روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَإِذَا بَلَغَ ٱلۡأَطۡفَٰلُ مِنكُمُ ٱلۡحُلُمَ فَلۡيَسۡتَـٔۡذِنُواْ كَمَا ٱسۡتَـٔۡذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} (59)

{ وَإِذَا بَلَغَ الاطفال مِنكُمُ الحلم } لما بين سبحانه آنفاً حكم الأطفال من أنهم لا يحتاجون إلى الاستئذان في غير الأوقات الثلاثة عقب جل وعلا ببيان حالهم إذا بلغوا دفعاً لما عسى أن يتوهم أنهم وإن كانوا أجانب ليسوا كسائر الأجانب بسبب اعتيادهم الدخول فاللام في { الأطفال } للعهد إشارة إلى { الذين لم يبلغوا الحلم } [ النور : 58 ] المجعولين قسماً للمماليك أي إذا بلغ الأطفال الأحرار الأجانب { فَلْيَسْتَأْذِنُواْ } إذا أرادوا الدخول عليكم { كَمَا استأذن الذين مِن قَبْلِهِمْ } أي الذين ذكروا من قبلهم في قوله تعالى : { يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلّمُواْ على أَهْلِهَا } [ النور : 72 ] وجوز أن تكون القبلية باعتبار الوصف لا باعتبار الذكر في «النظم الجليل » بقرينة ذكر البلوغ وحكم الطفولية أي الذين بلغوا من قبلهم . وأخرج هذا ابن أبي حاتم عن مقاتل وزعم بعضهم أنه أظهر .

/ وتعقب بأن المراد بالتشبيه بيان كيفية استئذان هؤلاء وزيادة إيضاحه ولا يتسنى ذلك إلا بتشبيهه باستئذان المعهودين عند السامع ، ولا ريب في أن بلوغهم قبل بلوغ هؤلاء مما لا يخطر ببال أحد وإن كان الأمر كذلك في الواقع وإنما المعهود المعروف ذكرهم قبل ذكرهم ، فالمعنى فليستأذنوا استئذاناً كائناً مثل استئذان المذكورين قبلهم بأن يستأذنوا في جميع الأوقات ويرجعوا إن قيل لهم ارجعوا حسبما فصل فيما سلف ، وكون المراد بالأطفال الأطفال الأحرار الأجانب قد ذهب إليه غير واحد ، وقال بعض الأجلة : المراد بهم ما يعم الأحرار والمماليك فيجب الاستئذان على من بلغ من الفريقين وأوجب هذا استئذان العبد البالغ على سيدته لهذه الآية ، وقال في «البحر » { مّنكُمْ } أي من أولادكم وأقربائكم .

وأخرج ابن أبي حاتم نحو هذا التفسير عن سعيد بن جبير . وأخرج عن سعيد بن المسيب أنه قال : يستأذن الرجل على أمه فإنما نزلت : { وَإِذَا بَلَغَ الاطفال مِنكُمُ الحلم } في ذلك . وأخرج سعيد بن منصور . والبخاري في الأدب . وابن المنذر . وابن أبي حاتم . وابن مردويه عن عطاء أنه سأل ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أأستأذن على أختي ؟ قال : نعم قلت : إنها في حجري وأنا أنفق عليها وإنها معي في البيت أأستأذن عليها ؟ قال : نعم إن الله تعالى يقول : { لِيَسْتَأْذِنكُمُ الذين مَلَكَتْ أيمانكم والذين لَمْ يَبْلُغُواْ الحلم } [ النور : 58 ] الآية فلم يأمر هؤلاء بالاستئذان إلا في العورات الثلاث وقال تعالى : { وَإِذَا بَلَغَ الاطفال مِنكُمُ الحلم فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا استأذن الذين مِن قَبْلِهِمْ } فالإذن واجب على خلق الله تعالى أجمعين ، وروي عنه رضي الله تعالى عنه أنهق ال : آية لا يؤمن بها أكثر الناس آية الإذن وإني لآمر جارتي يعني زوجته أن تستأذن علي ، وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه عليكم أن تستأذنوا على آبائكم وأمهاتكم وأخواتكم ، ونقل عن بعضهم أن وجوب الاستئذان المستفاد من الأمر الدال عليه في الآية منسوخ وأنكر ذلك سعيد بن جبير روى عنه يقولون : هي منسوخة لا والله ما هي منسوخة ولكن الناس تهاونوا بها ، وعن الشعبي ليست منسوخة فقيل له : إن الناس لا يعملون بها فقال : الله تعالى المستعان ، وقيل : ذلك مخصوص بعدم الرضا وعدم باب يغلق كما كان في العصر الأول { كذلك يُبَيّنُ الله لَكُمْ ءاياته والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ } الكلام فيه كالذي سبق ، والتكرير للتأكيد والمبالغة في طلب الاستئذان ، وإضافة الآيات إلى ضمير الجلالة لتشريفها وهو مما يوقي أمر التأكيد والمبالغة .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِذَا بَلَغَ ٱلۡأَطۡفَٰلُ مِنكُمُ ٱلۡحُلُمَ فَلۡيَسۡتَـٔۡذِنُواْ كَمَا ٱسۡتَـٔۡذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} (59)

قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم ( 58 ) وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم ( 59 ) والقواعد من النساء التي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم ( 60 ) } .

