مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ} (48)

ثم قال تعالى : { وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب } وهذا خطاب مع محمد صلى الله عليه وسلم ، فقوله { وأنزلنا إليك الكتاب بالحق } أي القرآن ، وقوله { مصدقا لما بين يديه من الكتاب } أي كل كتاب نزل من السماء سوى القرآن .

وقوله { ومهيمنا عليه } فيه مسائل :

المسألة الأولى : في المهيمن قولان : الأول : قال الخليل وأبو عبيدة : يقال قد يهيمن إذا كان رقيبا على الشيء وشاهدا عليه حافظا . قال حسان :

إن الكتاب مهيمن لنبينا *** والحق يعرفه ذوو الألباب

والثاني : قالوا : الأصل في قولنا : آمن يؤمن فهو مؤمن ، أأمن يؤامن فهو مؤامن بهمزتين ، ثم قلبت الأولى هاء كما في : هرقت وأرقت ، وهياك وإياك ، وقلبت الثانية ياء فصار مهيمنا ، فلهذا قال المفسرون { ومهيمنا عليه } أي أمينا على الكتب التي قبله .

المسألة الثانية : إنما كان القرآن مهيمنا على الكتب لأنه الكتاب الذي لا يصير منسوخا البتة ، ولا يتطرق إليه التبديل والتحريف على ما قال تعالى : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } وإذا كان كذلك كانت شهادة القرآن على أن التوراة والإنجيل والزبور حق صدق باقية أبدا ، فكانت حقيقة هذه الكتب معلومة أبدا .

المسألة الثالثة : قال صاحب الكشاف : قرئ { ومهيمنا عليه } بفتح الميم لأنه مشهود عليه من عند الله تعالى : بأن يصونه عن التحريف والتبديل لما قررنا من الآيات ، ولقوله { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه } والمهيمن عليه هو الله تعالى .

ثم قال تعالى : { فاحكم بينهم بما أنزل الله } يعني فاحكم بين اليهود بالقرآن والوحي الذي نزله الله تعالى عليك .

{ ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : { ولا تتبع } يريد ولا تنحرف ، ولذلك عداه بعن ، كأنه قيل : ولا تنحرف عما جاءك من الحق متبعا أهواءهم .

المسألة الثانية : روي أن جماعة من اليهود قالوا : تعالوا نذهب إلى محمد صلى الله عليه وسلم لعلنا نفتنه عن دينه ، ثم دخلوا عليه وقالوا : يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم ، وإنا إن اتبعناك اتبعك كل اليهود ، وإن بيننا وبين خصومنا حكومة فنحاكمهم إليك ، فاقض لنا ونحن نؤمن بك ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .

المسألة الثالثة : تمسك من طعن في عصمة الأنبياء بهذه الآية وقال : لولا جواز المعصية عليهم وإلا لما قال : { ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق } .

والجواب : أن ذلك مقدور له ولكن لا يفعله لمكان النهي . وقيل : الخطاب له والمراد غيره .

ثم قال تعالى : { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا }

وفيه مسائل :

المسألة الأولى : لفظ ( الشرعة ) : في اشتقاقه وجهان : الأول : معنى شرع بين وأوضح . قال ابن السكيت : لفظ الشرع مصدر : شرعت الإهاب ، إذا شققته وسلخته . الثاني : شرع مأخوذ من الشروع في الشيء وهو الدخول فيه ، والشريعة في كلام العرب المشرعة التي يشرعها الناس فيشربون منها ، فالشريعة فعيلة بمعنى المعفولة ، وهي الأشياء التي أوجب الله تعالى على المكلفين أن يشرعوا فيها ، وأما المنهاج فهو الطريق الواضح ، يقال : نهجت لك الطريق وأنهجب لغتان .

المسألة الثانية : احتج أكثر العلماء بهذه الآية على أن شرع من قبلنا لا يلزمنا ، لأن قوله { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } يدل على أنه يجب أن يكون كل رسول مستقلا بشريعة خاصة ، وذلك ينفي كون أمة أحد الرسل مكلفة بشريعة الرسول الآخر .

المسألة الثالثة : وردت آيات دالة على عدم التباين في طريقة الأنبياء والرسل ، وآيات دالة على حصول التباين فيها .

