مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسۡجُدُۤ لَهُۥۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلۡجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٞ مِّنَ ٱلنَّاسِۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيۡهِ ٱلۡعَذَابُۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكۡرِمٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ۩} (18)

القراءة : قرئ { حق } بالضم وقرئ ( حقا ) أي حق عليه العذاب حقا وقرئ { مكرم } بفتح الراء بمعنى الإكرام ، أما قوله سبحانه وتعالى : { ألم تر أن الله يسجد له } ففيه أسئلة :

السؤال الأول : ما الرؤية ههنا الجواب : أنها العلم أي ألم تعلم أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض وإنما عرف ذلك بخبر الله لا أنه رآه .

السؤال الثاني : ما السجود ههنا قلنا فيه وجوه : أحدها : قال الزجاج أجود الوجوه في سجود هذه الأمور أنها تسجد مطيعة لله تعالى وهو كقوله : { ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين } ، { أن نقول له كن فيكون } ، { وإن منها لما يهبط من خشية الله } ، { وإن من شيء إلا يسبح بحمده } ، { وسخرنا مع داود الجبال يسبحن } والمعنى أن هذه الأجسام لما كانت قابلة لجميع الأعراض التي يحدثها الله تعالى فيها من غير امتناع البتة أشبهت الطاعة والانقياد وهو السجود فإن قيل هذا التأويل يبطله قوله : { وكثير من الناس } فإن السجود بالمعنى الذي ذكرته عام في كل الناس فإسناده إلى كثير منهم يكون تخصيصا من غير فائدة والجواب من وجوه : أحدها : أن السجود بالمعنى الذي ذكرناه وإن كان عاما في حق الكل إلا أن بعضهم تمرد وتكبر وترك السجود في الظاهر ، فهذا الشخص وإن كان ساجدا بذاته لكنه متمرد بظاهره ، أما المؤمن فإنه ساجد بذاته وبظاهره فلأجل هذا الفرق حصل التخصيص بالذكر . وثانيها : أن نقطع قوله : { وكثير من الناس } عما قبله ثم فيه ثلاثة أوجه : الأول : أن نقول تقدير الآية : ولله يسجد من في السماوات ومن في الأرض ويسجد له كثير من الناس فيكون السجود الأول بمعنى الانقياد والثاني بمعنى الطاعة والعبادة ، وإنما فعلنا ذلك لأنه قامت الدلالة على أنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في معنييه جميعا . الثاني : أن يكون قوله : { وكثير من الناس } مبتدأ وخبره محذوف وهو مثاب لأن خبر مقابله يدل عليه وهو قوله : { حق عليه العذاب } ، والثالث : أن يبالغ في تكثير المحقوقين بالعذاب فيعطف كثير على كثير ثم يخبر عنهم بحق عليهم العذاب كأنه قيل وكثير من الناس وكثير حق عليهم العذاب . وثالثها : أن من يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه جميعا يقول : المراد بالسجود في حق الأحياء العقلاء العبادة وفي حق الجمادات الانقياد ، ومن ينكر ذلك يقول إن الله تعالى تكلم بهذه اللفظة مرتين ، فعنى بها في حق العقلاء ، الطاعة وفي حق الجمادات الانقياد .

السؤال الثالث : قوله : { ولله يسجد من في السماوات ومن في الأرض } لفظه لفظ العموم فيدخل فيه الناس فلم قال مرة أخرى { وكثير من الناس } الجواب : لو اقتصر على ما تقدم لأوهم أن كل الناس يسجدون كما أن كل الملائكة يسجدون فبين أن كثيرا منهم يسجدون طوعا دون كثير منهم فإنه يمتنع عن ذلك وهم الذين حق عليهم العذاب . القول الثاني : في تفسير السجود أن كل ما سوى الله تعالى فهو ممكن لذاته والممكن لذاته لا يترجح وجوده على عدمه إلا عند الانتهاء إلى الواجب لذاته كما قال : { وأن إلى ربك المنتهى } وكما أن الإمكان لازم للممكن حال حدوثه وبقائه فافتقاره إلى الواجب حاصل حال حدوثه وحال بقائه ، وهذا الافتقار الذاتي اللازم للماهية أدل على الخضوع والتواضع من وضع الجبهة على الأرض فإن ذلك علامة وضعية للافتقار الذاتي ، وقد يتطرق إليها الصدق والكذب ، أما نفس الافتقار الذاتي فإنه ممتنع التغير والتبدل ، فجميع الممكنات ساجدة بهذا المعنى لله تعالى أي خاضعة متذللة معترفة بالفاقة إليه والحاجة إلى تخليقه وتكوينه ، وعلى هذا تأولوا قوله : { وإن من شيء إلا يسبح بحمده } وهذا قول القفال رحمه الله . القول الثالث : أن سجود هذه الأشياء سجود ظلها كقوله تعالى : { يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون } وهو قول مجاهد .

وأما قوله : { كثير من الناس وكثير حق عليه العذاب } فقال ابن عباس في رواية عطاء ( وكثير من الناس ) يوحده ( وكثير حق عليه العذاب ) ممن لا يوحده ، وروى عنه أيضا أنه قال ( وكثير من الناس ) في الجنة . وهذه الرواية تؤكد ما ذكرنا أن قوله : { وكثير من الناس } مبتدأ وخبره محذوف ، وقال آخرون : الوقف على قوله : { وكثير من الناس } ثم استأنف فقال : { وكثير حق عليه العذاب } أي وجب بإبائه وامتناعه من السجود .

