مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{لَّن يَسۡتَنكِفَ ٱلۡمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبۡدٗا لِّلَّهِ وَلَا ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ ٱلۡمُقَرَّبُونَۚ وَمَن يَسۡتَنكِفۡ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَيَسۡتَكۡبِرۡ فَسَيَحۡشُرُهُمۡ إِلَيۡهِ جَمِيعٗا} (172)

ثم قال تعالى : { لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملئكة المقربون } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قال الزجاج : لن يستنكف أي لن يأنف ، وأصله في اللغة من نكفت الدمع إذا نحيته بأصبعك عن خدك ، فتأويل { لن يستنكف } أي لن يتنغص ولم يمنع ، وقال الأزهري : سمعت المنذري يقول : سمعت أبا العباس وقد سئل عن الاستنكاف فقال : هو من النكف ، يقال ما عليه في هذا الأمر من نكف ولا كف ، والنكف أن يقال له سوء ، واستنكف إذا دفع ذلك السوء عنه .

المسألة الثانية : روي أن وفد نجران قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لم تعيب صاحبنا قال : «ومن صاحبكم ؟ » قالوا عيسى ، قال : «وأي شيء قلت ؟ » قالوا تقول إنه عبد الله ورسوله ، قال : «إنه ليس بعار أن يكون عبد الله » ، فنزلت هذه الآية ، وأنا أقول : إنه تعالى لما أقام الحجة القاطعة على أن عيسى عبد الله ، ولا يجوز أن يكون ابنا له أشار بعده إلى حكاية شبهتهم وأجاب عنها ، وذلك لأن الشبهة التي عليها يعولون في إثبات أنه ابن الله هو أنه كان يخبر عن المغيبات وكان يأتي بخوارق العادات من الإحياء والإبراء ، فكأنه تعالى قال : { لن يستنكف المسيح } بسبب هذا القدر من العلم والقدرة عن عبادة الله تعالى فإن الملائكة المقربين أعلى حالا منه في العلم بالمغيبات لأنهم مطلعون على اللوح المحفوظ ، وأعلى حالا منه في القدرة لأن ثمانية منهم حملوا العرش على عظمته ، ثم إن الملائكة مع كمال حالهم في العلوم والقدرة لا يستنكفوا عن عبودية الله ، فكيف يستنكف المسيح عن عبوديته بسبب هذا القدر القليل الذي كان معه من العلم والقدرة ، وإذا حملنا الآية على ما ذكرناه صارت هذه الآيات متناسبة متتابعة ومناظرة شريفة كاملة ، فكان حمل الآية على هذا الوجه أولى .

المسألة الثالثة : استدل المعتزلة بهذه الآية على أن الملك أفضل من البشر . وقد ذكرنا استدلالهم بها في تفسير قوله { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } وأجبنا عن هذا الاستدلال بوجوه كثيرة ، والذي نقول هاهنا : إنا نسلم أن اطلاع الملائكة على المغيبات أكثر من اطلاع البشر عليها ونسلم أن قدرة الملائكة على التصرف في هذا العالم أشد من قدرة البشر ، كيف ويقال : إن جبريل قلع مدائن قوم لوط بريشة واحدة من جناحه إنما النزاع في أن ثواب طاعات الملائكة أكثر أم ثواب طاعات البشر ، وهذه الآية لا تدل على ذلك البتة ، وذلك لأن النصارى إنما أثبتوا إلهية عيسى بسبب أنه أخبر عن الغيوب وأتى بخوارق العادات . فإيراد الملائكة لأجل إبطال هذه الشبهة إنما يستقيم إذا كانت الملائكة أقوى حالا في هذا العلم ، وفي هذه القدرة من البشر ، ونحن نقول بموجبه . فأما أن يقال : المراد من الآية تفضيل الملائكة على المسيح في كثرة الثواب على الطاعات فذلك مما لا يناسب هذا الموضع ولا يليق به ، فظهر أن هذا الاستدلال إنما قوي في الأوهام لأن الناس ما لخصوا محل النزاع والله أعلم .

المسألة الرابعة : في الآية سؤال ، وهو أن الملائكة معطوفون على المسيح فيصير التقدير : ولا الملائكة المقربون في أن يكونوا عبيدا لله وذلك غير جائز .