أما النوع الأول : فقوله : { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا } إلى قوله { أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه } وقال { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } .

وأما النوع الثاني : فهو هذه الآية ، وطريق الجمع أن نقول : النوع الأول من الآيات مصروف إلى ما يتعلق بأصول الدين ، والنوع الثاني مصروف إلى ما يتعلق بفروع الدين .

المسألة الرابعة : الخطاب في قوله { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } خطاب للأمم الثلاث : أمة موسى ، وأمة عيسى ، وأمة محمد عليهم السلام ، بدليل أن ذكر هؤلاء الثلاثة قد تقدم في قوله { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور } ثم قال { وقفينا على ءاثارهم بعيسى ابن مريم } ثم قال { وأنزلنا إليك الكتاب } .

ثم قال : { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } يعني شرائع مختلفة : للتوراة شريعة ، وللإنجيل شريعة ، وللقرآن شريعة .

المسألة الخامسة : قال بعضهم : الشرعة والمنهاج عبارتان عن معنى واحد ، والتكرير للتأكيد والمراد بهما الدين . وقال آخرون : بينهما فرق ، فالشرعة عبارة عن مطلق الشريعة ، والطريقة عبارة عن مكارم الشريعة ، وهي المراد بالمنهاج ، فالشريعة أول ، والطريقة آخر . وقال المبرد : الشريعة ابتداء الطريقة ، والطريقة المنهاج المستمر ، وهذا تقرير ما قلناه . والله اعلم بأسرار كلامه .

ثم قال تعالى : { ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة } أي جماعة متفقة على شريعة واحدة ، أو ذوي أمة واحدة ، أي دين واحد لا اختلاف فيه . قال الأصحاب : هذا يدل على أن الكل بمشيئة الله تعالى والمعتزلة حملوه على مشيئة الإلجاء .

ثم قال تعالى : { ولكن ليبلوكم فيما ءاتاكم } من الشرائع المختلفة ، هل تعملون بها منقادين لله خاضعين لتكاليف الله ، أم تتبعون الشبه وتقصرون في العمل .

{ فاستبقوا الخيرات } أي فابتدروها وسابقوا نحوها .

{ إلى الله مرجعكم جميعا } استئناف في معنى التعليل لاستباق الخيرات .

{ فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } فيخبركم بما لا تشكون معه من الجزاء الفاصل بين محقكم ومبطلكم ، وموفيكم ومقصركم في العمل ، والمراد أن الأمر سيؤول إلى ما يزول معه الشكوك ويحصل مع اليقين ، وذلك عند مجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ} (48)

المفردات :

مهينا عليه : مسيطرا .

شرعة : شريعة .

ومنهاجا : طريقا واضحا في تطبيق هذه الشريعة .

ليبلوكم : ليختبركم .

فاستبقوا الخيرات : أي : فليستبق كل منهم الآخر إلى فعل الخيرات .

التفسير :

48- وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ . . . الآية .

المراد بالكتاب الأول : القرآن ، وأل فيه للعهد ، والمراد بالكتاب الثاني : جنس الكتب السماوية فيشمل التوراة والإنجيل .

وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ . أي : رقيبا على ما سبقه من الكتب السماوية وأمينا وحاكما عليها ؛

لأنه هو الذي يشهد لها بالصحة ويقرر أصول شرائعها .

والمعنى :

لقد أنزلنا التوراة على موسى ، والإنجيل على عيسى ، وأنزلنا إليك يا محمد الكتاب الجامع لكل ما اشتملت عليه الكتب السماوية من هدايات وقد أنزلناه متلبسا بالحق الذي لا يحوم حوله باطل ، وجعلناه مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ . أي : مؤيدا لما في هذه الكتب التي تقدمته من دعوة إلى عبادة الله وحده ، وإلى التمسك بمكارم الأخلاق وجعلناه كذلك وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ . أي : أمينا ورقيبا وحاكما على كل كتاب سبقه .

