أما قوله تعالى : { ووجدك ضالا فهدى } فاعلم أن بعض الناس ذهب إلى أنه كان كافرا في أول الأمر ، ثم هداه الله وجعله نبيا ، قال الكلبي : { وجدك ضالا } يعني كافرا في قوم ضلال فهداك للتوحيد ، وقال السدي : كان على دين قومه أربعين سنة ، وقال مجاهد : { وجدك ضالا } عن الهدى لدينه واحتجوا على ذلك بآيات أخر منها قوله : { ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان } وقوله : { وإن كنت من قبله لمن الغافلين } وقوله : { لئن أشركت ليحبطن عملك } فهذا يقتضي صحة ذلك منه ، وإذا دلت هذه الآية على الصحة وجب حمل قوله : { ووجدك ضالا } عليه ، وأما الجمهور من العلماء فقد اتفقوا على أنه عليه السلام ما كفر بالله لحظة واحدة ، ثم قالت المعتزلة : هذا غير جائز عقلا لما فيه من التنفير ، وعند أصحابنا هذا غير ممتنع عقلا لأنه جائز في العقول أن يكون الشخص كافرا فيرزقه الله الإيمان ويكرمه بالنبوة ، إلا أن الدليل السمعي قام على أن هذا الجائز لم يقع وهو قوله تعالى : { ما ضل صاحبكم وما غوى } ثم ذكروا في تفسير هذه الآية وجوها كثيرة ( أحدها ) : ما روي عن ابن عباس والحسن والضحاك وشهر بن حوشب : { ووجدك ضالا } عن معالم النعمة وأحكام الشريعة غافلا عنها فهداك إليها ، وهو المراد من قوله : { ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان } وقوله : { وإن كنت من قبله لمن الغافلين } ( وثانيها ) : ضل عن مرضعته حليمة حين أرادت أن ترده إلى جده حتى دخلت إلى هبل وشكت ذلك إليه فتساقطت الأصنام ، وسمعت صوتا يقول : إنما هلاكنا بيد هذا الصبي ، وفيه حكاية طويلة ( وثالثها ) : ما روي مرفوعا أنه عليه الصلاة والسلام قال : «ضللت عن جدي عبد المطلب وأنا صبي ضائع ، كاد الجوع يقتلني ، فهداني الله » ذكره الضحاك ، وذكر تعلقه بأستار الكعبة ، وقوله :
يا رب رد ولدي محمدا *** اردده ربي واصطنع عندي يدا
فما زال يردد هذا عند البيت حتى أتاه أبو جهل على ناقة وبين يديه محمد وهو يقول : لا ندري ماذا نرى من ابنك ، فقال عبد المطلب ولم ؟ قال : إني أنخت الناقة وأركبته من خلفي فأبت الناقة أن تقوم ، فلما أركبته أمامي قامت الناقة ، كأن الناقة تقول : يا أحمق هو الإمام فكيف يقوم خلف المقتدى ! وقال ابن عباس : رده الله إلى جده بيد عدوه كما فعل بموسى حين حفظه على يد عدوه ( ورابعها ) : أنه عليه السلام لما خرج مع غلام خديجة ميسرة أخذ كافر بزمام بعيره حتى ضل ، فأنزل الله تعالى جبريل عليه السلام في صورة آدمي ، فهداه إلى القافلة ، وقيل : إن أبا طالب خرج به إلى الشام فضل عن الطريق فهداه الله تعالى ( وخامسها ) : يقال : ضل الماء في الليل إذا صار مغمورا ، فمعنى الآية كنت مغمورا بين الكفار بمكة فقواك الله تعالى حتى أظهرت دينه ( وسادسها ) : العرب تسمي الشجرة الفريدة في الفلاة ضالة ، كأنه تعالى يقول : كانت تلك البلاد كالمفازة ليس فيها شجرة تحمل ثمر الإيمان بالله ومعرفته إلا أنت ، فأنت ، شجرة فريدة في مفازة الجهل فوجدتك ضالا فهديت بك الخلق ، ونظيره قوله عليه السلام : «الحكمة ضالة المؤمن » ( وسابعها ) : ووجدك ضالا عن معرفة الله تعالى حين كنت طفلا صبيا ، كما قال : { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا } فخلق فيك العقل والهداية والمعرفة ، والمراد من الضال الخالي عن العلم لا الموصوف بالاعتقاد الخطأ ( وثامنها ) : كنت ضالا عن النبوة ما كنت تطمع في ذلك ولا خطر شيء من ذلك في قلبك ، فإن اليهود والنصارى كانوا يزعمون أن النبوة في