{ وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب } وهم طائفة من أحبار اليهود قالوا للمسلمين بعد وقعة أحد : ألم تروا إلى ما أصابكم ، ولو كنتم على الحق لما هزمتم ، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم ، رواه الواحدي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه . وروي أن فنحاص بن عازوراء وزيد بن قيس ونفراً من اليهود قالوا ذلك لحذيفة رضي الله تعالى عنه من حديث طويل ، ذكر الحافظ ابن حجر أنه لم يوجد في شيء من كتب الحديث .
{ لَوْ يَرُدُّونَكُم } حكاية لودادتهم ، وقد تقدم الكلام على ( لو ) هذه فأغنى عن الإعادة { مِن بَعْدِ إيمانكم كُفَّارًا } أي مرتدين ، وهو حال من ضمير/ المخاطبين يفيد مقارنة الكفر بالرد فيؤذن بأن الكفر يحصل بمجرد الارتداد مع قطع النظر إلى ما يرد إليه ، ولذا لم يقل لو يردونكم إلى الكفر ، وجوز أن يكون حالاً من فاعل ( وَدّ ) واختار بعضهم أنه مفعول ثان ليردونكم على تضمين الرد معنى التصيير إذ منهم من لم يكفر حتى يرد إليه فيحتاج إلى التغليب كما في { لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنَا } [ الأعراف : 88 ] على أن في ذلك يكون الكفر المفروض بطريق القسر وهو أدخل في الشناعة ، وفي قوله تعالى : { مِن بَعْدِ } مع أن الظاهر عن لأن الرد يستعمل بها تنصيص بحصول الإيمان لهم ، وقيل : أورد متوسطاً لإظهار كمال فظاعة ما أرادوه وغاية بعده عن الوقوع إما لزيادة قبحه الصاد للعاقل عن مباشرته ، وإما لممانعة الإيمان له كأنه قيل : من بعده إيمانكم الراسخ ، وفيه من تثبيت المؤمنين ما لا يخفي .
{ حَسَدًا } علة لِوَدّ لا ليردونكم لأنهم يودون ارتدادهم مطلقاً لا ارتدادهم المعلل بالحسد ، وجوزوا أن يكون مصدراً منصوباً على الحال أي حاسدين ولم يجمع لأنه مصدر ، وفيه ضعف لأن جعل المصدر حالاً كما قال أبو حيان لا ينقاس . وقيل : يجوز أن يكون منصوباً على المصدر والعامل فيه محذوف يدل عليه المعنى أي حسدوكم حسداً وهو كما ترى .
{ مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ } متعلق بمحذوف وقع صفة إما للحسد أي حسداً كائناً من أصل نفوسهم فكأنه ذاتي لها ، وفيه إشارة إلى أن بلغ مبلغاً متناهياً ، وهذا يؤكد أمر التنوين إذا جعل للتكثير أو التعظيم ، وإما للوداد المفهوم من ( وَدّ ) أي وداداً كائناً من عند أنفسهم وتشهيهم لا من قبل التدبر والميل إلى الحق ، وجعله ظرفاً لغواً معمولاً لِوَدّ أو ( حسداً ) كما نقل عن مكي يبعده أنهما لا يستعملان بكلمة ( من ) كما قاله ابن الشجري .
{ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحق } بالنعوت المذكورة في التوراة والمعجزات وهذا كالدليل على تخصيص الكثير بالأحبار لأن التبين بذلك إنما كان لهم لا للجهال ، ولعل من قال : إن الودادة من عوامهم أيضاً لئلا يبطل دينهم الذي ورثوه وتبطل رياسة أحبارهم الذين اعتقدوهم واتخذوهم رؤساء ، فالمراد من الكثير جميعهم من كفارهم ومنافقيهم ويكون ذكره لإخراج من آمن منهم سراً وعلانية يدعي أن التبين حصل للجميع أيضاً إلا أن أسبابه مختلفة متفاوتة وهذا هو الذي يغلب على الظن فإن من شاهد هاتيك المعجزات الباهرة والآيات الزاهرة يبعد منه كيفما كان عدم تبين الحق ومعرفة مطالع الصدق إلا أن الحظوظ النفسانية والشهوات الدنية والتسويلات الشيطانية حجبت من حجبت عن الإيمان وقيدت من قيدت في الخذلان .
{ فاعفوا واصفحوا } العفو ترك عقوبة المذنب ، والصفح ترك التثريب والتأنيب وهو أبلغ من العفو إذ قد يعفو الإنسان ولا يصفح ، ولعله مأخوذ من تولية صفحة الوجه إعراضاً أو من تصفحت الورقة إذا تجاوزت عما فيها . وآثر العفو على الصبر على أذاهم إيذاناً بتمكين المؤمنين ترهيباً للكافرين .