قال ابن كثير :

جعل الله هذا الكتاب العظيم الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها ، جعله أشملها وأعظمها وأكملها ؛ لأنه سبحانه جمع فيه محاسن ما قبله من الكتب وزاد فيه من الكمالات ما ليس في غيره ، فلهذا جعله شاهدا وأمينا وحاكما عليها كلها ، وتكفل سبحانه بحفظه بنفسه فقال : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون . ( الحجر : 9 )

فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ . أي : فاحكم بين أهل الكتاب بالحق الذي أنزل إليك في كتابه الكريم ؛ فإنه المرجع السماوي الصحيح ، المحفوظ من التحريف ، وكل ما لا يتوافقه في التوراة والإنجيل منسوخ يحرم العمل به .

وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ . أي : أهواء أهل الملل السابقة ، ولا تعدل أو لا تنحرف عما جاءك من الحق . أي : الحق الذي أنزل الله عليك ، فإن كل ملة من الملل تهوى أن يكون الأمر علة ما هم عليه ، وما أدركوا عليه سلفهم ، وإن كان باطلا منسوخا أو منحرفا عن الحكم الذي أنزله الله على الأنبياء ، كما أرادوا في الرجم ونحوه مما حرفوه من كتب الله {[258]} .

لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً . أي : لكل أمة منكم با نبي آدم جعلنا شريعة تناسب أحوالها وزمانها ومنهاجا . أي : طريقا واضحا تسير عليه في تنفيذ أحكام شريعتهم . فقد جعل الله التوراة لأهلها ، والإنجيل لأهله ، والقرآن لأهله . وهذا قبل نسخ الشرائع السابقة بالقرآن ، وأما بعده فلا شرعة ولا منهاج إلا ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم {[259]} .

وقال ابن كثير :

هذا إخبار عن الأمم المختلفة الأديان ، باعتبار ما بعث الله به رسله الكرام من الشرائع المختلفة في الأحكام المتفقة في التوحيد كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة ، والأنبياء إخوة لعلات ، أمهاتهم شتى ، ودينهم واحد " {[260]} .

أي : في التوحيد الذي أرسل به كل رسول أرسله ، وضمنه كل كتاب أنزله .

قال تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ . ( الأنبياء : 25 )

وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً . بشريعة واحدة ، وكتاب واحد ورسول واحد .

وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم . أي : ولكن أنزل إليكم شرائع ومناهج مختلفة ؛ ليعاملكم معاملة من يختبركم فيما آتاكم من الشرائع ومدى امتثالكم لأحكامها ، هل تعملون بها مذعنين لها ، معتقدين أن في اختلافها نفعا لكم في معاشكم ومعادكم ؟ وهل تستجيبون لدعوة خاتم أنبيائه : الذي جاءكم بالشريعة التي ختمت بها الشرائع ، لتكون شريعة الناس كافة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .

فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ . أي : فليسبق كل منهم غيره فعل الخيرات .

قال الشوكاني : أي : فسابقوا أيها المسلمون غيركم من أصحاب الشرائع الذين عملوا على أساسها بطاعة الل ، ه واعملوا بطاعة الله على أساس شريعتكم .

قال الدكتور محمد سيد طنطاوي :

" لو شاء الله تعالى أن يجعل الأمم جميعا أمة واحدة تدين بدين واحد وبشريعة واحدة لفعل ؛ لأنه سبحانه لا يعجزه شيء ، ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك ، وإنما شاء أن يجعلكم أمما متعددة ؛ ليختبركم فيما آتاكم من شرائع مختلفة في بعض فروعها ولكنها متحدة في جوهرها وأصلها فيجازي من أطاعه بما يستحقه من ثواب ؛ ويجازي من خالف أمره بما يستحقه من عذاب .

وإذا كان الأمر كما وصفت لكم ؛ فسارعوا إلى القيام بالأعمال الصالحة وتنافسوا في عمل الخيرات بكل عزيمة ونشاط . اه .

إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ . أي : إلى الله وحده مصيركم ومرجعكم فيخبركم عند الحساب ؛ بما كنتم تختلفون فيه في الدنيا ، ويجازيكم بما تستحقون ، ويفصل بين المحق منكم والمبطل ، والعامل والمفرط .


[258]:فتح القدير للشوكاني.
[259]:فتح القدير للشوكاني.
[260]:أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم: تقدم 96.