روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ ثُمَّ يَتَوَفَّىٰكُمۡۚ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡ لَا يَعۡلَمَ بَعۡدَ عِلۡمٖ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٞ قَدِيرٞ} (70)

{ والله خَلَقَكُمْ ثُمَّ يتوفاكم } حسبما تقتضيه مشيئته تعالى المبنية على الحكم البالغة بآجال مختلفة ، والقرينة على إرادة ذلك قوله سبحانه : { وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر } ولذا قيل : إنه معطوف على مقدر أي فمنكم من تعجل وفاته ومنكم الخ ، و { عَلَيْهِمُ العمر } أخسه وأحقره وهو وقت الهرم التي تنقص فيه القوى وتفسد الحواس ويكون حال الشخص فيه كحاله وقت الطفولية من ضعف العقل والقوة ، ومن هنا تصور الرد فهذا كقوله تعالى : { وَمَن نّعَمّرْهُ نُنَكّسْهُ في الخلق } [ يس : 68 ] ففيه مجاز ، وأخرج ابن جرير عن علي كرم الله تعالى وجهه أن { أَرْذَلِ العمر } خمس وسبعون سنة ؛وعن قتادة أنه تسعون ، وقيل : خمس وتسعون واختار جمع تفسيره بما سبق وهو يختلف باختلاف الأمزجة فرب معمر لم تنتقص قواه ومنتقص القوى لم يعمر ، ولعل التقييد بسن مخصوص مبني على الأغلب عند من قيد .

والخطاب إن كان للموجودين وقت النزول فالتعبير بالماضي والمستقبل فيه ظاهر ، وإن كان عاماً فالمضي بالنسبة إلى وقت وجودهم ، والاستقبال بالنسبة إلى الخلق ، وعلى التقديرين الظاهر أن { مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر } يعم المؤمن مطلقاً والكافر ، وقيل : إنه مخصوص بالكافر والمسلم لا يرد إلى إرذل العمر لقوله تعالى : { ثُمَّ رددناه أَسْفَلَ سافلين * إِلاَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } [ التين : 5 ، 6 ] وأخرج ابن المنذر . وغيره عن عكرمة أنه قال : من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر ، والمشاهدة تكذب كلا القولين فكم رأينا مسلماً قارىء القرآن قد رد إلى ذلك ، والاستدلال بالآية على خلافه فيه نظر ، وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم كما أخرجه البخاري . وابن مردويه عن أنس «أعوذ بك من البخل والكسل وأرذل العمر وعذاب القبر وفتنة الدجال وفتنة المحيا والممات »

{ لكي لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا } اللام للصيرورة والعاقبة وهي في الأصل للتعليل وكي مصدرية والفعل منصوب بها والمنسبك مجرور باللام والجار والمجرور متعلق بيرد ، وزعم الحوفي أن اللام لام كي دخلت على كي للتوكيد وليس بشيء ، والعلم بمعنى المعرفة ، والكلام كناية عن غاية النسيان أي ليصير نساءً بحيث إذا كسب علماً في شيء لم ينشب أن ينساه ويزل عنه علمه من ساعته يقول لك : من هذا ؟ فتقول : فلان فما يلبث لحظة إلا سألك عنه ، وقيل : المراد لئلا يعلم زيادة علم على علمه ، وقيل : لئلا يعقل من بعد عقله الأول شيئاً فالعلم بمعنى العقل لا بمعناه الحقيقي كما في سابقه ، وفيه دلالة على وقوفه وأنه لا يقدر على علم زائد ، والوجه المعتمد الأول ، ونصب شيئاً على المصدرية أو المفعولية ، وجوز فيه التنازع بين يعلم وعلم ، وكون مفعول علم محذوفاً لقصد العموم أي لا يعلم شيئاً ما بعد علم أشياء كثيرة { إِنَّ الله عَلِيمٌ } بكل شيء ومن ذلك وجه الحكمة في الخلق والتوفي والرد إلى أرذل العمر { قَدِيرٌ } على كل شيء ومنه ما يشاؤه سبحانه من ذلك ، وقيل : عليم بمقادير أعماركم قدير على كل شيء يميت الشاب النشيط ويبقى الهرم الفاني ، وفيه تنبيه على أن تفاوت الآجال ليس إلا بتقدير قادر حكيم رتب الأبنية وعدل الأمزجة على قدر معلوم ولو كان ذلك مقتضى الطبائع لما بلغ هذا المبلغ ، وقيل : إنه تعالى لما ذكر ما يعرض في الهرم من ضعف القوى والقدرة وانتفاء العلم ذكر أنه جل شأنه مستمر على العلم الكامل والقدرة الكاملة لا يتغيران بمرور الأزمان كما يتغير علم البشر وقدرتهم ، ويفيد الاستمرار الجملة الاسمية ، والكمال صيغة فعيل ، وقدم صفة العلم لتجاوز انتفاء العلم عن المخاطبين مع أن تعلق صفة العلم بالشيء أول لتعلقه صفة القدرة به ، ولا يخفى عليك ما هو الأولى من الثلاثة فتدبر .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ ثُمَّ يَتَوَفَّىٰكُمۡۚ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡ لَا يَعۡلَمَ بَعۡدَ عِلۡمٖ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٞ قَدِيرٞ} (70)

