مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي  
{سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّٗا كَبِيرٗا} (43)

ثم قال تعالى : { سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا } وفيه مسألتان :

المسألة الأولى : لما أقام الدليل القاطع على كونه منزها عن الشركاء . وعلى أن القول بإثبات الآلهة قول باطل ، أردفه بما يدل على تنزيهه عن هذا القول الباطل فقال : { سبحانه } وقد ذكرنا أن التسبيح عبارة عن تنزيه الله تعالى عما لا يليق به ، ثم قال : { وتعالى } والمراد من هذا التعالي الارتفاع وهو العلو ، وظاهر أن المراد من هذا التعالي ليس هو التعالي في المكان والجهة ، لأن التعالي عن الشريك والنظير والنقائص والآفات لا يمكن تفسيره بالتعالي بالمكان والجهة ، فعلمنا أن لفظ التعالي في حق الله تعالى غير مفسر بالعلو بحسب المكان والجهة .

المسألة الثانية : جعل العلو مصدر التعالي فقال تعالى : { علوا كبيرا } وكان يجب أن يقال تعالى تعاليا كبيرا إلا أن نظيره قوله تعالى : { والله أنبتكم من الأرض نباتا } .

فإن قيل : ما الفائدة في وصف ذلك العلو بالكبير ؟

قلنا : لأن المنافاة بين ذاته وصفاته سبحانه وبين ثبوت الصاحبة والولد والشركاء والأضداد والأنداد منافاة بلغت في القوة والكمال إلى حيث لا تعقل الزيادة عليها ، لأن المنافاة بين الواجب لذاته والممكن لذاته ، وبين القديم والمحدث ، وبين الغني والمحتاج منافاة لا تعقل الزيادة عليها فلهذا السبب وصف الله تعالى ذلك العلو بالكبير .