{ حتى يَأْتِي الله بِأَمْرِهِ } هو واحد الأوامر ، والمراد به الأمر بالقتال بقوله سبحانه : { قاتلوا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الآخر } إلى { وَهُمْ صاغرون } [ التوبة : 9 2 ] أو الأمر بقتل قريظة وإجلاء بني النضير ، وقيل : واحد الأمور ، والمراد به القيامة أو المجازاة يومها أو قوة الرسالة وكثرة الأمة ، ومن الناس من فسر الصفح بالإعراض عنهم وترك مخالطتهم وجعل غاية العفو إتيان آية القتال وغاية الإعراض إتيان الله تعالى أمره ، وفسره بإسلام من أسلم منهم كما قاله الكلبي وليس بشيء لأنه يستلزم أن يحمل الأمر على واحد الأوامر وواحد الأمور ، وهو عند المحققين جمع بين الحقيقة والمجاز ، وعن قتادة والسدي ، وابن عباس رضي الله تعالى عنهم : أن الآية منسوخة بآية السيف ، واستشكل/ ذلك بأن النسخ لكونه بياناً لمدة الانتهاء بالنسبة إلى الشارع ودفعاً للتأبيد الظاهري من الإطلاق بالنسبة إلينا يقتضي أن يكون الحكم المنسوخ خالياً عن التوقيت والتأبيد فإنه لو كان مؤقتاً كان الناسخ بياناً له بالنسبة إلينا أيضاً ولو كان مؤبداً كان بدءاً لا بياناً بالنسبة إلى الشارع والأمر ههنا مؤقت بالغاية وكونها غير معلومة يقتضي أن تكون آية القتال بياناً لإجماله وبذلك تبين ضعف ما أجاب به الإمام الرازي وتبعه فيه كثيرون من أن الغاية التي يتعلق بها الأمر إذا كانت لا تعلم إلا شرعاً لم يخرج الوارد من أن يكون ناسخاً ويحل محل { فاعفوا واصفحوا } إلى أن أنسخه لكم فليس هذا مثل قوله تعالى : { ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى الليل } [ البقرة : 187 ] وأما تأييد الطيبي له بحكم التوراة والإنجيل لأنه ذكر فيهما انتهاء مدة الحكم بهما بإرسال النبي الأمي بنحو قوله تعالى : { الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبي الأمي الذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ في التوراة والإنجيل } [ الأعراف : 157 ] وكان ظهوره صلى الله عليه وسلم نسخاً فيرد عليه ما في «التلويح » من أن الواقع فيهما البشارة بشرع النبي صلى الله عليه وسلم ، وإيجاب الرجوع إليه وذلك لا يقتضي توقيت الأحكام لاحتمال أن يكون الرجوع إليه باعتبار كونه مفسراً أو مقرراً أو مبدلاً للبعض دون البعض ، فمن أين يلزم التوقيت بل هي مطلقة يفهم منها التأبيد فتبديلها يكون نسخاً ؛ وأجيب عن الاستشكال بأنه لا يبعد أن يقال : إن القائلين بالنسخ أرادوا به البيان مجازاً أو يقال : لعلهم فسروا الغاية بإماتتهم أو بقيام الساعة ، والتأبيد إنما ينافي إطلاق الحكم إذا كان غاية للوجوب ، وأما إذا كان غاية للواجب فلا ، ويجري فيه النسخ عند الجمهور قاله مولانا الساليكوتي إلا أن الظاهر لا يساعده فتدبر .
{ إِنَّ الله على كُلِّ شيء قَدِيرٌ } تذييل مؤكد لما فيهم من سابقه ، وفيه إشعار بالانتقام من الكفار ووعد للمؤمنين بالنصرة والتمكين ، ويحتمل على بعد أن يكون ذكراً لموجب قبول أمره بالعفو والصفح وتهديداً لمن يخالف أمره .
قوله تعالى : { ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير } يتمنى كثير من أهل الكتاب . يهودا ونصارى- لو يرتد المسلمون عن دينهم إلى الكفر . وقوله : { حسدا } مفعول لأجله . أي أن تمنيهم بردة المسلمين إلى الكفر أساسه الحسد الذي تختزنه نفوس هؤلاء الضالين المبغضين والذين لا يتمنون للإسلام والمسلمين غير التدمير والخسران . فهم يحسدون المسلمين على ما جاءهم من الحق . وهو الحق في العقيدة الواضحة المستنيرة المستقيمة ، الحق في التشريع العظيم الذي يتناول قضايا البشرية في كل مناحي الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والقضائية والتربوية ، وهو الحق الذي يصنع الإنسان الصالح المميز ، بكل ما في الكلمة من معنى . إنه المميز في طبعه السليم ، وفي خلقه السوي المفضال ، وفي سيرته وسلوكه المبرأ من آفات المشركين والمضلين والمفسدين .
