قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون } .
اعلم أن أصعب الأشياء على الإنسان بذل النفس في القتال ، وبذل المال في الإنفاق فلما قدم الأمر بالقتال أعقبه بالأمر بالإنفاق ، وأيضا فيه وجه آخر ، وهو أنه تعالى أمر بالقتال فيما سبق بقوله : { وقاتلوا في سبيل الله } ثم أعقبه بقوله : { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } والمقصود منه إنفاق المال في الجهاد ، ثم إنه مرة ثانية أكد الأمر بالقتال وذكر فيه قصة طالوت ، ثم أعقبه بالأمر بالإنفاق في الجهاد ، وهو قوله : { ياأيها الذين آمنوا أنفقوا } .
إذا عرفت وجه النظم فنقول في الآية مسائل :
المسألة الأولى : المعتزلة احتجوا على أن الرزق لا يكون إلا حلالا بقوله : { أنفقوا مما رزقناكم } فنقول : الله تعالى أمر بالإنفاق من كل ما كان رزقا بالإجماع أما ما كان حراما فإنه لا يجوز إنفاقه ، وهذا يفيد القطع بأن الرزق لا يكون حراما ، والأصحاب قالوا : ظاهر الآية وإن كان يدل على الأمر بإنفاق كل ما كان رزقا إلا أنا نخصص هذا الأمر بإنفاق كل ما كان رزقا حلالا .
المسألة الثانية : اختلفوا في أن قوله : { أنفقوا } مختص بالإنفاق الواجب كالزكاة أم هو عام في كل الإنفاقات سواء كانت واجبة أو مندوبة ، فقال الحسن : هذا الأمر مختص بالزكاة ، قال لأن قوله : { من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة } كالوعد والوعيد لا يتوجه إلا على الواجب وقال الأكثرون : هذا الأمر يتناول الواجب والمندوب ، وليس في الآية وعيد ، فكأنه قيل : حصلوا منافع الآخرة حين تكونون في الدنيا ، فإنكم إذا خرجتم من الدنيا لا يمكنكم تحصيلها واكتسابها في الآخرة والقول الثالث : أن المراد منه الإنفاق في الجهاد : والدليل عليه أنه مذكور بعد الأمر بالجهاد ، فكان المراد منه الإنفاق في الجهاد ، وهذا قول الأصم .
المسألة الثالثة : قرأ ابن كثير وأبو عمرو { لا بيع ، ولا خلة ، ولا شفاعة } بالنصب ، وفي سورة إبراهيم عليه السلام { لا بيع فيه ولا خلال } وفي الطور { لا لغو فيها ولا تأثيم } والباقون جميعا بالرفع ، والفرق بين النصب والرفع قد ذكرناه في قوله : { فلا رفث ولا فسوق ولا جدال } .
المسألة الرابعة : المقصود من الآية أن الإنسان يجىء وحده ، ولا يكون معه شيء مما حصله في الدنيا ، قال تعالى : { ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم } وقال : { ونرثه ما يقول ويأتينا فردا } .
أما قوله : { لا بيع فيه } ففيه وجهان الأول : أن البيع ههنا بمعنى الفدية ، كما قال : { فاليوم لا يؤخذ منكم فدية } وقال : { ولا يقبل منها عدل } وقال : { وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها } فكأنه قال : من قبل أن يأتي يوم لا تجارة فيه فتكتسب ما تفتدي به من العذاب والثاني : أن يكون المعنى : قدموا لأنفسكم من المال الذي هو في ملككم قبل أن يأتي اليوم الذي لا يكون فيه تجارة ولا مبايعة حتى يكتسب شيء من المال .
أما قوله : { ولا خلة } فالمراد المودة ، ونظيره من الآيات قوله تعالى : { الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين } وقال : { وتقطعت بهم الأسباب } وقال : { ويوم القيامة يكفرون بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا } وقال حكاية عن الكفار : { فما لنا من شافعين ولا صديق حميم } وقال : { وما للظالمين من أنصار } وأما قوله : { ولا شفاعة } يقتضي نفي كل الشفاعات .
