روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ بَوَّأۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ مُبَوَّأَ صِدۡقٖ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ فَمَا ٱخۡتَلَفُواْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقۡضِي بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ} (93)

{ وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِى إسراءيل } كلام مستأنف سيق لبيان النعم الفائضة عليهم أثر نعمة الانجاء على وجه الاجمال واخلالهم بشكرها ، وبوأ بمعنى أنزل كأباء والاسم منه البيئة بالكسر كما في القاموس ، وجاء بوأه منزلا وبوأه في منزل وكذا بوأت له مكاناً إذا سويته ، وهو مما يتعدى لواحد ولاثنين أي أنزلناهم بعد أن انجيناهم وأهلكنا أعداءهم { مُبَوَّأَ صِدْقٍ } أي منزلاً صالحاً مرضياً وهو اسم مكان منصوب على الظرفية ، ويحتمل المصدرية بتقدير مضاف أي مكان مبوأ وبدونه ، وقد يجعل مفعولاً ثانياً ، وأصل الصدق ضد الكذب لكن جرت عادة العرب على أنهم إذا مدحوا شيئاً أضافوه إلى الصدق فقالوا : رجل صدق مثلاً إذا كان كاملاً في صفته صالحاً للغرض المطلوب منه كأنهم لاحظوا أن كل ما يظن به فهو صادق ، والمراد بهذا المبوأ كما رواه ابن املنذر . وغيره عن الضحاك الشام ومصر ، فإن بني إسرائيل الذين كانوا في زمان موسى عليه السلام وهم المرادون هنا ملكوا ذلك حسبما ذهب إليه جمع من الفضلاء .

وأخرج أبو الشيخ . وغيره عن قتادة أن المراد به الشام وبيت المقدس واختاره بعضهم بناء على أن أولئك لم يعودوا إلى مصر بعد ذلك ، وأنت تعلم أنه ينبغي أن يراد ببني إسرائيل عن القولين ما يشمل ذريتهم بناء على أنهم ما دخلوا الشام في حياة موسى عليه السلام وإنما دخلها أبناؤهم وقد تقدم لك ما يتعلق بهذا المقام فتذكره .

وقيل : المراد به أطراف المدينة إلى جهة الشأم ، وببني اسرائيل بنو إسرائيل الذي كانوا على عهد نبينا عليه أفضل الصلاة وأكمل السلام { وَرَزَقْنَاهُمْ مّنَ * الطيبات } أي اللذائذ ؛ قيل : وقد يفسر بالحلال { فَمَا اختلفوا } في أمور دينهم بل كانوا متبعين أمر رسولهم عليه السلام { حتى جَاءهُمُ العلم } أي إلا بعد ما علموا بقراءة التوراة والوقوف على أحكامها ، وقيل : المعنى ما اختلفوا في أمر محمد صلى الله عليه وسلم إلا بعد ما علموا صدق نبوته بنعوته المذكورة في كتابهم وتظاهر معجزاته ، وهو ظاهر على القول الأخير في المراد من بني إسرائيل المبوئين ، وأما على القول الأول ففيه خفاء لأن أولئك المبوئين الذين كانوا في عصر موسى عليه السلام لم يختلفوا في أمر نبيا صلى الله عليه وسلم ضرورة لينسب إليهم ذلك الاختلاف حقيقة ، وليس هذا نظير قوله تعالى : { وَإِذْ أنجيناكم مّنْ ءالِ فِرْعَونَ } [ الأعراف : 141 ] الآية ولا قوله سبحانه : { فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنبياء الله } [ البقرة : 91 ] ليعتبر المجاز ، وزعم الطبرسي أن المعنى أنهم كانوا جميعاً على الكفر لم يختلفوا فيه حتى أرسل إليهم موسى عليه السلام ونزلت التوراة فيها حكم الله تعالى فمنهم من آمن ومنهم من أصر على كفره وليس بشيء أصلاً كما لا يخفى { إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } فيميز بين المحق والمبطل بالإثابة والعقوبة .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ بَوَّأۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ مُبَوَّأَ صِدۡقٖ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ فَمَا ٱخۡتَلَفُواْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقۡضِي بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ} (93)

قوله تعالى : { ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } ذلك إخبار من الله عما أنعمه على بني إسرائيل من خيرات الدنيا وبركاتها وهو قوله : { بوأنا بن إسرائيل مبوأ صدق } أي أسكناهم مكانا كريما محمودا ؛ إذ أنزلهم الله منزلا صالحا فيه من الأمن والرضى والاستقرار . وهو مصر والشام ؛ فقد أهلك الله فرعون ودمر عليه وقومه تدميرا . وأورث بني إسرائيل ديارهم وأموالهم وما تركوه من جنات وخيرات وكنوز ومذخورات لا حصر لها فعاشوا في نعيم وبحبوحة ليس لهما نظير .

قوله : { فما اختلفوا حتى جاءهم العلم } يعني : ما اختلفوا وتفرقت قلوبهم وأهواؤهم وتشبهت آراؤهم وفرقهم حتى جاءهم كتاب الله وهو التوراة ، فاختلفوا فيها اختلافا كثيرا .

وقيل : المراد أن بني إسرائيل ما تختلفوا حتى جاءهم ما كانوا يعلمون ويقرأون خبره في كتابهم ، وهو بعث رسول الله إلى الناس كافة ؛ فقد كانوا قبل أن يبعث عليه الصلاة والسلام مجمعين على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والإقرار بصدق رسالته ، ووجوب الإيمان به وتأييده من غير خلاف بينهم في هذه الحقيقة . فلما جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كفروا به وجحدوا وكذبوه وصدوا الناس عن دينه صدودا بمختلف الأساليب والأسباب .

قوله : { إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } الله يفصل بين هؤلاء المختلفين الذين اختلفوا في دينهم وما أنزل إليهم من ربهم ، وما اختلفوا فيه من أمر رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ؛ إذ صدقه قلة منهم وكذبه الأكثرون . يفصل بينهم يوم القيامة فيجازي المحسن بإحسانه ، والمسيء بإساءته{[2029]} .


[2029]:تفسير الطبري جـ 11 ص 114، 115 وفتح القدير جـ 2ص 473 وتفسير ابن كثير جـ 2 ص 431 وتفسير الرازي جـ 17 ص 165.