إن هذا الإنسان الصالح ، في طبعه ونفسه وسلوكه ، والصالح في فكره وما حواه العقل من مذخور المعرفة والتصور ، لهو الذي يثير في نفوس الكفرة المتعصبين اللُّد خصلة الحسد فيتمنون بذلك عودة المسلمين إلى دين غير دينهم ، إلى دين أو ملة أخرى تحرفهم عن سلامة العقيدة والفكر ، وعن سلامة الوعي والتصور الذي يبعثه الإسلام في الإنسان . يتمنون أن تتجه قلوب المسلمين وعقولهم إلى أية عقيدة أو ديانة أخرى غير الإسلام ؛ ليتسنى بعد ذلك قودهم إلى مباءات الضعف والخور والانحلال والتبعية فينماعوا في الأرض شاردين ضالين حيارى . أو ليتقلبوا ضعافا تابعين تتشبث أهواؤهم بأهل الكتاب وهم يركضون وراءهم ركض اللاهث الذليل المستضعف .
والحسد نوعان : أحدهما مذموم ، والآخر محمود . أم المذموم : فهو أن يتمنى المرء أن تكون له النعمة كالتي عند غيره مع رغبته في زوالها من عند هذا الآخر ، والتمني في ذاته لا بأس فيه لو لم يكن مقترنا برغبة الزوال للخير والنعمة من عند الآخرين . وهو إحساس يبسط للعيان حقيقة طبع فاسد وبغيض يتمنى معه الحسود لو تنمحق النعمة أو الخير من عند أصحابه .
وأما الحسد المحمود : فهو أن يتمنى المرء ما لدى غيره من الخير والنعمة مع رغبته في دوامها عنده . فهو يجب أن تكون له النعمة كالتي عند غيره ، وما في ذلك من بأس ، وذلك إحساس فطري معقول لا يصطدم بطبيعة هذا الدين الذي يلائم الفطرة البشرية أعظم تلاؤم ، لكنه لا تخالطه أدران الأنانية والأثرة ليتمنى زوال هذه النعم من عند غيره . ويمكن أن يطلق على هذا التمني المشروع " الغبطة " وهي تمني ما عند الآخرين مع الرغبة في بقائها عندهم{[111]} . وللاستدلال على وجود هذا الضرب من الحسد المشروع يقول الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) : " لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار " {[112]} .
قوله : { من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق } أي أنهم كانوا يحسدون المسلمين ويتمنون لهم الضلال والارتداد عن دينهم ولم يكن تمنيهم هذا صادرا عن كتاب لهم ولا أمروا به ، بل كان من تلقاء أنفسهم وطبائعهم الحاقدة الحاسدة ، هذه الطبائع الملتوية الشاذة التي لا تحب الخير للإسلام أو المسلمين . فهم في حسدهم هذا لا يستندون إلى مبرر أو دليل إلا الكراهية البحتة والحسد الحاقد الممحض . مع أن هؤلاء أعراف الناس بحقيقة النبي محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ وذلك لمعرفتهم المسبقة بأنه المبعوث من عند الله ليكون للناس رسولا وهاديا ونذيرا . وهي حقيقة ما كانت تغيب عن أذهانهم لولا الطبع الفاسد وما كان يركم في نفوسهم من حسد . فقد كانوا يتلون في كتبهم السماوية أن هذا النبي مرسل من عند الله ، فلا هو بالمنتحل ولا هو بالمفتري .
قوله : { فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره } يأمر الله عباده المؤمنين أن يظلوا صابرين على الحق مستمسكين بدين الله ، فلا تزعزعهم مكائد الكافرين وأذاهم . ويأمر الله كذلك أن يتجاوزوا عن مساءلة الظالمين الكافرين بالعفو والصفح ، فلا يؤاخذوهم ولا يحاسبوهم على ما اقترفوه من إضرار وتأذية إلى أن يكتب الله لهم النصر . وقد ذهبت جمهرة كبيرة من أهل العلم إلى أن هذه الآية منسوخة ، نسختها آيات القتال . وذلك كقوله تعالى : { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } .
وقوله تعالى أيضا : { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } ويؤيد قولهم بالنسخ هنا قوله تعالى بعد ذلك : { حتى يأتي الله } .
وقيل : إن الآية محكمة ولم يقع عليها نسخ . والمراد أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) والمسلمين مدعوون جميعا للصبر على البلاء مما يلحق بهم من ضروب الضرر والتعدي . وذلك هو شأن المسلم ؛ إذ يجلله الخلق الكريم فيبادر بالعفو والصفح عن مساءات الظالمين الذين ما فتئوا يثيرون في وجوه المسلمين الشر والعدوان والأذى .
قوله : { إن الله على كل شيء قدير } وهذه الحقيقة متسقة تماما مع الوعد السابق في قوله تعالى : { حتى يأتي الله بأمره } فهو جلت قدرته قد كتب النصر لعباده الصابرين العاملين ، وكتب أن الغلبة له سبحانه ورسله { كتب الله لأغلبن أنا ورسلي } وذلك كله على الله هين ويسير ؛ لأنه سبحانه على كل شيء قدير .