96 ) .

وقوله : { ليست عليهم بمسيطر } . ( الغاشية : 32 ) .

وقوله : { فاعف عنهم وأصلح } . ( المائدة : 13 ) .

وقوله : { واهجرهم هجرا جميلا } . ( المزمل : 10 ) .

وما كان مثله مما نزل بمكة .

فلما هاجر المسلمون إلى المدينة أمروا بالقتال فنزل : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم . قاله الربيع بن أنس وغيره .

وروى عن أبي بكر الصديق أن أول آية نزلت في القتال : أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا . ( الحج : 39 )

والأول أكثر ، وإن لآية الإذن إنما نزلت في القتال عامة لمن قاتل ومن لم يقاتل من المشركين " ( 91 ) .

* * *