وأما قوله تعالى : { ومن يهن الله فما له من مكرم } فالمعنى أن الذين حق عليهم العذاب ليس لهم أحد يقدر على إزالة ذلك الهوان عنهم فيكون مكرما لهم ، ثم بين بقوله : { إن الله يفعل ما يشاء } أنه الذي يصح منه الإكرام والهوان يوم القيامة بالثواب والعقاب ، والله أعلم .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسۡجُدُۤ لَهُۥۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلۡجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٞ مِّنَ ٱلنَّاسِۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيۡهِ ٱلۡعَذَابُۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكۡرِمٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ۩} (18)

{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء ( 18 ) } .

تمهيد :

تفيد الآية أن جميع العوالم خاضعة لقدرة الله ، وسلطانه طوعا وكرها .

التفسير :

18 - أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء .

ألم تر : ألم تعلم .

يسجد له : يخضع له بما يراد منه ، وهو السجود بالتسخير والانقياد لإرادته تعالى ، وهناك سجود بالاختيار وهو خاص بالإنسان ، وبه يستحق الثواب ، وسجود بالتسخير والانقياد لإرادته سبحانه ، وهو دال على الذلة والافتقار إلى عظمته جلت قدرته .

من في السماوات : هم الملائكة .

ومن في الأرض : هم الإنس والجن .

وكثير من الناس : ويسجد له كثير من الناس سجود طاعة ، فهو فاعل فعل مضمر .

وكثير حق عليه العذاب : وكثير منهم ثبت له العذاب وهم الكافرون .

ومن يهن الله : يجعله شقيا .

فما له من مكرم : فما له أحد يكرمه ويسعده .

إن الله يفعل ما يشاء : من الإهانة والإكرام .

ألم تشاهد أيها العاقل أن هذا الكون بكل ما فيه ، خاضع لله خضوع القهر والغلبة ، فقد سخر الله هذا الكون وأبدع نظامه ، وهو دال على وجود الخالق وعظمته ، ويسجد لله من في السماوات : من الملائكة والأبراج والأفلاك وغيرها ، ومن في الأرض : من الإنسان والجن وغيرهما ، ويسجد له أيضا : الشمس في مسارها وحركتها ، والقمر في سيره واختفائه ، والنجوم في ظهورها واختفائها ، والجبال تسجد خاضعة ، والشجر يسجد لله ، والحيوانات تسجد سجود تذلل وخضوع ، وكثير من الناس المؤمنين يسجدون لله سجود عبادة ، عن عقل وإرادة ، وكثير من الناس كفار جحدوا عبادته والسجود له ، فحق عليهم العذاب الدنيوي بالشقاء ، والأخروي في جهنم وبئس المصير .

ومن يهن الله بإبعاده عن الهداية ، والطمس عل قلبه ، فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ . فلن يستطيع أحد إسعاده أو إكرامه .

إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء .

مما تقتضيه حكمته وعدله ، فلا معقب لحكمه ، ولا معارض لمشيئته .

ملحق بتفسير الآية :

- أفرد الشمس والقمر والنجوم والجبال و الشجر والدواب بالذكر ، مع دخولها في عموم من يسجد لله تعالى ، في السماوات والأرض ، لأن الناس عبدوها مع الله ، مع أنها مخلوقة له ، وخاضعة لأحكامه .

قال تعالى : وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ . ( فصلت : 37 ) .

وفي الصحيحين عن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( أتدري أي تذهب هذه الشمس ؟ ) قلت : الله ورسوله أعلم . قال : ( فإنها تذهب فتسجد تحت العرش ، ثم تستأمر فيوشك أن يقال لها ارجعي من حيث جئت )vii .

وهذا الحديث يدل على خضوع الشمس لأمر الله ، فإنها تستأذن عند الغروب أن تسجد لله فيؤذن لها ، ثم تستأذن الله في الشروق فيؤذن لها ، وعند قيام الساعة تستأذن في الشروق أو الغروب فلا يؤذن لها ، فذاك قيام الساعة وطلوع الشمس من مغربها ، وهو رمز لاختلال نظام الكون ونهاية الحياة الدنيا .

وقد أورد ابن كثير في تفسير هذه الآية طائفة من الأحاديث النبوية من بينها ما يأتي :

أخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( إن الشمس والقمر خلقان من خلق الله ، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ، ولكن الله عز وجل إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له )viii .

والكسوف والخسوف ظاهرتان طبيعيتان ، تدلان على أن كل شيء في هذا الكون له نظام محكم مرتب ، سخره الله ويسره ، وهذا رمز تجلى الله لهذه المخلوقات ، أي تقديره لها وتسييره لها بالنظام الدقيق ، وأما الجبال والشجر فسجودهما بفيء ظلالهما عن اليمين و الشمائل .

- روى الترمذي وابن ماجة وابن حبان ، عن ابن عباس قال :

جاء رجل فقال : يا رسول الله إني رأيتني الليلة وأنا نائم كأني أصلي خلف شجرة ، فسجدت ، فسجدت الشجرة لسجودي ، فسمعتها وهي تقول : اللهم اكتب لي بها عندك أجرا ، وضع عني بها وزرا ، واجعلها لي عندك ذخرا ، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود . قال ابن عباس : فقرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سجدة ثم سجد ، فسمعته وهو يقول مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرةix .

وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد لها ؛ اعتزل الشيطان يبكي يقول : يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة ، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار )x .