روي عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية قال : وجّه رسول الله ( ص ) غلاما من الأنصار يقال له مدلج بن عمرو إلى عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) وقت الظهيرة ليدعوه . فدخل فرأى عمر بحالة كره عمر رؤيته عليها . فقال : يا رسول الله ، وددت لو أن الله تعالى أمرنا ونهانا في حال الاستئذان .

فأنزل الله تعالى هذه الآية .

وقيل : نزلت في أسماء بنت مرثد كان لها غلاما كبير فدخل عليها في وقت كرهته ، فأتت رسول الله ( ص ) فقالت : إن خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حال نكرهها . فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية{[3286]} .

هذه الآية خاصة وما قبلها عامة . فما تقدم في أول السورة يتضمن استئذان الأجانب بعضهم على بعض . أما هذه الآية فهي في استئذان الأقارب بعضهم على بعض ؛ فقد أمر الله المؤمنين أن يستأذنهم من عندهم من المملوكين والخدم والأطفال الذين لم يبلغوا الحلم . فما ينبغي لهؤلاء أن يدخلوا على المؤمنين إلا بعد استئذانهم . وذلك في حالات ثلاث تقتضي عادة الناس التكشف فيها والتعري . وهي :

الحالة الأولى : قبل صلاة الغداة ؛ إذ الناس نيام في فُرشهم . والدخول عليهم من غير إذن منهم فيه مضايقة شديدة وحرج كبير . وفي ذلك يقول الله سبحانه ( يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر ) .

الحالة الثانية : وقت القيلولة ؛ إذ يضع الناس ثيابهم طلبا للراحة والنوم . والدخول عليهم في مثل هذه الحالة يفضي إلى كشف أستارهم والاطلاع على عوراتهم . وفي ذلك من الحرج ما لا يخفى . وفي ذلك يقول عز وعلا : ( وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ) .

الحالة الثالثة : وقت النوم ، إذ يثوي المرء إلى فراشه طلبا للهجعة والدعة وربما أفضى الرجل إلى أهله وهو مطمئن بأن أحدا من الناس لا يراه وزوجه . ومن أجل ذلك لزم أن لا يهجم الخدم والصغار على أهل البيت من غير إذن .

قوله : ( ثلاث عورات لكم ) ( ثلاث عورات ) ، مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف ، وتقديره : هذه ثلاثة عورات ؛ أي ثلاث أوقات عورات{[3287]} .

قوله : ( ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن ) أي ليس عليكم ولا عليهم إثم ولا حرج في الدخول من غير استئذان بعد هذه العورات الثلاث . والهاء والنون في ( بعدهن ) عائدتان على الثلاث من قوله : ( ثلاث عورات لكم ) .

قوله : ( طوافون عليكم بعضكم على بعض ) ( طوافون ) ، خبر لمبتدأ محذوف . وتقديره هم طوافون ؛ أي أنتم طوافون . و ( بعضكم ) ، مرفوع على أنه بدل من المضمر في ( طوافون ) والتقدير : يطوف بعضكم على بعض{[3288]} والمعنى : أن هؤلاء الصغار والمماليك طوافون عليكم أيها الناس . بمعنى أنهم يدخلون ويخرجون عليكم في منازلكم في الغداة والعشي من غير إذن ( بعضكم على بعض ) أي يطوفون عليكم وتطوفون عليهم . أو يطوف بعضكم على بعض .

قوله : ( كذلك يبين الله لكم الآيات ) الكاف في موضع نصب صفة لمصدر محذوف ؛ أي يبين الله لكم الآيات الدالة على ما شرعه لكم من الأحكام مثل ذلك التبيين .

قوله : ( والله عليم حكيم ) الله يعلم ما يصلح عليه العباد من الأحكام . وهو سبحانه حكيم في شرعه وفي تدبيره أمور العباد .


[3286]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 222.
[3287]:- البيان لابن الأنباري جـ2 ص 199.
[3288]:- البيان لابن الأنباري جـ 2 ص 200.

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَإِذَا بَلَغَ ٱلۡأَطۡفَٰلُ مِنكُمُ ٱلۡحُلُمَ فَلۡيَسۡتَـٔۡذِنُواْ كَمَا ٱسۡتَـٔۡذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} (59)

تفسير الشافعي 204 هـ :

{وَإِذَا بَلَغَ اَلأطْفَالُ مِنكُمُ اَلْحُلُمَ فَلْيَسْتَأذِنُوا كَمَا اَسْتَأذَنَ اَلذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} فأخبر أن عليهم إذا بلغوا الاستئذان فرضا كما كان على من قبلهم من البالغين..