قوله تعالى : { والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا إن الله عليم قدير ( 70 ) } ، بهذه الآية القصيرة في كلماتها المؤثرة المعدودة يبين الله حال الإنسان بدءا بنشأته ، وانتهاءً بموته ورحيله إلى الدار الآخرة ، وما بين البداية والنهاية من مختلف المراحل المتطورة من حال إلى حال . فأول ذلك الاجتنان في الأرحام . ثم الرضاع في مطلع الحياة للإنسان ، ثم الفتوة والمراهقة ، ثم الشباب واكتمال القوة في الأجساد ، ثم الاكتهال والشيخوخة ، ثم الهرم والسن الطاعنة والازدلاف من الموت . وذلك كله في قوله تعالى : ( والله خلقكم ثم يتوفاكم ) ، وما بين الخلق والوفاة تتفاوت الأعمار والآجال والأقدار بين الناس ؛ فمنهم من يتوفاه الله صغيرا ، ومنهم من يتوفاه شابا ، ومنهم من يمتد به العمر إلى أخسه . وفي ذلك يقول سبحانه : ( ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ) ، أي : آخر العمر الذي تفسد فيه الحواس ، ويضعف العقل ، ويأتي عليه الخرف والخلل . وكذا البدن بمختلف أعضائه وأجزائه يصيبه الضعف والتلف والهرم مما ينذر بدنو الأجل .

قوله : ( لكي لا يعلم بعد علم شيئا ) ، اللام في ( لكي لا ) : لام التعليل ، وكي مصدرية ، وهي ناصبة للفعل بعدها . والمصدر المؤول من كي والفعل مجرور باللام ، وقيل : اللام لام كي ، وكي للتأكيد . وفي هذا نظر . وثمة وجه على أن اللام لام الصيرورة والعاقبة . و ( شيئا ) ، منصوب المصدر ( علم ) ، وقيل : منصوب بالفعل ( يعلم ) {[2566]} ؛ أي : يؤول أمره من حال العلم بالأشياء إلى أن لا يعلم شيئا . والمراد بذلك : قلة علمه وشدة نسيانه ، فإذا علم شيئا لم يلبث أن ينساه سريعا .

قوله : ( إن الله عليم قدير ) ، الله يعلم كل شيء مما يجري أو يدور في الكون من أشياء وحوادث . ومن جملة ذلك : الخلق والإماتة ، سواء في الصغر أو الشباب أو الكبر ، أو الرد إلى أخسّ العمر حيث الهرم والخرف والتلف والاهتراء ، ثم إماتة الصغير قبل الكبير ، أو العظيم قبل الحقير ، أو العالم قبل الجاهل ، أو المؤمن التقي قبل الفاسق الموغل في العصيان ؛ فكل ذلك بعلم الله وحكمته البالغة التي لا نعلم منها إلا ما علمنا إياه . وهو كذلك قدير على الخلق والتغيير والتحويل من حال إلى حال ، ومن طور إلى طور ، لا معقب لحكمه وتقديره{[2567]} .


[2566]:- الدر المصون جـ7 ص 263
[2567]:- روح المعاني جـ7 ص 187، 188 والبحر المحيط جـ5 ص 498 وتفسير النسفي جـ2 ص 293.