واعلم أن قوله : { ولا خلة ولا شفاعة } عام في الكل ، إلا أن سائر الدلائل دلت على ثبوت المودة والمحبة بين المؤمنين ، وعلى ثبوت الشفاعة للمؤمنين ، وقد بيناه في تفسير قوله تعالى : { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة } .
واعلم أن السبب في عدم الخلة والشفاعة يوم القيامة أمور أحدها : أن كل أحد يكون مشغولا بنفسه ، على ما قال تعالى : { لكل امرىء منهم يومئذ شأن } والثاني : أن الخوف الشديد غالب على كل أحد ، على ما قال : { يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى } والثالث : أنه إذا نزل العذاب بسبب الكفر والفسق صار مبغضا لهذين الأمرين ، وإذا صار مبغضا لهما صار مبغضا لمن كان موصوفا بهما .
أما قوله تعالى : { والكافرون هم الظالمون } فنقل عن عطاء بن يسار أنه كان يقول : الحمد لله الذي قال : { والكافرون هم الظالمون } ولم يقل الظالمون هم الكافرون ، ثم ذكروا في تأويل هذه الآية وجوها أحدها : أنه تعالى لما قال : { ولا خلة ولا شفاعة } أوهم ذلك نفي الخلة والشفاعة مطلقا ، فذكر تعالى عقيبه : { والكافرون هم الظالمون } ليدل على أن ذلك النفي مختص بالكافرين ، وعلى هذا التقدير تصير الآية دالة على إثبات الشفاعة في حق الفساق ، قال القاضي : هذا التأويل غير صحيح لأن قوله : { والكافرون هم الظالمون } كلام مبتدأ فلم يجب تعليقه بما تقدم .
والجواب : أنا لو جعلنا هذا الكلام مبتدأ ، تطرق الخلف إلى كلام الله تعالى ، لأن غير الكافرين قد يكون ظالما ، أما إذا علقناه بما تقدم زال الإشكال فوجب المصير إلى تعليقه بما قبله .
التأويل الثاني : أن الكافرين إذا دخلوا النار عجزوا عن التخلص عن ذلك العذاب ، فالله تعالى لم يظلمهم بذلك العذاب ، بل هم الذين ظلموا أنفسهم حيث اختاروا الكفر والفسق حتى صاروا مستحقين لهذا العذاب ، ونظيره قوله تعالى : { ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا } .
والتأويل الثالث : أن الكافرين هم الظالمون حيث تركوا تقديم الخيرات ليوم فاقتهم وحاجتهم وأنتم أيها الحاضرون لا تقتدوا بهم في هذا الاختيار الردىء ، ولكن قدموا لأنفسكم ما تجعلونه يوم القيامة فدية لأنفسكم من عذاب الله .
والتأويل الرابع : الكافرون هم الظالمون لأنفسهم بوضع الأمور في غير مواضعها ، لتوقعهم الشفاعة ممن لا يشفع لهم عند الله ، فإنهم كانوا يقولون في الأوثان : هؤلاء شفعاؤنا عند الله ، وقالوا أيضا : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى فمن عبد جمادا وتوقع أن يكون شفيعا له عند الله فقد ظلم نفسه حيث توقع الخير ممن لا يجوز التوقع منه .
والتأويل الخامس : المراد من الظلم ترك الإنفاق ، قال تعالى : { آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا } أي أعطت ولم تمنع فيكون معنى الآية والكافرون التاركون للإنفاق في سبيل الله ، وأما المسلم فلا بد وأن ينفق منه شيئا قل أو كثر .
والتأويل السادس : { والكافرون هم الظالمون } أي هم الكاملون في الظلم البالغون المبلغ العظيم فيه كما يقال : العلماء هم المتكلمون أي هم الكاملون في العلم فكذا ههنا ، وأكثر هذه الوجوه قد ذكرها القفال رحمه الله والله أعلم .
{ يا أيها الذين آمنوا انفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا يبيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون }
الخلة : الصداقة والمودة مأخوذة من تخلل الأسرار بين الصديقين وسميت بذلك لأنها تتخلل النفس أي تتوسطها أي لشدة الحاجة إليها ومنه سمي الخليل لاحتياج الإنسان إليه .