والجواب فيه وجهان : أحدهما : أن يكون المراد ولا كل واحد من المقربين . الثاني : أن يكون المراد ولا الملائكة المقربون أن يكونوا عبيدا فحذف ذلك لدلالة قوله { عبدا لله } عليه على طريق الإيجاز .

المسألة الخامسة : قرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه ( عبيد الله ) على التصغير .

المسألة السادسة : قوله { ولا الملئكة المقربون } يدل على أن طبقات الملائكة مختلفة في الدرجة والفضيلة فالأكابر منهم مثل جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وحملة العرش ، وقد شرحنا طبقاتهم في سورة البقرة في تفسير قوله { وإذ قال ربك للملائكة } .

ثم قال تعالى : { ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا } والمعنى أن من استنكف عن عبادة الله واستكبر عنها فإن الله يحشرهم إليه أي يجمعهم إليه يوم القيامة حيث لا يملكون لأنفسهم شيئا .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{لَّن يَسۡتَنكِفَ ٱلۡمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبۡدٗا لِّلَّهِ وَلَا ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ ٱلۡمُقَرَّبُونَۚ وَمَن يَسۡتَنكِفۡ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَيَسۡتَكۡبِرۡ فَسَيَحۡشُرُهُمۡ إِلَيۡهِ جَمِيعٗا} (172)

المفردات :

لن يستنكف : لن يأنف ولن يستكبر ، وأصله من النكف . وهو تنحية الدمع عن الخد بالأصبع .

المقربون : الذين قربهم الله تعالى ورقع منازلهم على غيرهم .

ويستكبر : أصل الاستكبار : طلب الكبر والترفع عن الناس من غير استحقاق .

التفسير :

172- لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ . المسيح عيسى ابن مريم لن يأنف ولن يمتنع عن أن يكون واحدا من عباد الله ؛ لأنه عليه السلام- وهو نبي الله ورسوله- يوقن أنه من خلق الله . ويعلم أن الكل عبيد الله ، وأن العبودية لله لا تنقص من قدره ، ولا من قدر رسل الله وملائكته . فالعبودية لله مرتبة لا يأباها إلا كافر بنعمة الخلق والإنشاء .

وقد تحدثت آيات القرآن عن هذا المعنى في أكثر من موضع وأجابت عنه إجابة مقنعة ، داحضة للافتراء .

قال تعالى : وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا ، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا ، تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا ، أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا ، إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ، لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا ، وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا . ( مريم : 88-95 ) .

وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ . أي : وكذلك الملائكة المقربون لن يأنفوا ولن يمتنعوا عن أن يكونوا عبيدا لله لأنهم مفطورون على الطاعة .

لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ . ( التحريم : 6 ) .

والمقصود بهذا الاستطراد : تقوية الرد على النصارى وتأكيده حيث زعموا أن عيسى إله مع الله فلن يكون عبدا له ، ولما كان منشأ ذلك عندهم ، أن عيسى خلق من غير أب ، بين الله لهم أن الملائكة خلقوا من غير أب ولا أم ، ولهم عند الله تلك المكانة العالية ، وانهم أكمل حالا في العلم بالمغيبات ، وفي القدرة على حمل ما لا يستطيعه البشر ، وهم- مع ذلك- لا يأنفون من وصفهم بالعبودية ، بل يعتزون بأنهم عباد الله . . . فكيف يأنف عيسى من ذلك ؟ والعبودية لله أعلى مراتب الشرف ، وأعظم درجات الكمال كما قال الشاعر :

ومما زادني عجبا وتيها *** وكدت بأخمصى أطا الثريا

دخولي تحت قولك يا عبادي *** وأن صيرت أحمد لي نبيا

وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعًا . أي : ومن يأنف من عبادة الله ويمتنع عنها ، ويأبى الخضوع لطاعة الله ، ويستكبر عن كل ذلك ، فسيجد يوم القيامة ما يستحقه من عقاب بسبب استنكافه واستكباره ، فإن مرد العباد جميعا إليه- سبحانه- وسيجازى المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته .