مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{ٱلشَّهۡرُ ٱلۡحَرَامُ بِٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ وَٱلۡحُرُمَٰتُ قِصَاصٞۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَٱعۡتَدُواْ عَلَيۡهِ بِمِثۡلِ مَا ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ} (194)

قوله تعالى : { الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين } .

اعلم أن الله تعالى لما أباح القتال وكان ذلك منكرا فيما بينهم ، ذكر في هذه الآية ما يزيل ذلك فقال : { الشهر الحرام بالشهر الحرام } وفيه وجوه أحدها : روي عن ابن عباس ومجاهد والضحاك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الحديبية للعمرة وكان ذلك في ذي القعدة سنة ست من الهجرة فصده أهل مكة عن ذلك ثم صالحوه عن أن ينصرف ويعود في العام القابل حتى يتركوا له مكة ثلاثة أيام ، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام القابل وهو في ذي القعدة سنة سبع ودخل مكة واعتمر ، فأنزل الله تعالى هذه الآية يعني إنك دخلت الحرم في الشهر الحرام ، والقوم كانوا صدوك في السنة الماضية في هذا الشهر فهذا الشهر بذاك الشهر وثانيها : ما روي عن الحسن أن الكفار سمعوا أن الله تعالى نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن أن يقاتلهم في الأشهر الحرم ، فأرادوا مقاتلته وظنوا أنه لا يقاتلهم ، وذلك قوله تعالى : { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام } فأنزل الله تعالى هذه الآية لبيان الحكم في هذه الواقعة ، فقال : { الشهر الحرام بالشهر الحرام } أي من استحل دمكم من المشركين في الشهر الحرام فاستحلوه فيه وثالثها : ما ذكره قوم من المتكلمين وهو أن الشهر الحرام لما لم يمنعكم عن الكفر بالله ، فكيف يمنعنا عن مقاتلتكم ، فالشهر الحرام من جانبنا ، مقابل بالشهر الحرام من جانبكم ، والحاصل في الوجوه الثلاثة أن حرمة الشهر الحرام لما لم تمنعهم عن الكفر والأفعال القبيحة ، فكيف جعلوه سببا في أن يمنع للقتال من شرهم وفسادهم .

أما قوله تعالى : { والحرمات قصاص } فالحرمات جمع حرمة والحرمة ما منع من انتهاكه والقصاص المساواة وإذا عرفت هذا ففي هذه الآية تعود تلك الوجوه .

أما على الوجه الأول : فهو أن المراد بالحرمات : الشهر الحرام ، والبلد الحرام ، وحرمة الإحرام فقوله : { والحرمات قصاص } معناه أنهم لما أضاعوا هذه الحرمات في سنة ست فقد وقفتم حتى قضيتموه على زعمكم في سنة سبع .

وأما على الوجه الثاني : فهو أن المراد : إن أقدموا على مقاتلتكم فقاتلوهم أنتم أيضا ، قال الزجاج : وعلم الله تعالى بهذه الآية أنه ليس للمسلمين أن ينتهكوا هذه الحرمات على سبيل الابتداء بل على سبيل القصاص ، وهذا القول أشبه بما قبل هذه الآية ، وهو قوله : { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه } وبما بعدها وهو قوله : { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } .

أما على القول الثالث : فقوله : { والحرمات قصاص } يعني حرمة كل واحد من الشهرين كحرمة الآخر فهما مثلان ، والقصاص هو المثل فلما لم يمنعكم حرمة الشهر من الكفر والفتنة والقتال فكيف يمنعنا عن القتال .

أما قوله تعالى : { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } فالمراد منه : الأمر بما يقابل الاعتداء من الجزاء والتقدير : فمن اعتدى عليكم فقابلوه ، والسبب في تسميته اعتداء قد تقدم ثم قال : { واتقوا الله } وقد تقدم معنى التقوى ، ثم قال : { واعلموا أن الله مع المتقين } أي بالمعونة والنصرة والحفظ والعلم ، وهذا من أقوى الدلائل على أنه ليس بجسم ولا في مكان إذ لو كان جسما لكان في مكان معين ، فكان إما أن يكون مع أحد منهم ولم يكن مع الآخر أو يكون مع كل واحد من المؤمنين جزء من أجزائه وبعض من أبعاضه تعالى الله عنه علوا كبيرا .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ٱلشَّهۡرُ ٱلۡحَرَامُ بِٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ وَٱلۡحُرُمَٰتُ قِصَاصٞۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَٱعۡتَدُواْ عَلَيۡهِ بِمِثۡلِ مَا ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ} (194)

الشهر الحرام

{ الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين( 194 ) وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين( 195 ) }

المفردات :

الحرمات : واحدها حرمة وهي ما يجب احترامه والمحافظة عليه .

