مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأۡتِ بِـَٔاخَرِينَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرٗا} (133)

ثم قال تعالى : { ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا }

فإن قيل : ما الفائدة في تكرير قوله { ولله ما في السموات وما في الأرض }

قلنا : إنه تعالى ذكر هذه الكلمات في هذه الآية ثلاث مرات لتقرير ثلاثة أمور : فأولها : أنه تعالى قال : { وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته } والمراد منه كونه تعالى جوادا متفضلا ، فذكر عقيبه قوله { ولله ما في السموات وما في الأرض } والغرض تقرير كونه واسع الجود والكرم ، وثانيها : قال { وإن تكفروا فإن لله ما في السموات وما في الأرض } والمراد منه أنه تعالى منزه عن طاعات المطيعين وعن ذنوب المذنبين ، فلا يزداد جلاله بالطاعات ، ولا ينقص بالمعاصي والسيئات ، فذكر عقيبه قوله { فإن لله ما في السموات وما في الأرض } والغرض منه تقرير كونه غنيا لذاته عن الكل ، وثالثها : قال : { ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا } والمراد منه أنه تعالى قادر على الإفناء والإيجاد ، فإن عصيتموه فهو قادر على إعدامكم وإفنائكم بالكلية ، وعلى أن يوجد قوما آخرين يشتغلون بعبوديته وتعظيمه ، فالغرض هاهنا تقدير كونه سبحانه وتعالى قادرا على جميع المقدورات ، وإذا كان الدليل الواحد دليلا على مدلولات كثيرة فإنه يحسن ذكر ذلك الدليل ليستدل به على أحد تلك المدلولات ، ثم يذكره مرة أخرى ليستدل به على الثاني ، ثم يذكره ثالثا ليستدل به على المدلول الثالث ، وهذه الإعادة أحسن وأولى من الاكتفاء بذكر الدليل مرة واحدة ، لأن عند إعادة ذكر الدليل يخطر في الذهن ما يوجب العلم بالمدلول ، فكان العلم الحاصل بذلك المدلول أقوى وأجلى ، فظهر أن هذا التكرير في غاية الحسن والكمال . وأيضا فإذا أعدته ثلاث مرات وفرعت عليه في كل مرة إثبات صفة أخرى من صفات جلال الله تنبه الذهن حينئذ لكون تخليق السماوات والأرض دالا على أسرار شريفة ومطالب جليلة ، فعند ذلك يجتهد الإنسان في التفكر فيها والاستدلال بأحوالها وصفاتها على صفات الخالق سبحانه وتعالى ، ولما كان الغرض الكلي من هذا الكتاب الكريم صرف العقول والأفهام عن الاشتغال بغير الله إلى الاستغراق في معرفة الله ، وكان هذا التكرير مما يفيد حصول هذا المطلوب ويؤكده ، لا جرم كان في غاية الحسن والكمال . وقوله { وكان الله على ذلك قديرا } معناه أنه تعالى لم يزل ولا يزال موصوفا بالقدرة على جميع المقدورات ، فإن قدرته على الأشياء لو كانت حادثة لافتقر حدوث تلك القدرة إلى قدرة أخرى ولزم التسلسل .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأۡتِ بِـَٔاخَرِينَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرٗا} (133)

133_ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ . . . أي : هو قادر على إهلاككم و إفنائكم وتبديلكم بالناس آخرين غيركم ؛ لمؤازرة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ونصرته .

وَكَانَ اللّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا . . .

قال الطبري : وكان الله على إهلاككم وإفنائكم ، واستبدال آخرين غيركم قديرا يعني : ذا قدرة على ذلك {[130]}

كما قال تعالى : وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ . . . ( محمد : 38 )

قال بعض السلف :

ما أهون العباد على الله ؛ إذا أضاعوا أمره .

وقال عز شأنه : إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ . ( فاطر : 16 ، 17 ) .


[130]:(تفسير الطبري 9/298