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: إذا بلغ الصغار من أولادكم وأقربائكم ويعني بقوله:"مِنْكُمْ": من أحراركم "الحُلُمَ "يعني: الاحتلام واحتلموا، "فَلْيَسْتأْذِنُوا "يقول: فلا يدخلوا عليكم في وقت من الأوقات إلاّ بإذن، لا في أوقات العَورات الثلاث ولا في غيرها. وقوله: "كمَا اسْتَأذَنَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ" يقول: كما استأذن الكبار من ولد الرجل وأقربائه الأحرار، وخصّ الله تعالى ذكره في هذه الآية الأطفال بالذكر وتعريف حكمهم عباده في الاستئذان دون ذكر ما ملكت أيماننا، وقد تقدّمت الآية التي قبلها بتعريفهم حكم الأطفال الأحرار والمماليك لأن حكم ما ملكت أيماننا من ذلك حكم واحد، سواء فيه حكم كبارهم وصغارهم في أن الإذن عليهم في الساعات الثلاث التي ذكرها الله في الآية التي قبل...

"كَذلكَ يُبَيّنُ اللّهُ لَكُمْ آياتِهِ" يقول: هكذا يبين الله لكم آياته، أحكامه وشرائع دينه، كما بين لكم أمر هؤلاء الأطفال في الاستئذان بعد البلوغ.

"وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ" يقول: والله عليم بما يصلح خلقه وغير ذلك من الأشياء، حكيم في تدبيره خلقه.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{الأطفال مِنكُمُ} أي من الأحرار دون المماليك {الذين مِن قَبْلِهِمْ} يريد: الذين بلغوا الحلم من قبلهم، وهم الرجال. أو الذين ذكروا من قبلهم في قوله: {يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ} الآية [النور: 27]: والمعنى أنّ الأطفال مأذون لهم في الدخول بغير إذن إلا في العورات الثلاث، فإذا اعتاد الأطفال ذلك ثم خرجوا عن حدّ الطفولة بأن يحتلموا أو يبلغوا السنّ التي يحكم فيها عليهم بالبلوغ، وجب أن يفطموا عن تلك العادة ويحملوا على أن يستأذنوا في جميع الأوقات كما الرجال الكبار الذين لم يعتادوا الدخول عليكم إلاّ بإذن...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{الحلم} أي السن الذي يكون فيه إنزال المني برؤية الجماع في النوم، هذا أصله، والمراد سن مطلق الإنزال..

ولما كانت آيات الاستئذان أتقن حاسم لمواد الشر، وتركها أعظم فاتح لأبواب الفتن، وكان إخراج الكلام، في أحكام الحلال والحرام، مع التهذيب والبيان، في النهاية من الصعوبة، وكان فطم النفوس عما ألفت في غاية من العسر شديدة، أشار سبحانه إلى ذلك بتكرير آية البيان، إشارة إلى أنها -لما لها من العلو- جديرة بالتأكيد، وإلى أن البلغاء يستبعدون القدرة على البيان كلما أريد على هذا السنن فقال: {كذلك} أي مثل ذلك البيان الذي بينه في آيات الأحكام {يبين الله} بما له من صفات الكمال {لكم} مع ما لكم من خلال النقص {آياته} أي العلامات الدالة عليه من هذه الفرعيات وما رقت إليه من الأصليات، فأضافها إليه سبحانه تعظيماً لها، إشارة إلى أنها مقدمة للآيات الإلهيات، لأن من لم يتفرغ من مكدرات الأفكار، لم يطر ذلك المطار، وحثاً على تدبر ما تقدم منها لاستحضار ما دعت إليه من الحكم، وفصلت به من المواعظ، وتنبيهاً على ما فيها من العلوم النافعة ديناً ودنيا، وزاد في الترغيب في العلم والحكمة إشارة إلى أن ذلك سبب كل سعادة فقال: {والله} أي المحيط بكل شيء {عليم حكيم}

روى الطبراني وغيره "عن أنس رضي الله عنه قال: لما كانت صبيحة احتلمت دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته أني قد احتلمت، فقال: "لا تدخل على النساء"، فما أتى عليّ يومٌ كان أشد منه".

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

فأما حين يدرك الصغار سن البلوغ، فإنهم يدخلون في حكم الأجانب، الذين يجب أن يستأذنوا في كل وقت، حسب النص العام، الذي مضت به آية الاستئذان. ويعقب على الآية بقوله: (والله عليم حكيم) لأن المقام مقام علم الله بنفوس البشر، وما يصلحها من الآداب؛ ومقام حكمته كذلك في علاج النفوس والقلوب.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

وبلوغ الحلم أن ينضج الإنسان نضجا يجعله صالحا لإنجاب مثله، فهذه علامة اكتمال تكوينه، وهذا لا يتأتى إلا باستكمال الغريزة الجنسية التي هي سبب النسل والإنجاب...ونقول له: انتهت الرخصة التي منحها لك الشرع، وعليك أن تستأذن في جميع الأوقات...

{كما استأذن الذين من قبلهم} أي: من الكبار الذين يستأذنون في كل الأوقات..