القصاص : المقاصة والمقاتلة بالمثل .

التفسير :

{ الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص . . . }

إذا استباح المشركون الشهر الحرام الذي لا يحل فيه القتال وقاتلوكم فيه فقابلوا عدوانهم بمثله ، واستبيحوا الحرب فيه كما استباحوا . فإن الحرمات فيها القصاص .

قال ابن عباس وقتادة وغيرهما : لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمرا في سنة ست من الهجرة ، وحبسه المشركون عن الدخول والوصول إلى البيت ، وصدوه بمن معه من المسلمين في ذي القعدة وهو شهر حرام حتى قاضاهم على الدخول من قابل فدخلها في السنة الآتية هو ومن معه من المسلمين ، وأقصه الله منهم فنزلت في ذلك هذه الآية : { الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص } . وروى الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله قال : لك يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو في الشهر الحرام إلا أن يغزى أو يغزوا ، فإذا حضره حتى ينسلخ( 92 ) .

وسمي الشهر الحرام لأنه يحرم فيه ما يحل في غيره من القتال ونحوه ، والتعريف فيه على الراجح للجنس فهو يشمل الأشهر الحرم جميعا وهي أربعة : ذو القعدة وذو الحجة ، ورجب .

قال تعالى : { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلمون فيهم أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين } . ( التوبة : 36 ) .

{ والحرمات قصاص }

والذي ينتهك المحرمات لا تصان حرمته وإذا أقدم المشركون على قتال المسلمين في الحرم أو في الشهر الحرام وجب على المسلمين أن يقاتلوهم على سبيل القصاص والمجازاة بالمثل حتى لا يتخذوا الأشهر الحرم ذريعة للغدر والإضرار بالمسلمين .

{ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم }

هذه الجملة هي النتيجة المتفرعة على ما سبق . وسمي جزاء الاعتداء اعتداء من باب المشاكلة .

وقد ورد في المعنى في كثير من آيات القرآن حيث أمر سبحانه بالعدل حتى مع المشركين وأمر بالانتصاف من الظالمين .

وقال تعالى : { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } . ( النحل : 126 ) .

وقال سبحانه : { وجزاء سيئة سيئة بمثلها } . ( الشورى : 40 )

وقال عز شأنه : { ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل } . ( الشورى : 41 ) .

قال الألوسي : ( واستدل الشافعي بالآية على أن القاتل يقتل بمثل ما قتل به من محدد أو خنق أو حرق أو تجويع أو تغريق حتى لو ألقاه في ماء عذب ولم يلق في ماء ملح ، واستدل به أيضا على أن من غصب شيئا أو أتلفه لزمه رد مثله ، ثم إن المثل قد يكون عن طريق الصورة كما في ذوات الأمثال وقد يكون عن طريق المعنى كالقيم فيما لا مثل له ) ( 93 ) .

قال القرطبي : ( واختلف العلماء فيمن استهلك أو أفسد شيئا من الحيوان أو العروض التي لا تكال ولا توزن ، فقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما وجماعة من العلماء : عليه في ذلك المثل ولا يعدل إلى القيمة إلا عند عدم المثل ، لقوله تعالى : { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدوا عليكم .

وقوله تعالى : وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } . قالوا : وهذا عموم في جميع الأشياء كلها ، وعضدوا هذا بأن النبي صلى الله عليه وسلم حبس القصعة المكسورة في بيت التي كسرتها ودفع الصحيحة وقال : " إنا بإناء وطعام بطعام " ( 94 ) .

أخرج أبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت : " ما رأيت صانعا طعاما مثل صفية ، صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما فبعثت به فأخذني أفكل( 95 ) فكسرت الإناء فقلت : يا رسول الله ، ما كفارة ما صنعت ؟ قال : " إناء مثل إناء وطعام مثل طعام " ( 96 ) . ، وقال مالك وأصحابه : عليه في العروض لا تكال وتوزن القيمة لا المثل( 97 ) .

{ واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين }

أي راقبوا الله في أعمالكم وفي الانتصار لأنفسكم وترك الاعتداء فيما لم يرخص لكم فيه واعلموا أن الله مع الذين يمتثلون أمره ويجتنبون نهيه بالنصر والرعاية والتأييد .