بني إسرائيل فهديتك إلى النبوة التي ما كنت تطمع فيها البتة ( وتاسعها ) : أنه قد يخاطب السيد ، ويكون المراد قومه فقوله : { ووجدك ضالا } أي وجد قومك ضلالا ، فهداهم بك وبشرعك ( وعاشرها ) : وجدك ضالا عن الضالين منفردا عنهم مجانبا لدينهم ، فكلما كان بعدك عنهم أشد كان ضلالهم أشد ، فهداك إلى أن اختلطت بهم ودعوتهم إلى الدين المبين ( الحادي عشر ) : وجدك ضالا عن الهجرة ، متحيرا في يد قريش متمنيا فراقهم وكان لا يمكنك الخروج بدون إذنه تعالى ، فلما أذن له ووافقه الصديق عليه وهداه إلى خيمة أم معبد ، وكان ما كان من حديث سراقه ، وظهور القوة في الدين كان ذلك المراد بقوله : { فهدى } ، ( الثاني عشر ) : ضالا عن القبلة ، فإنه كان يتمنى أن تجعل الكعبة قبلة له وما كان يعرف أن ذلك هل يحصل له أم لا ، فهداه الله بقوله : { فلنولينك قبلة ترضاها } فكأنه سمى ذلك التحير بالضلال ( الثالث عشر ) : أنه حين ظهرها له جبريل عليه السلام في أول أمره ما كان يعرف أهو جبريل أم لا ، وكان يخافه خوفا شديدا ، وربما أراد أن يلقي نفسه من الجبل فهداه الله حتى عرف أنه جبريل عليه السلام ( الرابع عشر ) : الضلال بمعنى المحبة كما في قوله : { إنك لفي ضلالك القديم } أي محبتك ، ومعناه أنك محب فهديتك إلى الشرائع التي بها تتقرب إلى خدمة محبوبك ( الخامس عشر ) : ضالا عن أمور الدنيا لا تعرف التجارة ونحوها ، ثم هديتك حتى ربحت تجارتك ، وعظم ربحت حتى رغبت خديجة فيك ، والمعنى أنه ما كان لك وقوف على الدنيا ، وما كنت تعرف سوى الدين ، فهديتك إلى مصالح الدنيا بعد ذلك ( السادس عشر ) : { ووجدك ضالا } أي ضائعا في قومك ؛ كانوا يؤذونك ، ولا يرضون بك رعية ، فقوي أمرك وهداك إلى أن صرت آمرا واليا عليهم ( السابع عشر ) : كنت ضالا ما كنت تهتدي على طريق السموات فهديتك إذ عرجت بك إلى السموات ليلة المعراج ( الثامن عشر ) ووجدك ضالا أي ناسيا لقوله تعالى : { أن تضل إحداهما } فهديتك أي ذكرتك ، وذلك أنه ليلة المعراج نسي ما يجب أن يقال بسبب الهيبة ، فهداه الله تعالى إلى كيفية الثناء حتى قال : «لا أحصي ثناء عليك » ( التاسع عشر ) : أنه وإن كان عارفا بالله بقلبه إلا أنه كان في الظاهر لا يظهر لهم خلافا ، فعبر عن ذلك بالضلال ( العشرون ) : روى علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون به غير مرتين ، كل ذلك يحول الله بيني وبين ما أريد من ذلك ، ثم ما هممت بعدهما بسوء حتى أكرمني الله برسالته ، فإني قلت ليلة لغلام من قريش ، كان يرعى معي بأعلى مكة ، لو حفظت لي غنمي حتى أدخل مكة ، فأسمر بها كما يسمر الشبان ، فخرجت أريد ذلك حتى أتيت أول دار من دور مكة ، فسمعت عزفا بالدفوف والمزامير ، فقالوا فلان ابن فلان يزوج بفلانة ، فجلست أنظر إليهم وضرب الله على أذني فنمت فما أيقظني إلا مس الشمس ، قال فجئت صاحبي ، فقال ما فعلت ؟ فقلت ما صنعت شيئا ، ثم أخبرته الخبر ، قال : ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك ، فضرب الله على أذني فما أيقظني إلا مس الشمس ، ثم ما هممت بعدهما بسوء حتى أكرمني الله تعالى برسالته » .
ضالا : غافلا عن أحكام الشرائع ، أو متحيرا فيما تراه من أحوال قومك .
فهدى : فهداك إلى أسباب الهداية بما أوحى إليك .
ووجدك غافلا عن الشرائع ، فأنزل عليك الوحي والتشريع .
قال تعالى : وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون* بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم . . . ( العنكبوت : 48 ، 49 ) .