و الشفاعة : مأخوذة من الشفع بمعنى الضم وتطلق على انضمام شخص إلى آخر لنفعه او نصرته وأكثر ما تستعمل في انضمام من هو أعلى حرمة ومرتبة إلى ما هو دونه .
عليكم -أيها المؤمنون- أن تنفقوا في وجوه الخير كإعانة المجاهدين ومساعدة الفقراء والبائسين من أموالكم التي رزقكم الله إياها بفضله وكرمه من قبل أن يأتي يوم القيامة الذي لا يكون فيه تجارة ولا مبايعة حتى تقدموا عن طريقها ما تفتدون به أنفسكم ولا يكون فيه صديق يدفع عنكم ولا شفيع يشفع لكم من سيئاتكم إلا أن يأذن رب العالمين بالشفاعة تفضلا منه وكرما .
فالآية الكريمة تحض المؤمنين على الإنفاق في سبيل الله لأنه أهم عناصر القوة في الأمة ، وأفضل وسيلة لإقامة المجتمع الصالح المتكامل .
والمراد بالإنفاق هنا ما يشمل الفرض والنفل والأمر به لمطلق الطلب إلا أن هذا الطلب قد يصل إلى درجة الوجوب إذا نزلت بالأمة شدة لم تكف الزكاة عن دفعها .
و قوله : { مما رزقناكم } إشعار بأن هذا المال الذي بين أيدي الأغنياء ما هو إلا رزق رزقهم الله إياه ونعمة انعم بها عليهم فمن الواجب شكرها بألا يبخلوا بجزء منه على الإنفاق في وجوه الخير لأن هذا البخل سيعود عليهم بما يضرهم .
و في قوله : { من قبل أن يأتي يوم . . } إلخ حث آخر على التعجيل بالإنفاق لأنه تذكير للناس بهذا الوقت الذي تنتهي فيه الأعمال ولا يمكن فيه استدراك ما فاتهم ولا تعويض ما فقدوه من طاعات فكأنه سبحانه يقول لهم نجوا أنفسكم بالمسارعة إلى الإنفاق من قبل أن يأتي يوم لا مناجاة فيه إلا بالعمل الصالح الذي قدمتموه .
و " من " في قوله { مما رزقناكم } للتبعيض وفي قوله { من قبل } لابتداء الغاية ومفعول أنفقوا محذوف والتقدير أنفقوا شيئا مما رزقناكم .
و الشفاعة المنفية هنا هي التي لا يقبلها الله تعالى وهي التي لا يأذن بها أما شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم فقد أذن الله له بها وقبلها منه وقد وردت أحاديث صحيحة بلغت مبلغ التواتر المعنوي في ان النبي صلى الله عليه وسلم ستكون له شفاعة في دفع العذاب عن الأقوام من المؤمنين وتخفيفه عن اهل الكبائر من المسلمين ومن ذلك ما أخرجه البخاري عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله قال : ( أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة )( 11 ) .
ثم ختم سبحانه وتعالى الآية بقوله : { والكافرون هم الظالمون } أي الكافرون الجاحدون لنعمه هم الظالمون لأنفسهم لأنهم حالوا بينها وبين الهداية بإيثارهم العاجلة على الآجلة ، الغي على الرشد ، والشر على الخير والبخل على السخاء .
أما المؤمنون فليسوا كذلك لأنهم سلكوا الطريق المستقيم وبذلوا كثيرا من الأموال في سبيل إعلاء كلمة الله وفي إعانة المحتاجين .
و بذلك نرى ان الآية الكريمة قد حضت المؤمنين على المسارعة في إنفاق أموالهم في وجوه الخير من قبل ان يأتي يوم لا ينفع فيه ما كان نافعا في الدنيا من أقوال وأعمال وأنها قد توعدت من يبخل عن الإنفاق في سبيل الله بسوء العاقبة لأنه تشبه بالكافرين في بخلهم وإمساكهم عن بذل أموالهم في وجوه الخير .