وقيل : المعنى : وجدك في حيرة مما عليك قومك ، فاليهودية قد عبث بها الرؤساء ورجال الدين ، والمسيحية كذلك ، عبث بها القساوسة والشمامسة والبطارقة ، وكان العرب يدّعون أنهم على دين إبراهيم ، ومع ذلك كانوا يئدون البنات ، ويشربون الخمر ، ويرتكبون الزنا ، ويعبدون الأوثان ، ويبطش القوي بالضعيف ، ويستمسك الأغنياء والأقوياء بمالهم وجاههم ، فلا ينفقون منه على الفقراء والمحتاجين ، وكان الله قد منح محمدا صلى الله عليه وسلم فطرة سليمة ، فلم يسجد لصنم ، ولم يشرب الخمر ، ولم يرتكب الفواحش ، وكان يخلو بنفسه في غار حراء ، عابدا لله متأملا في هذا الكون ، متحيرا مما عليه الناس ، حتى اجتباه الله وأنزل عليه الوحي ، وهداه إلى طريق الرسالة وإحياء دين الإسلام .
وجمهور العلماء على أنه صلى الله عليه وسلم قد فطر على الإيمان بالله ، وما كان صلى الله عليه وسلم على دين قومه لحظة واحدة ، بدليل قوله تعالى : ما ضل صاحبكم وما غوى . ( النجم : 2 ) .
وقد كان هناك متحنثون من العرب ، زهدوا فيما عليه القوم ، وانصرفوا إلى التحنث وتوحيد الله ، أي ترك الحنث والإثم ، والزهد في الدنيا ، والرغبة في السموّ الروحي ، وكان قس بن ساعدة الإيادي يخطب في الناس ، ويقول : البعرة تدل على البعير ، وخط السير يدل على المسير ، سماء ذات أبراج ، وبحار ذات أمواج ، وأرض ذات فجاج ، الا يدل ذلك كله على اللطيف الخبير ، يقسم قسّ بالله قسما لا إثم فيه ، إن لله دينا هو أرضى من دينكم هذا .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد استمع إليه ، ثم قال صلى الله عليه وسلم لمن حوله : ( أيكم يحفظ شعره ) ؟ فقال أبو بكر الصديق : أنا أحفظ شعره ، وهو :
في الذاهبين الأولين *** من القرون بصائر
لم رأيت موارد للموت *** ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها *** تمضي الأكابر والأصاغر
أيقنت أنّي لا محالة *** حيث صار القوم صائر
وقد ذكر الأستاذ الدكتور حسين مؤنس في كتابه ( دراسات في السيرة النبوية ) أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان قبل أن يدخل في مراحل النبوة قد اتجه بقله ونفسه إلى البحث عن الحق ، أنفة من الأوثان ، وبصيرة منه بأنها عبث لا طائل وراءها ، أي أنه سار في طريق من عرفنا من الحنيفية ، دون أن يكون في جملتهم ، إنما هو كان يبحث وحده عن ملة إبراهيم عليه السلام ، وهذا بدوره مرتبط أشد الارتباط بما كان محمد صلى الله عليه وسلم عليه طوال ما مضى من حياته كلها ، فقد وجهه الله سبحانه في طريق الفضائل والكمالات ، لما سبق في تقديره سبحانه من أنه مصطفيه للرسالة الكبرى ، فكان مثالا في الفضل والخير والعصمة من الزلل ، حتى تستقيم معه الرسالة .
وقد كانت في بلاد العرب يهودية لكنها كانت سلبية لا تدعو الناس إليها ، وكانت تؤمن بالله ، وكانت في بلاد العرب مسيحية لكنها كانت محدودة جدا في بعض الصوامع أو الأديرة ، وكانت تؤمن بالله .
وفكرة الله خالق الكون ظلت في أذهن العرب ، لكنهم أشركوا معه معبوداتهم الوثنية ، وقالوا إنهم يتقربون بعبادتها إلى الله زلفى .
قال تعالى على لسانهم : ما نعبدهم إلا ليقرّبونا إلى الله زلفى . . . ( الزمر : 3 ) .
وكان من الحنيفيين ورقة بن نوفل ، وهو عم خديجة بنت خويلدi . اه .
كان صلى الله عليه وسلم في حيرة من أمر نفسه ، ومن أمر قومه ، فهداه الله برسالته الخاتمة ، وجعله هاديا ومبشرا ونذيرا ، وداعيا إلى الله وسراجا منيرا .
وقيل : إن معنى الآية : أن النبي ضلّ عن جده في شعاب مكة ، فرآه أبو جهل منصرفا عن أغنامه ، فرده إلى جده وهو متعلق بأستار الكعبة ، يضرع إلى الله تعالى ويقول :